قال الدكتور عباس شومان، أمين عام هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الإسلام دين يستوعب الجميع، ويقوم على التعاون الإنساني والعدل، ولا يفرّق بين الناس على أساس الدين أو العقيدة، مشددًا على أن الله سبحانه وتعالى نهى عن معاداة المخالف في الدين ما دام مسالمًا غير معتدٍ، ومقررًا مبدأ حرية الاختيار الديني بقوله تعالى: «لا إكراه في الدين».
وأوضح أن النبي ﷺ جسّد هذا المعنى عمليًا في المدينة المنورة، حيث عاش مع اليهود في إطار من السلم والأمان، ولم يُقاتلهم لإجبارهم على الدخول في الإسلام، بل أقر لهم حقوقهم، وجعل المسئولية الدينية اختيارًا شخصيًا يتحمل الإنسان تبعاته.
جاء ذلك خلال ندوة نظمها جناح الأزهر بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته السابعة والخمسين، اليوم، بعنوان«نحو رؤية قومية لمواجهة التمدد الصهيوني»، بمشاركة الدكتور صبحي عسيلة، الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ورئيس برنامج الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية بالمركز، وأدار الحوار الإعلامي محمد الديسطي، عضو المركز الإعلامي بمشيخة الأزهر، ضمن اهتمام الأزهر بالقضايا المصيرية للأمة وتعزيز الوعي الوطني والقومي.
وأشار الدكتور شومان إلى أن الشريعة الإسلامية أرست ضمانات واضحة لقبول الآخر والتعايش معه، مؤكدًا إيمان الأزهر الشريف بالتعددية الدينية والمذهبية، وبمبادئ المواطنة والعيش المشترك، ومحذرًا من توظيف الاختلاف الديني أو المذهبي كذريعة للخلاف أو الصراع بين المجتمعات، واستشهد بحديث النبي ﷺ: «مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عامًا»، بما يؤكد حرمة الدم الإنساني ووجوب صيانة حقوق غير المسلمين، طالما التزموا بالسلم ولم يعتدوا.
وأوضح أمين عام هيئة كبار العلماء أن الصهيونية حركة سياسية عدوانية لا تمثل دينًا، مؤكدًا أن الإسلام لا يعادي اليهود أو النصارى، بل يقبل العيش معهم في سلام متى التزموا بالعيش المشترك واحترام الحقوق، غير أن المشكلة الحقيقية مع الصهيونية تكمن في عدوانها المستمر على المسلمين والعرب، واعتدائها على الأرض، وقتلها الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، واغتصابها للحقوق، مشيرًا إلى أن ما يحدث في غزة شاهد دامغ على طبيعة هذا المشروع الاستيطاني.
وأضاف أن كل من يعاون الصهاينة ويدعمهم، سواء بالمال أو السلاح أو حتى بالكلمة، شرقًا أو غربًا، يُعد شريكًا لهم في هذا العدوان، يقوّي شوكتهم، ويسهم في تنفيذ مخططاتهم الخبيثة، ويشاركهم المسئولية الأخلاقية والإنسانية عن الجرائم المرتكبة، مطالبًا بضرورة تغليب مصلحة الأوطان وحماية النفس والدم الذي يراق في فلسطين.
من جهته، أكد الدكتور صبحي عسيلة، الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ورئيس برنامج الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية بالمركز، أن المشروع الصهيوني قام في الأساس على مخطط تهجير سكان فلسطين الأصليين قسرًا، لإخلاء الأرض وتهيئة المجال أمام الاحتلال للاستيلاء عليها وإحكام السيطرة عليها.
وأوضح أن الصهيونية نجحت في صهينة العقيدة الدينية، وسعت إلى إيهام العالم بأن الصراع هو صراع ديني مع اليهودية، في حين أن حقيقته صراع مع حركة سياسية عدوانية استغلت الدين كذريعة لتبرير ممارساتها الوحشية، وروّجت لوهم ما تسميه بـ«الوعد الإلهي» لتبرير التوسع والاحتلال، رغم أن الفكر الصهيوني في بداياته لم يكن موجّهًا نحو فلسطين، وإنما اختارها لاحقًا لاستغلال البعد الديني في إقامة دولة يهودية.
وأشار عسيلة إلى أن كثيرًا من حاخامات اليهود كانوا يحرّمون الهجرة إلى فلسطين بفتاوى دينية واضحة، إلا أن الحركة الصهيونية نجحت في تغيير هذه القناعات وتزييف الحقائق، مستغلة الدين لتحقيق أهدافها السياسية، ومدعومة بوعد بلفور الذي منحها ما لا تستحق.
وأضاف أن المشروع الصهيوني قائم على سياسة القضم والتوسع الجغرافي المستمر، مستفيدًا من نقص الدراسات الجادة التي تكشف حقيقته، ومن دعم قوى وأطراف تسانده لتحقيق أجندات خاصة والتزامات مسبقة، بينما يستخدم الصهاينة شعارات زائفة لتضليل الرأي العام العالمي، مشددًا على أن هذا المشروع ما كان له أن يوجد أو يستمر لولا التهجير القسري للشعب الفلسطيني، الذي يمثل الركيزة الأساسية لتمدد الاحتلال والاستيلاء على الأرض.
وأوصى المشاركون في الندوة، بضرورة تعميق الوعي والتثقيف بالقضية الفلسطينية وبحقيقة الهوية العربية والإسلامية والمشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا استيطانيًا توسعيًا قائمًا على التهجير القسري وتزييف الوعي واستغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية وعدوانية، مع التأكيد على أهمية تكثيف الدراسات العلمية الرصينة التي تكشف جذوره التاريخية ومخططاته المستقبلية، ومواجهة الخطاب المضلل الذي يخلط بين اليهودية كدين سماوي والصهيونية كحركة سياسية، فضلًا عن تعزيز الخطاب الإعلامي والثقافي المسئول الداعم للحقوق الفلسطينية المشروعة، ورفض كل أشكال الدعم أو التبرير للعدوان تحت أي مسمى.
كما أكدت توصيات الندوة أن الشباب عليهم دور كبير في البحث والتعليم وتعديل الثقافة التاريخية والسياسية المتعلقة بفلسطين والتاريخ والحروب بينها وبين الكيان الصهيوني وكيفية الدفاع عن مقدساتها، وألا يقعوا فريسة التضليل والمعلومات المغلوطة شرقًا وغربًا.
ويشارك الأزهر الشريف –للعام العاشر على التوالي– بجناحٍ خاص في معرض القاهرة الدولي للكتاب، انطلاقًا من مسؤوليته التعليمية والدعوية والتنويرية في نشر الفكر الإسلامي الوسطي المستنير الذي تبنَّاه على مدار أكثر من ألف عام.
المصدر:
الشروق