آخر الأخبار

سيد الدكروري يكتب..أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد رائد التنوير وباني العقل المصري

شارك

يُعد أحمد لطفي السيد واحدًا من أبرز رموز الفكر والتنوير في تاريخ مصر الحديث، حتى استحق عن جدارة لقب «أستاذ الجيل» .
لم يكن هذا اللقب مجاملة أدبية، بل تعبيرًا دقيقًا عن تأثيره العميق في تشكيل الوعي الوطني، وترسيخ قيم العقلانية، وبناء مشروع ثقافي وتعليمي امتد أثره لأجيال متعاقبة من المثقفين والطلاب وصنّاع القرار.
وُلد أحمد لطفي السيد عام 1872، في زمن كانت فيه مصر تعيش تحولات سياسية وفكرية معقدة تحت وطأة الاحتلال الأجنبي

مصدر الصورة


ومنذ بداياته، آمن بأن النهضة الحقيقية لا تقوم إلا على تحرير العقل قبل الأرض، وأن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون استقلال فكري.
لذلك اتجه مبكرًا إلى الفكر والكتابة والصحافة، وجعل من القلم أداة مقاومة وبناء في آنٍ واحد.
ارتبط اسم لطفي السيد بالدعوة إلى الليبرالية العقلانية، حيث تبنى مبدأ «الحرية» بوصفه أساس التقدم، سواء حرية الفرد أو حرية الفكر أو حرية البحث العلمي.


وكان من أوائل من نادوا بضرورة الفصل بين العاطفة والسياسة، والاحتكام إلى العقل والمنطق في إدارة شؤون المجتمع والدولة، وهو ما شكّل نقلة نوعية في الخطاب الفكري المصري آنذاك.

في المجال الصحفي، لعب دورًا محوريًا من خلال رئاسته لتحرير جريدة «الجريدة»، التي تحولت إلى منبر للتنوير ونشر الأفكار الإصلاحية، وساهمت في تكوين نخبة مثقفة تؤمن بالدولة المدنية، والتعليم الحديث، واحترام القانون.
وقد تميز أسلوبه بالوضوح والهدوء والعمق، بعيدًا عن الخطابة الحماسية، ما أكسبه احترام خصومه قبل أنصاره.

أما في مجال التعليم، فيُعد أحمد لطفي السيد أحد الأعمدة المؤسسة للتعليم الجامعي الحديث في مصر.

فقد تولى منصب أول مدير للجامعة المصرية (جامعة القاهرة )، واضعًا أسسًا راسخة لاستقلال الجامعة وحرية الأساتذة والطلاب.

مصدر الصورة


وكان يؤمن بأن الجامعة ليست مجرد مؤسسة لتلقين المعارف، بل فضاء لصناعة العقل النقدي، وإعداد الإنسان القادر على التفكير الحر وخدمة مجتمعه.

وخلال إدارته للجامعة، دافع بقوة عن استقلالها الأكاديمي في مواجهة أي تدخل سياسي أو إداري، وحرص على استقطاب كبار العلماء والمفكرين، وتشجيع البحث العلمي والترجمة، معتبرًا أن التواصل مع الفكر الإنساني العالمي شرط أساسي للنهضة.
ولم يكن غريبًا أن تتخرج في عهده أجيال من الرموز الفكرية والعلمية التي قادت الحياة الثقافية والسياسية في مصر لعقود لاحقة.

كما ارتبط اسم «أستاذ الجيل» بحركة الترجمة، خاصة في مجال الفلسفة اليونانية، حيث ساهم في نقل أعمال أرسطو وغيرها إلى العربية، إدراكًا منه لأهمية الجذور الفلسفية في بناء التفكير العلمي والمنهجي.
وكان يرى أن الترجمة ليست نقلًا لغويًا فحسب، بل جسرًا حضاريًا يربط الماضي بالحاضر، والشرق بالغرب.

سياسيًا، لم يكن أحمد لطفي السيد رجل سلطة، بقدر ما كان رجل فكرة. ورغم مشاركته في الحياة العامة، فإنه ظل منحازًا إلى مبدأ الإصلاح التدريجي، ورافضًا للعنف والفوضى، مؤمنًا بأن بناء الدول يتم عبر التعليم، وسيادة القانون، واحترام التعددية.
وقد مثّل هذا التوجه مدرسة فكرية متكاملة أثّرت في مسار الحركة الوطنية المصرية.

ورغم مرور عقود على رحيله، ما زال تراث أحمد لطفي السيد حاضرًا بقوة في النقاشات الفكرية المعاصرة، خاصة في قضايا الهوية، والدولة المدنية، وحرية التعبير، ودور الجامعة في المجتمع.
ويظل استدعاء سيرته اليوم ضرورة ملحّة، في وقت تتجدد فيه التحديات أمام العقل العربي، وتتعاظم الحاجة إلى خطاب تنويري رصين يعيد الاعتبار لقيم العلم والعقل.

لقد كان أحمد لطفي السيد أكثر من مفكر أو أستاذ جامعي؛ كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا، آمن بالإنسان وقدرته على التغيير، ووضع لبنات أساسية في بناء مصر الحديثة.
ولهذا سيبقى «أستاذ الجيل» علامة مضيئة في تاريخ الفكر المصري، ومرجعًا أصيلًا لكل من يسعى إلى نهضة حقيقية تقوم على الوعي، لا الشعارات.

الفجر المصدر: الفجر
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا