آخر الأخبار

عصر الـ DNA.. كيف تقود قطرة عرق واحدة إلى حبل مشنقة للمجرمين؟

شارك

لم تعد الجريمة الكاملة سوى أسطورة من وحي الخيال في ظل التطور المذهل الذي يشهده علم الأدلة الجنائية، حيث برز تحليل الحمض النووي "الـ DNA" كواحد من أقوى الأسلحة التي تمتلكها أجهزة إنفاذ القانون في العصر الحديث.

هذا "الشاهد الصامت" الذي لا يعرف الكذب أو النسيان، بات يمثل الكابوس الأكبر للمجرمين، إذ يكفي أن يترك الجاني أثراً لا يُرى بالعين المجردة، سواء كان قطرة عرق، أو خصلة شعر، أو حتى مسحة من لعابه على سيجارة، ليكون ذلك كافياً لرسم خارطة جينية دقيقة تقود رجال المباحث إلى هويته الحقيقية مهما حاول التخفي أو طمس معالم جريمته.

وتكمن الأهمية القصوى للبصمة الوراثية في قدرتها الفائقة على فك طلاسم القضايا التي كانت تُصنف سابقاً بأنها "مقيدة ضد مجهول"، حيث تلعب دوراً محورياً في الربط بين الجاني ومسرح الجريمة بدقة تصل إلى مئة بالمئة.


ولم يتوقف الأمر عند حدود الإدانة فحسب، بل إن قوة الـ DNA تظهر أيضاً في تبرئة المظلومين الذين قد تقودهم المصادفات أو الشبهات إلى دائرة الاتهام، مما يعزز من قيم العدالة الناجزة ويضمن عدم إفلات المجرم الحقيقي من العقاب.

إن هذا اليقين العلمي الذي يوفره التحليل البيولوجي أحدث ثورة في منظومة التحقيقات، وانتقل بها من مرحلة الاعتماد على الشهود والاعترافات التي قد تتغير، إلى مرحلة الدليل المادي القاطع الذي لا يقبل التأويل.

علاوة على ذلك، فإن الاعتماد الواسع على تقنيات البصمة الوراثية ساهم في تحقيق مفهوم "الردع العام" بشكل غير مسبوق؛ فعندما يدرك الخارجون عن القانون أن أجسادهم تحمل هويتهم التي ستفضحهم عند أول خطأ، يتولد لديهم شعور بالخوف من الملاحقة الأمنية التي لا تخطئ.

هذا الردع النفسي يقلل من معدلات الجريمة المنظمة والجرائم الجنائية الكبرى، حيث أصبحت المعامل الجنائية اليوم تمتلك قواعد بيانات ضخمة تتيح مطابقة العينات في غضون ساعات، مما يجعل هروب الجاني من وجه العدالة مسألة وقت ليس أكثر.

إن استثمار الدولة في تطوير المعامل الجنائية وتزويدها بأحدث أجهزة تحليل الحمض النووي يعكس إدراكاً عميقاً بأن الأمن لم يعد مجرد طلقة رصاص أو ملاحقة ميدانية، بل هو "علم" يواجه الجريمة بالعقل والبيولوجيا.

ومع كل تطور جديد في هذا المجال، تضيق الدائرة أكثر فأكثر حول المفسدين، وتترسخ طمأنينة المجتمع في جهاز أمني قادر على كشف المستور وإعادة الحقوق لأصحابها بقوة العلم وسلطان القانون، لتظل البصمة الوراثية هي الحارس الأمين الذي يحمي العدالة ويحقق الردع في عالم باتت التكنولوجيا فيه هي الحكم والفيصل.


شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا