شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، في جلسة حوار خاص ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في مدينة دافوس السويسرية، وذلك بحضور عدد من رؤساء الدول وكبار المسؤولين الدوليين، من بينهم رئيس المجلس الرئاسي الليبي السيد/ محمد المنفي، ورئيس وزراء لبنان السيد/ نواف سلام.
وجاءت كلمة الرئيس السيسي لتوضيح رؤية مصر في التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية، ودور الدولة في تعزيز الأمن والاستقرار، ودعم الاقتصاد وجذب الاستثمارات، بما يعكس التزام مصر بمواصلة دورها التاريخي على الصعيدين الإقليمي والدولي.
"بسم الله الرحمن الرحيم
السيد/ بورج برانديه، الرئيس والمدير التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي؛
يسعدني في مستهل كلمتي أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير للسيد "بورج برانديه" على دعوته الكريمة للمشاركة في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، ذلك المحفل البارز، الذي يتيح لنا فرصة ثمينة لمناقشة القضايا الدولية والتحديات الراهنة، في سبيل تحقيق هدفنا المشترك، المتمثل في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا وعدالة للجميع.
إن عالمنا اليوم يواجه تحديات جسيمة أمام مسيرات التنمية، ويشهد تحولات عميقة في أنماط التعاون الدولي، إلى جانب تصاعد دور الأدوات المبتكرة القائمة على التقدم التكنولوجي والتحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفرض علينا جميعًا ضرورة تضافر الجهود وتعزيز التعاون والعمل المشترك، بما يمكننا من مواكبة هذه التحولات واستثمار فرصها على نحو يحقق الخير والمنفعة لشعوبنا كافة.
وإيمانًا منا بأهمية التعاون، تواصل مصر العمل على بناء شراكات إقليمية ودولية راسخة تستهدف تحقيق المنفعة المشتركة وتعزيز التنمية المستدامة. كما تمضي في تهيئة مناخ أعمال جاذب للقطاع الخاص باعتباره شريكًا أساسيا في مسيرة التنمية والتقدم والازدهار.
غير أن هذه الجهود تواجه تحديات غير مسبوقة على المستويين الإقليمي والدولي، في ظل تصاعد الصراعات الجيوسياسية وتجاوز بعض الأطراف لأسس الشرعية الدولية، الأمر الذي يقوض المساعي الرامية إلى تحقيق النمو الاقتصادي، ويضعف الجهود المبذولة لحفظ السلم والأمن الدوليين، ويحد من فرص العمل المشترك بين الدول.
ولذلك، تؤكد مصر أن السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية المستدامة يتطلب ما يلي:
أولًا: التمسك بالحوار والتعاون الدولي وإعلاء مبادئ الاحترام المتبادل والتعايش السلمي، واحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
ثانيًا: الالتزام بتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتجنب التصعيد، وتهيئة المناخ للتوصل لحلول مستدامة لمختلف الأزمات.
ثالثًا: السعي لتعزيز التكامل والاندماج بين الدول ومنح أولوية للقضاء على الفقر والجوع، وتحقيق الرخاء المشترك لكافة شعوب العالم.
رابعًا: تعزيز دور مؤسسات الأعمال الوطنية والإقليمية والدولية، وتمكين القطاع الخاص من القيام بدور محوري في جهود تحقيق التنمية الشاملة.
لا تزال القضية الفلسطينية تتصدر أولويات الاهتمام في منطقة الشرق الأوسط، إذ تمثل جوهر الاستقرار الإقليمي وركيزة أساسية لتحقيق السلام العادل والشامل.
وفي هذا السياق، أود أن أعرب عن تقديري لجهود الرئيس الأمريكي ودونالد ترامب، والتزامه بوقف الحرب في قطاع غزة، وما بذله من مساع لتخفيف المعاناة الإنسانية التي أثقلت كاهل الشعب الفلسطيني الشقيق على مدار أكثر من عامين.
وقد جاء انعقاد "قمة شرم الشيخ للسلام" في 13 أكتوبر 2025 تتويجًا لجهود مصر، بالتنسيق مع شركائها، من أجل وقف إطلاق النار وترسيخ دعائم السلام، وفتح آفاق جديدة، تحمل الأمل في تحقيق الاستقرار الإقليمي وإطلاق مسار سياسي جاد لتسوية القضية الفلسطينية على نحو عادل وشامل، يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويعزز فرص الأمن والتنمية في المنطقة بأسرها.
ومن هذا المنطلق، أؤكد على ضرورة البناء على مكتسبات قمة شرم الشيخ، وتثبيت وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون قيود، مع الإسراع في إطلاق عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار في مختلف مناطق القطاع.
كما أرحب بإعلان الولايات المتحدة بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب باعتباره خطوة محورية على طريق تنفيذ خطة السلام وخفض التصعيد في المنطقة، بما يعزز فرص الاستقرار ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون الدولي.
وأود أن أجدد التأكيد على أن مصر، انطلاقًا من دورها التاريخي الراسخ في دعم القضية الفلسطينية، لن تدخر جهدًا في مواصلة الانخراط مع جميع الأطراف المعنية سعيًا لإيجاد حل عادل وشامل ودائم لهذه القضية، يقوم على أساس حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، ويكفل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها "القدس الشرقية".
على الرغم من تعدد الأزمات الإقليمية والدولية، استطاعت مصر أن تواصل تنفيذ برنامجها الطموح للإصلاح الاقتصادي من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات، التي استهدفت ضبط السياسات المالية والنقدية للدولة، واستعادة ثقة المستثمرين في السوق المصري، وتطوير البيئة التشريعية المنظمة للاستثمار، فضلًا عن تقديم حوافز جاذبة للمستثمرين.
وقد أولت مصر أولوية خاصة لتعزيز دور القطاع الخاص باعتباره شريكًا رئيسيًا لا غنى عنه في تحقيق النمو والتنمية الاقتصادية، فوضعت سقفًا للاستثمارات الحكومية، وأطلقت خطة مدروسة لتخارج الدولة من بعض الاستثمارات العامة، بما يفسح المجال أمام القطاع الخاص لتوسيع مساهمته في النشاط الاقتصادي.
وأثمرت هذه الجهود عن تحسن ملحوظ في مؤشرات الأداء الاقتصادي، وارتفاع معدلات النمو، وزيادة تدفقات الاستثمار الخاص، إلى جانب إشادة واسعة من مؤسسات التمويل الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، فضلًا عن قيام مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية برفع التصنيف الائتماني لمصر.
وأؤكد أن مصر ستواصل مسيرة الإصلاح الاقتصادي وتحقيق التقدم في مسارها التنموي، مع المضي قدمًا في تطبيق "وثيقة سياسة ملكية الدولة"، التي تحدد الإطار العام لعمل الشركات الحكومية والمملوكة للدولة، وتنفيذ برنامج الطروحات الحكومية وتخارج الدولة بما يعزز مشاركة القطاع الخاص ويضاعف إسهامه في دفع عجلة النمو الاقتصادي.
يمثل السوق المصري اليوم مجالًا مليئًا بالفرص الاستثمارية في مختلف القطاعات، حيث تحرص الدولة على توفير التسهيلات والحوافز اللازمة، لا سيما في مجالات:
وأدعوكم إلى اغتنام هذه الفرص، والاستفادة من البنية التحتية المتطورة، التي أنجزتها مصر خلال الأعوام الماضية، في مجالات الطرق والاتصالات والنقل واللوجيستيات والمناطق الحرة، وعلى وجه الخصوص المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تمثل منصة استراتيجية للتجارة والاستثمار.
كما أؤكد أن المستثمر الذي يختار العمل في مصر لا يقتصر مكسبه على السوق المحلي الواعد، بل ينفتح أمامه أيضًا أفق أوسع عبر شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمتها مصر سواء في الإطار الإفريقي أو العربي، بما يتيح له النفاذ إلى أسواق ضخمة قائمة بالفعل، ويضاعف من فرص النمو والتوسع الإقليمي والدولي.
في الختام، أود أن أجدد التأكيد على أن مصر ستواصل دورها الفاعل في ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، والمضي قدمًا في تحقيق التنمية والنمو الاقتصادي، كما تتطلع مصر إلى تعزيز التعاون مع كافة الشركاء من أجل بلوغ هذه الأهداف المنشودة.
ويشرفني أن أرحب بإعلانكم تنظيم جلسة مخصصة للأعمال في مصر خلال العام الجاري تحت رعايتي، وأتطلع إلى مواصلة التنسيق معكم خلال الفترة المقبلة لإنجاح هذا الحدث المهم. وأغتنم هذه المناسبة لأتمنى لكم التوفيق والنجاح في مختلف فعاليات المنتدى.
وشكرًا جزيلًا."
المصدر:
الفجر