آخر الأخبار

أحمد المسلمانى: العالم الذى نعرفه اليوم صنيعة الحروب الكبرى

شارك

شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 ندوة «الثقافة والسياسة في زمن اللا يقين.. مآلات القرن الحادي والعشرين»، التي خُصصت لمناقشة كتاب الإعلامي أحمد المسلماني ، وسط حضور ثقافي وإعلامي لافت، ومشاركة نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن العام. وفي مستهل الندوة، استهلت الإعلامية ليلى عمر، حديثها بالترحيب بالحضور، مؤكدة أن اللقاء يأتي في سياق فكري بالغ الأهمية، في وقت يشهد فيه العالم تحولات كبرى على المستويات السياسية والثقافية والمعرفية.

وسلطت ليلى عمر الضوء على المسيرة المهنية والفكرية للإعلامي أحمد المسلماني، مشيرة إلى عمله مستشارًا للدكتور أحمد زويل، ومستشارًا سابقًا لرئيس الجمهورية، فضلًا عن كونه أحد الأصوات الإعلامية التي جمعت بين المعرفة العلمية والتحليل السياسي. كما توقفت عند كتاب «عصر العلم» للدكتور أحمد زويل، الذي كتب المسلماني مقدمته، معتبرة أن تلك التجربة شكلت أحد المفاتيح الأساسية لفهم علاقة العلم بالسياسة في مشروعه الفكري.

وأكدت أن كتاب « الثقافة والسياسة في زمن اللا يقين » يُعد امتدادًا لهذا المشروع، حيث يقدم قراءة معمقة للتاريخ القريب والراهن، عبر سلسلة من اللقاءات والتحليلات التي ناقشت مسارات دول العالم العربي وتحولات النظام الدولي.

واستهل الإعلامي أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، حديثه بالإشارة إلى أن العالم الذي نعرفه اليوم لم يكن موجودًا بالصورة ذاتها قبل قرون قليلة، موضحًا أن النظام العالمي شهد تحولات جذرية منذ لحظة الاكتشافات الكبرى.
وأكد أن العالم قبل عام 1492 لم يكن يعرف الأمريكيتين، وأن خريطة القوة الدولية كانت مختلفة تمامًا عمّا نراه اليوم.

وأوضح أن الولايات المتحدة وروسيا، باعتبارهما قوتين عظميين في العصر الحديث، لم تكونا حاضرتين على المسرح العالمي بالصورة التي نعرفها الآن، مشيرًا إلى أن روسيا نفسها مرت بأربع مراحل تاريخية كبرى: روسيا القيصرية، ثم الإمبراطورية الروسية، فال اتحاد السوفيتي، وأخيرًا روسيا الاتحادية، وهي تحولات تعكس موجات التاريخ وصعود القوى الكبرى وسقوطها.

وتوقف المسلماني عند الامتداد الجغرافي الهائل لروسيا، باعتباره عاملًا حاسمًا في فهم دورها العالمي، مشيرًا إلى أن المسافة من شرقها إلى غربها تتجاوز عشرة آلاف كيلومتر، بما يفوق المسافات بين عواصم كبرى في العالم، وهو ما يفسر تعقيد التجربة الروسية تاريخيًا وسياسيًا.


وتناول المسلماني صعود قوى جديدة إلى المسرح العالمي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، موضحًا أن اليابان لم تكن دولة مؤثرة حتى انتصارها على روسيا عام 1905، وهو الحدث الذي دشّن دخولها نادي القوى الكبرى.

وأشار كذلك إلى أستراليا، التي كانت مستعمرة بريطانية بعيدة عن مركز العالم، قبل أن تبدأ مسارها كدولة مستقلة في مطلع القرن العشرين، وتفرض حضورها لاحقًا بعد الحرب العالمية الثانية. كما تطرق إلى كوريا الجنوبية، التي لم تكن حاضرة في النظام العالمي إلا في العقود الأخيرة، قبل أن تصبح نموذجًا اقتصاديًا وثقافيًا مؤثرًا، خاصة مع ما عُرف بالموجة الكورية.

وفي هذا السياق، قدّم المسلماني قراءة نقدية لمفهوم «الغرب»، موضحًا أن الغرب لم يعد مجرد توصيف جغرافي، بل أصبح إطارًا ثقافيًا وفكريًا وسياسيًا، يضم دولًا تقع جغرافيًا في الشرق مثل اليابان وكوريا الجنوبية، لكنها تنتمي حضاريًا إلى ما يُعرف بالغرب الثقافي، إلى جانب أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا.

وانتقل المسلماني إلى تفكيك الصورة النمطية للحضارة الأوروبية، مؤكدًا أنها لم تكن وليدة مسار سلمي، بل تشكلت عبر تاريخ طويل من الصراعات والحروب الدامية. وأشار إلى حرب الثلاثين عامًا في القرن السابع عشر، التي راح ضحيتها نحو سبعة ملايين إنسان في ألمانيا وحدها، في صراع "مسيحي–مسيحي" اتخذ من الدين شعارًا ومن السلطة هدفًا.

وأوضح أن الحروب النابليونية، التي خلفت ملايين القتلى في أوروبا، وأسهمت في إعادة تشكيل موازين القوى الدولية، وربط ذلك بتاريخ الولايات المتحدة الناشئة، مشيرًا إلى حرب عام 1812، والغزو الأميركي لكندا، ثم الرد البريطاني الذي وصل إلى حد إحراق البيت الأبيض والكونجرس. وأشار إلى المأساة الإنسانية التي لحقت بالسكان الأصليين في الأميركيتين، مؤكدًا أن نحو عشرين مليونًا من السكان الأصليين قُتلوا مع صعود المشروع الاستعماري الأوروبي، في واحدة من أكبر عمليات الإبادة في التاريخ الحديث.

وقال الإعلامي أحمد المسلماني إن عشرات السنين في عمر التاريخ قد تكون أحيانًا أقصر تأثيرًا من حرب واحدة فاصلة، مستشهدًا بالحرب الأهلية الأمريكية التي تُعد من أكثر الحروب دموية في تاريخ الولايات المتحدة، حيث قُتل فيها نحو 800 ألف شخص.

وأوضح أن تلك الحرب اندلعت في ستينيات القرن التاسع عشر، في مجتمع كان تعداد سكانه آنذاك يقارب 9 ملايين نسمة، بينهم ما يقرب من أربعة ملايين من العبيد، أي نحو نصف السكان. وأضاف أن الجدل الأخلاقي والفكري حول العبودية بلغ ذروته في تلك المرحلة، حيث برز تيار رأى أن إلغاء العبودية ضرورة أخلاقية وإنسانية، ما قاد في النهاية إلى انقسام الولايات، إذ انفصلت ولايات الجنوب وأعلنت قيام «الكونفدرالية الأمريكية»، في مقابل الولايات الفيدرالية في الشمال.

وكانت الحرب، كما أشار، صراعًا من أجل وحدة الدولة الأمريكية «من الماء إلى الماء»، من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ ، وانتهت بانتصار الشمال وإعادة توحيد البلاد، لكنها خلّفت هذا العدد الهائل من الضحايا.

وتابع المسلماني أن تلك الحرب لم تكن فقط معركة وحدة وطنية، بل شكّلت أيضًا لحظة مفصلية في تطور فكرة الحكم الذاتي والاستقلال داخل النظام الأمريكي، قبل أن يدخل العالم لاحقًا في دوامة الحروب الكبرى، من الحرب العالمية الأولى والثانية، مرورًا بالحروب الأوروبية المتتالية، وصولًا إلى الصراع الروسي الأوكراني في العصر الراهن. واعتبر أن هذا المسار يكشف أن تاريخ أوروبا والغرب ليس مجرد تاريخ فلسفة وأفكار، بل هو أيضًا تاريخ دماء وصراعات كبرى.

وانتقل أحمد المسلماني إلى «الموجة الثانية» من تاريخ الفكر، متناولًا تطور الفكر الغربي ذاته، وأوضح أن بعض المؤرخين المتأثرين بالمركزية الأوروبية صنفوا تاريخ الإنسانية باعتباره انتقالًا من عصر الأساطير، إلى عصر الفلسفة، ثم إلى عصر العلم، بوصفه الذروة النهائية للمعرفة البشرية.

وأشار إلى أن الفيلسوف اليوناني أرسطو كان من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ الفكر الغربي والعالمي، ليس فقط بسبب حضوره في الفلسفة القديمة، بل أيضًا لقدرته على التعايش داخل الأديان السماوية الثلاث، فقد حضر أرسطو في الفكر الإسلامي من خلال ابن رشد وفلاسفة آخرين، كما حضر في الفكر المسيحي عبر القديس والفيلسوف توما الأكويني، ما جعله جسرًا معرفيًا بين الحضارات.

وأوضح أن التحول الجذري جاء مع فلاسفة العصر الحديث، حين أعلن رينيه ديكارت القطيعة مع الموروث القديم، وفتح الباب لعصر جديد من التفكير القائم على العقل والمنهج العلمي في القرن السابع عشر، ثم جاء القرن الثامن عشر، قرن الفلسفة النقدية، ممثلًا في الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي شكّل علامة فارقة في مسار الفكر الغربي.

وضرب المسلماني مثالًا بما أسماه «الطفرات الحضارية»، حيث يظهر في زمن واحد عدد كبير من الرموز المؤثرة في مجالات مختلفة، كما حدث في الثقافة العربية مع أسماء مثل أم كلثوم، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وزكي نجيب محمود، وعبد الوهاب، وبليغ حمدي، والعقاد، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، الذين تزامن حضورهم في فترة واحدة تقريبًا.

وأشار إلى أن الظاهرة نفسها تكررت في أوروبا، خصوصًا في ألمانيا، حيث ظهر في الوقت ذاته فلاسفة متفائلون يرون أن التاريخ يسير في خط مستقيم نحو التقدم، وآخرون متشائمون يرون أن المستقبل أكثر قتامة، ورغم التناقض الحاد بينهم، فإنهم كانوا أبناء جيل واحد، وأساتذة في الجامعات نفسها، ومتجاورين في الزمان والمكان، في صورة تعكس جدلية الصراع الفكري التي صنعت تطور الفكر الإنساني.


شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا