آخر الأخبار

سيد الدكروري يكتب..التعليم العالي في مصر من أروقة الأزهر إلى جامعات الجيل الرابع

شارك

لم يكن التعليم العالي في مصر يومًا مجرد مسار دراسي أو محطة للحصول على وظيفة، بل كان على امتداد التاريخ مرآة لروح هذا الوطن وقدرته على النهوض من كل العثرات.

فالأمم تُقاس بما تنتجه من علم، وبما تصنعه جامعاتها من عقول، ومصر أدركت هذه الحقيقة مبكرًا، حين تحوّل الأزهر الشريف قبل أكثر من ألف عام إلى أول جامعة حقيقية في المنطقة، ومنها انطلقت فكرة أن المعرفة قوة وأن الكتاب يمكن أن يكون أداة لبناء الدولة مثل السيف تمامًا.

مصدر الصورة

من أروقة الأزهر خرجت تيارات فكرية شكّلت وجدان المصريين، وهناك تلاقى طلاب العلم من المشرق والمغرب، وتكوّن عقل ديني مستنير قاوم الجمود وفتح الباب أمام أسئلة العصر.

لم يكن الأزهر مؤسسة تعليمية فحسب، بل كان برلمانًا معرفيًا يناقش قضايا المجتمع والسياسة واللغة والفلسفة، ولذلك ظل لقرون طويلة قلب الحياة الثقافية في مصر.

وحين دخلت البلاد عصر الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر، لم يكن ممكنًا بناء نهضة جديدة دون أن يتجاور هذا التراث مع علوم العصر.

مصدر الصورة

جاء مشروع محمد علي ليضع البذرة الأولى للتعليم الحديث ، فأنشأ مدارس الطب والهندسة والألسن، وأرسل البعثات إلى أوروبا، وعاد رفاعة الطهطاوي ليترجم علوم الغرب إلى لغة يفهمها المصريون.

كانت تلك اللحظة أشبه بجسر بين زمنين: زمن المؤسسة الدينية التقليدية، وزمن الجامعة المدنية الحديثة.

ومن رحم هذه التحولات وُلدت الجامعة المصرية عام 1908 كحلم وطني قاده مثقفون آمنوا بأن الاستقلال الحقيقي يبدأ من قاعة الدرس.

مصدر الصورة

تحوّلت الجامعة لاحقًا إلى جامعة القاهرة، وصارت نموذجًا لبقية الجامعات التي انتشرت في أنحاء البلاد.

وبعد ثورة يوليو اتخذ التعليم العالي بُعدًا اجتماعيًا واضحًا، فأصبحت الجامعة حقًا لأبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة، لا امتيازًا للنخبة وحدها.

تأسست جامعات في الأقاليم، وامتلأت المدرجات بأبناء القرى الذين وجدوا في التعليم سلّمًا للعدالة الاجتماعية.

غير أن هذا التوسع الكمي حمل في داخله تحديات كبيرة، فما أسهل أن نبني مباني، وما أصعب أن نبني عقولًا.

في التسعينيات دخل التعليم العالي مرحلة جديدة مع ظهور الجامعات الخاصة والأهلية، وبدأ الحديث عن الجودة والاعتماد، وعن ضرورة ربط الخريج بسوق العمل.

ومع مطلع العقد الأخير أخذت الدولة مسارًا أكثر جرأة، فأنشأت جامعات الجيل الرابع، وفتحت الباب أمام أفرع الجامعات الدولية، وتحدّثت للمرة الأولى بلغة الاقتصاد المعرفي والذكاء الاصطناعي.

مصدر الصورة

أرقام اليوم تقول إن لدينا أكثر من مئة جامعة بمختلف أنماطها، ونحو أربعة ملايين طالب، وعشرات الآلاف من أعضاء هيئة التدريس، وهو رقم ضخم يعكس حجم المسؤولية قبل أن يعكس حجم الإنجاز.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي أن تتسع الخريطة الجامعية كي نقول إننا امتلكنا تعليمًا عاليًا حقيقيًا؟ التجربة تقول إن العبرة ليست بعدد الجامعات، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة.

ما زلنا نعاني فجوة واضحة بين ما يُدرَّس في القاعات وما يحتاجه سوق العمل، وما زال البحث العلمي في كثير من الأحيان نشاطًا نظريًا لا يتحول إلى قيمة اقتصادية.

والجامعة التي لا تصنع تأثيرًا في محيطها الاجتماعي تبقى مبنى جميلًا بلا روح.

التحدي الأكبر اليوم هو أن تتحول جامعاتنا من مؤسسات لتلقين المعرفة إلى مصانع لإنتاجها.

العالم يتغير بسرعة مذهلة، والوظائف التي نُعدّ لها طلابنا قد تختفي خلال سنوات قليلة.

مصدر الصورة

لم يَعُد إصلاح منظومة التعليم العالي ترفًا اختياريًا، بل أصبح قضية وطنية مصيرية تتصدر أولويات الدولة في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ مصر.

وهو التوجّه الذي يؤكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في كل محفل، إيمانًا بأن التعليم الحديث هو القاطرة الحقيقية للتنمية، والطريق الذي ينقل وطننا من دائرة الاستهلاك إلى رحاب الإنتاج والابتكار، ليصبح قادرًا على بناء اقتصاد وطني قوي قائم على المعرفة، وسواعد أبنائه المبدعين.

نحن بحاجة إلى مناهج مرنة، وإلى أستاذ جامعي يمتلك أدوات العصر، وإلى شراكة حقيقية بين الجامعة والصناعة، وإلى بحث علمي يجد طريقه إلى المصنع والمستشفى والحقل.

كما أن العدالة في التعليم تظل قضية جوهرية.

فالتوسع في التعليم الخاص لا يجب أن يصنع طبقية معرفية جديدة، والجامعات الحكومية مطالَبة بأن تستعيد بريقها العلمي كي لا يصبح الفقراء وحدهم ضحايا التراجع.

المعرفة حق للجميع، لكن جودتها مسؤولية الدولة والمجتمع معًا.

لقد نجحت مصر خلال السنوات الأخيرة في تحسين موقع عدد من جامعاتها في التصنيفات الدولية، وزاد النشر العلمي، وتوسعت برامج التعاون مع جامعات العالم.

وهي خطوات مهمة، لكنها لن تكون كافية ما لم يشعر الطالب داخل المدرج بأن ما يتعلمه سيصنع مستقبله فعلًا، لا أن يكون مجرد شهادة تُعلَّق على الجدار.

إنني أؤمن أن التعليم العالي في مصر يقف اليوم على مفترق طرق يشبه ذلك الذي وقفت عليه البلاد قبل قرن، حين تأسست الجامعة المصرية.

آنذاك كان السؤال: كيف نبني جامعة وطنية مستقلة؟ أما اليوم فالسؤال: كيف نبني جامعة قادرة على المنافسة عالميًا؟ الفرق كبير، لكن الروح يجب أن تكون واحدة: روح الإيمان بأن نهضة مصر تبدأ من عقول أبنائها.

من الأزهر إلى جامعات الذكاء الاصطناعي تمتد خيوط قصة طويلة، فيها لحظات مجد وإخفاق، وفيها علماء أناروا الطريق، وطلاب حلموا بغد أفضل.

هذه القصة لم تنتهِ بعد، ونحن الجيل المكلّف بكتابة فصلها الجديد.

وإذا كانت السياسة تبني الحاضر، فإن الجامعة تبني المستقبل، والمستقبل لا يُمنح لمن ينتظره، بل لمن يصنعه بالعلم والعمل.

إن مصر التي علّمت العالم معنى المدرسة قادرة على أن تعلّمه من جديد معنى الجامعة الحديثة، شرط أن نمتلك الشجاعة للإصلاح، والإيمان بأن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في البشر.

وعندما تستعيد الجامعة دورها التنويري والبحثي والاجتماعي، سنكتشف أن طريق التنمية يبدأ دائمًا من بوابة المعرفة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الفجر المصدر: الفجر
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا