قال الدكتور أسامة الأزهري – وزير الأوقاف، في كلمته خلال الجلسة الختامية للمؤتمر الختامي الدولي السادس والثلاثون للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
قائلا: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد:
أصحاب المقام الرفيع، معالي الدكتور المهندس/ عمرو طلعت - وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والوزير السيد/ محمد جبران - وزير العمل، الدكتور/ نظير محمد عياد - مفتي جمهورية مصر العربية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، والسيد/ رامين علم شاه أوغلو - رئيس اللجنة الحكومية لشئون الجمعيات الدينية بجمهورية أذربيجان، والدكتور/ سردار محمد يوسف - وزير الشئون الدينية والوئام بين الأديان في جمهورية باكستان الإسلامية، الوزير الدكتور/ مؤمن حسن بري - وزير الشئون الإسلامية والأوقاف في جمهورية جيبوتي، الدكتور/ عامر شاكر الجنابي - رئيس ديوان الوقف السني في جمهورية العراق، الدكتور/ أحمد نبوي - الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
أصحاب المعالي الوزراء، أصحاب السعادة السفراء، أصحاب الفضيلة والنيافة والسيادة، ضيوف مصر الكرام، السيدات والسادة.. تحية طيبة إلى حضراتكم جميعًا، وبعد؛
فبعد يومين حافلين أتم الله تعالى فيهما النعمة، وشهدنا فيهما فضلًا عظيمًا من الله جل جلاله، جاء وقت ختام هذا المؤتمر ليتعطر الجو بطيب الختام، كما تعطر بمسك الابتداء. وإني والله أشهد بعظيم فضل الله جل جلاله، وأتوجه إلى الله تعالى متضرعًا وأقول:
إلهي لك الحمد الذي أنت أهله... على نِعَمٍ ما كنتُ قطُّ لها أهلًا
إذا ازددتُ تقصيرًا تزدني تفضلًا... كأني بالتقصير استوجبُ الفضلا
اللهم لك الحمد كما أنت أهله، اللهم لك الحمد كما يليق بعظمة جلالك، اللهم لك الحمد كما يليق بعظمة مقام ألوهيتك.
ثم إني بعد هذا أهنئ السادة الحاضرين الكرام، وأشكرهم على جميل تفضلهم وتلبيتهم لدعوتنا؛ فقد شرفتموني وأسعدتموني. وباسمي وباسم وزارة الأوقاف المصرية والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أتقدم لكل أصحاب المعالي والسماحة والفضيلة من الوزراء والمفتين ورؤساء المجالس الإسلامية والأعلام والأعيان الكرام الذين شرفونا، لكم مني جزيل الشكر ووافر العرفان.
ولقد سعدتُ سعادة بالغة حينما أوصلت إليكم مصرُ كل حفاوتها وترحيبها؛ بدءًا بالاستقبال الرفيع من فخامة الرئيس/ عبد الفتاح السيسي - رئيس الجمهورية - حفظه الله - للوفد الممثل للعلماء الضيوف، ثم في صبيحة هذا اليوم بالاستقبال الكريم من فضيلة الإمام الأكبر أستاذنا الدكتور/ أحمد الطيب - شيخ الأزهر الشريف - حفظه الله -، والذي استقبل كوكبة من علماء المؤتمر ومن ضيوف مصر الكرام، ثم في جولاتنا في رحاب "مسجد مصر الكبير" ومسجد "العلي العظيم" وغير ذلك من المعالم.
واسمحوا لي بعد هذا الشكر الواجب والعرفان والسرور بتشريفكم، أن أنتقل إلى "وثيقة القاهرة في الإسلام وفلسفة العمران"، وأستطيع أن أقول: إن الغاية التي نصل إليها من هذا المؤتمر ليست في التوصيات فقط؛ فالتوصيات أمور إجرائية تساعدنا على تحقيق أهداف المؤتمر، لكننا نطمح إلى ما هو أكبر بكثير؛ نطمح إلى ميلاد رؤية.
إن الرؤية هي الأساس الذي تنبثق منه الأهداف والسياسات والإجراءات وبرامج العمل؛ ونحن نظن ونعتقد أن ميلاد رؤية جديدة هو خطوة جادة على طريق تجديد الخطاب الديني؛ هذا التجديد الذي ليس منصبًا، وليس شرفًا، وليس ادعاءً، بل هو "فرض"؛ كما عبّر الإمام السيوطي -رحمه الله تعالى- حينما ألّف كتابه: «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض»، فرضٌ فرضه الله علينا أن نقوم بواجب الوقت في إماطة اللثام عن وجه ديننا وشرعنا الشريف، وإزاحة كل صور التطرف والإرهاب؛ فكره ومقولاته وتياراته وأدبياته واستدلالاته المغلوطة، ثم ننطلق بعد ذلك إلى تقويم السلوكيات وصناعة الأخلاق وبناء الإنسان، ثم ننطلق إلى العمران.
ومن هنا تأتي «وثيقة القاهرة»، وثيقة القاهرة التي تعتمد على عدد من المبادئ، أسردها على مسامع حضراتكم وكلي أمل أن نخرج من المؤتمر وقد توافقنا عليها جميعًا وتبنيناها جميعًا، وإذا ما حظيت بالتوقيع من العلماء الحضور، فسوف أرسلها إلى بقية علماء العالم الإسلامي من ذوي المناصب الرسمية، ومن ذوي الوجاهة العلمية، ومن شيوخ مدارس العلم، وبقية الوزراء والمفتين والأعيان؛ حتى يحتشد لها أكبر قدر من توقيعات علماء المسلمين، ثم يأتي بعد ذلك دور رفعها إلى الأمم المتحدة واليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية، لتكون هديةً باسمنا جميعًا؛ ليس فقط الأزهر الشريف أو وزارة الأوقاف أو مصر، بل لتكون هدية باسم ملياري إنسان مسلم على ظهر الأرض.
نريد أن نقدم هدية إلى البشرية تعظم من شأن العمران، وتعظم من شأن المهنة. وإذا جاء اليوم الذي تتحول فيه الأمة الإسلامية والأمة المحمدية إلى مصدر إلهام للعالم، وطرحٍ للرؤى النابعة من هويتنا وديننا وشرعنا الشريف؛ إذا نجحنا في تقديم هذه الرؤية للعالم، ونادينا بها بقية أبناء الأديان المختلفة، فإننا حينئذٍ نكون قد خطونا خطوة جادة على سبيل تجديد الخطاب الديني، وعلى سبيل إبراز ما في هذا الشرع الشريف من النور، وفي سبيل تقديم بلادنا وأوطاننا على أنها صانعة للحضارة.
تبدأ «وثيقة القاهرة» بجملتنا المركزية: «العمران ثلث الدين»؛ لما هو نابع مما توارثناه من شيوخنا وعلمائنا في الأزهر الشريف، من أن الله تعالى قد أنزل هذا الدين بثلاثة مقاصد:
للعبادة: قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.
للعمران: قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}.
لتزكية النفس بالآداب والأخلاق: قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}، وقال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ}.
ثم انطلقنا إلى حشد عشرات الآيات الشريفة والأحاديث النبوية المشرفة، وشواهد التاريخ وتجربتنا التاريخية، التي خرجنا معها بهذه النتيجة التي هي الباكورة والبداية؛ ولو لم نقدم سواها لكانت هي الرؤية المطلوبة: «إن العمران ثلث الدين».
وإذا ما نجحنا في أن يتعامل العامل، والصانع، والحرفي، والموظف، والمهني مع صنعته وحرفته بالأمانة، والإتقان، والدقة، والإحسان، والضمير، والحضور الذي يتعامل به مع الصلاة؛ إذا تعامل عامل المصنع، وراصف الطريق، والطبيب، والمعلم، والبواب، والجزار، والوزير، والإمام والخطيب، وكل أرباب المهن، مع هذه المهن بالأمانة والإتقان والصدق الذي نتعامل به مع الصلاة، فإن هذا يؤذن بميلاد فجر جديد بالفعل.
فالكلمة الأولى: «العمران ثلث الدين». وكيف يمكن أن يتحقق العمران؟ بالمهن، وبالحرف، وبالوظائف. فتأتي الكلمة الثانية: «المهن سبيل تحقيق العمران»، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فبدأنا بالعمران كدين، ثم لا يتحقق العمران إلا بالمهن.
ثم تأتي الكلمة الثالثة: إذا وُجدت المهن فلا يمكن أن توجد مهنة إلا بمؤسسة ترعاها؛ حتى لا تكون المهنة مجرد عمل فردي، بل لا بد لكل مهنة من مؤسسات تقوم على تنظيمها ورعايتها، فننتقل من «العمران في الدين» إلى «المهن سبيل تحقيق العمران»، ثم الكلمة الثالثة: «المؤسسات سبيل تنفيذ المهن». فلكي يوجد العمران لا بد من مهنة، ولكي توجد المهنة لا بد من مؤسسة، ولكي يوجد التدين الصحيح لا بد من أن توجد هذه المسيرة.
ثم تأتي الكلمة التي تليها: إذا وجدت المؤسسات فلا يمكن أن تقوم المؤسسة إلا بإدارة؛ فوجب أن نمتلك علوم الإدارة وأن ننجح فيها، وقد أُلفت مؤلفات عن الإدارة في العصر النبوي، الإدارة أساس النجاح، لا يمكن أن ننجح في التدين إلا إذا نجحنا في الإدارة؛ لتشتغل المؤسسات، لتعمر المهن، ليتحقق العمران، ليتحقق الدين. إذن: «الإدارة سبيل نهوض المؤسسات».
ثم كيف يمكن أن يتم تشغيل الإدارة؟ لا بد من الإتقان؛ أن يتقن المدير فيما أقامه الله فيه، وكذلك العامل والموظف والمالي والإداري والقانوني. فتأتي الكلمة التي بعدها وهي: «الإتقان سبيل استقامة الإدارة» وصحة الإدارة لنهوض المؤسسات.
إذن: العمران ثلث الدين.. المهن سبيل تحقيق العمران.. المؤسسات سبيل تنفيذ المهن.. الإدارة سبيل نهوض المؤسسات.. الإتقان سبيل استقامة الإدارة.
ثم نأتي بعد ذلك وقد وصلنا إلى الإتقان وهو الجذر والقاع والأساس الذي ينهض عليه كل شيء؛ فإذا نزلنا إلى الإتقان نعيد الصعود مرة أخرى: ما هدف الإتقان والإدارة والمؤسسة والمهنة؟ هدفها النجاح؛ فـ «النجاح غاية الإتقان». هدفنا من الإتقان أن ننجح في الإدارة التي تدير المؤسسة، التي تنجح المهنة، التي تحقق العمران.
النجاح غاية الإتقان، ثم «نفع الناس غاية النجاح»؛ فلماذا ننجح؟ ولماذا نحرص على النجاح؟ لتدور عجلة المهن، وليتحقق نفع الناس. ومن هنا، فإني أدعو إلى تعظيم نظرية «نفع الناس» في الشريعة؛ يا أيها المسلمون، يا شعب مصر العظيم، يا ملياري مسلم، يا ثمانية مليارات إنسان على ظهر الأرض.. عظموا من شأن نفع الناس.
وأذكركم بقول الله تعالى: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ}، وبقوله سبحانه: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}، وبقول المصطفى ﷺ: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»، وبقوله عليه الصلاة والسلام: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ».
إذن؛ نفع الناس هو غاية النجاح. وما الذي نريد تحقيقه من نفع الناس؟ نريد القيمة العليا والعظمى للإسلام، وهي: «الإحسان». فالإحسان غاية نفع الناس، والإحسان ليس مجرد صدقة على فقير، وليس تفضلًا على محتاج -كما قد يُفهم خطأً- بل الإحسان هو ذروة سنام الإتقان، هو أشرف ما في الإتقان.
الإحسان الذي يقول فيه الإمام العز بن عبد السلام: لو جُمعت مقاصد الشرع الشريف بأكملها في كلمة واحدة، فلن تكون فقط (حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال) كما نحفظ في مقاصد الشريعة، ولن تكون فقط (درء المفاسد وجلب المصالح)؛ بل جاء العز بن عبد السلام -نزيل مصر ودفين أرضها، الإمام المجدد المجتهد بحق- ليقول: إن الكلمة الكبرى التي يمكن أن تجمع مقاصد الشرع بأكمله هي كلمة «الإحسان».
إذن: الإتقان سبيل استقامة الإدارة.. النجاح غاية الإتقان.. نفع الناس غاية النجاح.. الإحسان غاية نفع الناس.
ولماذا ننفع الناس؟ حتى تُفتح البيوت، وتُفتح الأرزاق، ويتأنق الكل؛ وهذا هو الإحسان: التأنق في كل شيء، الجمال في كل شيء، الإبداع في كل شيء، الابتكار في كل شيء، التجويد في كل شيء، التحسين في كل شيء، التطوير في كل شيء.. هذا هو الإحسان. ولأجل هذا قال ﷺ: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ».
فالإحسان غاية عظمى لنفع الناس، وما الغاية التي يهدف إليها الإحسان؟ الوصول إلى الله جل جلاله. قال ﷺ في تعريف الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». فإذا وصلنا إلى الله، فإن الله جل جلاله أمر بالعبادة (وهذه لها مجالات ومؤتمرات أخرى)، وأمر بالتزكية وعلوم الأخلاق (وهذه لها مجالات ومؤتمرات أخرى)، ويبقى مؤتمرنا نحن -مرة أخرى- في «العمران» الذي يتحقق بالمهن، لتكتمل الدائرة.
إذن؛ تتلخص «وثيقة القاهرة» في هذه الكلمات، واسمحوا لي أن أعيدها وأختم بها:
العمران ثلث الدين.
المهن سبيل تحقيق العمران.
المؤسسات سبيل تنفيذ المهن.
الإدارة سبيل نهوض المؤسسات.
الإتقان سبيل استقامة الإدارة.
النجاح غاية الإتقان.
نفع الناس غاية النجاح.
الإحسان غاية نفع الناس.
والله جل جلاله غاية الإحسان، وغاية الغايات، ومقصود الكلم السواء.
أدعو إليها كل العلماء الحضور في المؤتمر للاتفاق على مضمونها، ثم ننطلق بها إلى بقية علماء العالم الإسلامي وإلى البشرية جمعاء؛ عسى أن نشهد ببركة هذه المعاني النبوية المحمدية الإلهية ميلاد فجر جديد ينطلق من أرض الجلالة.. من مصر، لينير الدنيا.
هذه هي «وثيقة القاهرة»، وأعتذر عن الإطالة، وشكرًا جزيلًا لحضراتكم.
المصدر:
الفجر