أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيىات الإفتاء في العالم أن تمكين المرأة يمثل أحد أهم مرتكزات مواجهة الفكر المتطرف وبناء مجتمعات متماسكة وقادرة على حماية قيمها.
جاء ذلك خلال ترؤسه الجلسة الثالثة من مؤتمر«استثمار الخطاب الديني والإعلامي وأثره على حماية وتعزيز حقوق المرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي» والتي جاءت تحت عنوان «آليات مكافحة التطرف وتعزيز قيم التسامح والتماسك المجتمعي».
وشدد على أن الإسلام قدَّم نموذجًا حضاريًا متقدمًا في إنصاف المرأة وإبراز دورها الفاعل، ومنحها حقوقها كاملة دون انتقاص، مؤكدًا أن تعزيز قيم التسامح والتعايش المشترك يبدأ من وعي مجتمعي حقيقي بدور المرأة كشريك أصيل في بناء الإنسان وصناعة الاستقرار.
وعرض الدكتور ماجد عثمان، الرئيس التنفيذي للمركز المصري لبحوث الرأي العام «بصيرة»، تجربة مرصد المرأة المصرية، مؤكدًا أنه يعمل من قلب المجتمع المصري وبالتوازي مع متخذي القرار، لرصد وتحليل قضايا المرأة، ومعالجة البيانات المرتبطة بها وصولًا إلى حلول عملية لمشكلاتها.
وبين أن دعم التمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمرأة، وتعزيز أدوارها القيادية، يسهم في مساعدة صانعي القرار على وضع إطار عام فعّال لمعالجة التحديات المرتبطة بقضايا المرأة وتحقيق التنمية المستدامة، بما يدعم بناء مجتمع أكثر وعيًا وعدالة ويعظم من دور المرأة كشريك فاعل في مسيرة التنمية الشاملة.
من جهتها، أوضحت الدكتورة سحر نصر، مستشار شيخ الأزهر لشئون بيت الزكاة والصدقات، أن أي مجتمع آمن ومتماسك يبدأ بتأسيس قاعدة قوية تشمل التعليم الجيد، والرعاية الصحية المتكاملة، والأمن الغذائي، إلى جانب تعزيز الوعي بوسطية الدين والقيم الإنسانية، موضحة أن بيت الزكاة يضع المرأة في قلب اهتمامه، من خلال دعم المرأة المعيلة وكفالة الأيتام، وتمويل المشروعات متناهية الصغر والمبادرات الاقتصادية، بهدف تمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا.
وشددت على أن هذه البرامج لا ترفع فقط من مكانة المرأة، بل تخلق مجتمعًا متوازنًا يضمن مشاركة المرأة الفاعلة في التنمية الشاملة ويعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ما يجعل تمكين المرأة حجر الزاوية في بناء مجتمع آمن ومستدام.
من جهته، أكد الدكتور أسامة الحديدي، مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن الأزهر الشريف بذل جهودًا ممتدة خلال السنوات الأربع الماضية في استثمار دور الخطاب الديني في دعم حقوق المرأة وتعزيز استقرار الأسرة بوجه عام، وذلك من خلال تعاون وثيق مع المجلس القومي للمرأة.
وأوضح أن المركز قدّم ما يزيد على عشرة آلاف محاضرة توعوية استهدفت دعم الأسرة وترسيخ الوعي المجتمعي بقيم الاحترام والتكافل، إلى جانب قيامه بدور فاعل عبر «وحدة لمّ الشمل» في معالجة الخلافات الأسرية والحد من النزاعات، بما يسهم في حماية النسيج المجتمعي ومواجهة أسباب التفكك والتطرف.
من جهتها، أشارت الدكتورة رهام سلامة، المدير التنفيذي لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، إلى الآليات المتكاملة التي يعتمدها المرصد في مواجهة التطرف وتعزيز منظومة القيم والتماسك المجتمعي، من خلال الرصد والتحليل والتفكيك العلمي للخطابات المتطرفة.
واستعرضت التحديات المرتبطة بخطاب التطرف الموجه ضد المرأة، وسبل مواجهته، موضحة أنه من الضروي العمل على تفكيك هذا الخطاب المتطرف ضد المرأة وكشف مغالطاته وآثاره السلبية على استقرار المجتمعات، مؤكدة أن التطرف الموجَّه ضد المرأة يُعد من أخطر أشكال التطرف، لما له من تداعيات مباشرة على الأسرة والمجتمع.
وبيّنت الدكتورة سوزان القليني، عضو المجلس القومي للمرأة، أن الإعلام والدين يُعدّان من أكثر الأدوات تأثيرًا في تشكيل الوعي المجتمعي وتوجيهه، مؤكدة أهمية ضبط الخطاب الإعلامي والديني بما يضمن صون كرامة المرأة، وتصحيح الصور النمطية المرتبطة بها، ومتابعة قضاياها بصورة مؤسسية وفردية وإعلامية مسئولة.
واعتبرت أن تكامل الدور الإعلامي مع المؤسسات الدينية يمثل ركيزة أساسية في دعم حقوق المرأة، باعتبار هذه المؤسسات أداة مؤثرة في تناول وتحليل صورة المرأة وقضاياها على المستويين المحلي والعالمي، بما يسهم في ترسيخ القيم الإنسانية والعدالة الاجتماعية وتعزيز مكانة المرأة في المجتمع.
وفي ذات السياق، أكد الدكتور محمد عبودة عضو مركز الأزهر لمكافحة التطرف، أن اتساع دائرة الخطاب الديني المعاصر يفرض التعامل مع أسئلة المرأة بوصفها قضايا واقعية تحتاج إلى حلول متكاملة، لا مجرد إجابات فقهية تقليدية، مشددًا على أن المرأة تواجه تحديات مركبة تتطلب خطابًا دينيًا واعيًا بطبيعة العصر.
وأضاف أن من بين هذه التحديات تصحيح المفاهيم المرتبطة بدور المرأة ومكانتها، ومواجهة الرؤى المادية الوافدة من الخارج، لا سيما ما يتعلق بأنماط الملبس وتغييب القيم، إلى جانب التحديات الرقمية وعلى رأسها الابتزاز الإلكتروني، داعيا إلى تبني خطاب ديني شامل ومتماسك، ينطلق من الواقع، ويقدّم حلولًا عملية تحمي المرأة وتدعم دورها، وتسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي.
فيما أوضحت إيمان أبو قورة عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن المرأة كان لها دور فاعل ومحوري منذ عهد النبي ﷺ، أسهمت في مجالات التشريع والفقه والحياة العامة، ولا يزال هذا الدور ممتدًا حتى اليوم، بما يعكس مكانتها الأصيلة في بناء المجتمع، مبينة أن دور القائمين على الإفتاء لا يقتصر على الرد على الأسئلة فقط، بل يمتد إلى التفاعل المجتمعي الإيجابي، والاستفادة من الأدوار المتعددة للمرأة بما يحقق التكامل المجتمعي، مؤكدة أن ما ارتبط بالمرأة من ظلم أو عنف إنما يرجع إلى بعض العادات والتقاليد الخاطئة، وأن الدين الإسلامي بريء منها تمامًا.
وانتهت الجلسة بضرورة مواجهة الشبهات المتعلقة بقضايا المرأة من خلال منهجية علمية وشرعية دقيقة لتصحيح المفاهيم، مع التأكيد على تطوير الخطاب الديني والإعلامي بما يعزز قيم التسامح، ورفع كفاءة الوعاظ والإعلاميين في تناول هذه القضايا، داعية إلى تمكين المرأة واستثمار دورها في المجتمع، ودعم جهود بيت الزكاة والصدقات المصري، فضلا عن وضع سياسة إعلامية واضحة تعزز الصورة الإيجابية للمرأة وتضمن تحويل التوصيات إلى برامج قابلة للتنفيذ وذات أثر مستدام.
المصدر:
الشروق