آخر الأخبار

من البطل الخارق إلى الرجل المهمش.. تحولات صورة الرجولة في السينما

شارك

عرفت السينما المصرية لفترات طويلة صورة محددة للبطل الرجل؛ رجل قوي، شجاع، ينتصر دائمًا، وتحبه البطلة، ويدافع عن الحق، بينما يقف في مواجهته الشرير الواضح.

تلك الصورة سيطرت لسنوات طويلة، وقدمها نجوم كبار أمثال أنور وجدي وفريد شوقي وعماد حمدي، ثم لاحقًا في صور مختلفة مع نجوم الأكشن.

لكن مع ظهور موجة السينما الواقعية الجديدة في الثمانينيات، على يد مخرجين مثل محمد خان، وعاطف الطيب، وداوود عبد السيد، بدأت صورة مختلفة للبطل في الظهور؛ بطل مهمش، مهزوم، أو ضائع، لا يمتلك القوة الخارقة ولا القدرة على الانتصار الدائم.

ظهر هذا النموذج في أفلام مثل الحريف وسواق الأتوبيس ورسائل البحر، حيث أصبح البطل إنسانًا عاديًا يصارع الحياة أكثر مما يصارع أعداء.

مع الوقت، تراجع هذا النموذج لصالح عودة البطل القوي مرة أخرى، خاصة مع صعود نجوم الأكشن والبطولة الجسدية، مثل أحمد السقا وأحمد عز وكريم عبد العزيز، ثم لاحقًا محمد رمضان وأحمد العوضي، حيث ارتبطت البطولة بالقوة العضلية، والانتصار النهائي، والقدرة على فرض السيطرة.

في المقابل، ظلت بعض الأصوات السينمائية القليلة تراهن على بطل مختلف، بطل هش، قلق، مهزوم من الداخل، كما في شخصيات داوود عبد السيد، التي لا تبحث عن انتقام أو مجد، بل عن فهم الذات والتصالح مع الفشل، مثل صوت شخصية يحيى المنقبادي (خالد أبو النجا) في فيلم قدرات غير عادية (2015) إخراج داوود عبد السيد، وهو طبيب فشل في إنجاز مهمة يعمل عليها فقرر الهروب والانزواء في بنسيون صغير على الشاطئ، وهناك يكتشف حقائق مختلفة عن ذاته ومن حوله ، ويحيى (آسر يس) في رسائل البحر (2010) الشاب الضائع الذي يعاني من ثقل في الكلام.

فتاريخا كانت سمات البطل الدرامي التراجيدي تأتي مما سطره أرسطو في كتابه فن الشعر، الكتاب التأسيسي الأقدم عن الدراما، وهي: شخص ليس كاملا في الفضيلة، والاستقامة وتصيبه الكارثة ليس بسبب خطيئة يرتكبها أو ضعف يسيطر عليه ولكن من أجل هفوة يرتكبها دون قصد، وهنا تتحول سعادته إلى شقاء.

وخلال السنوات الأخيرة، بدأت السينما تشهد عودة تدريجية لهذا النموذج المهمش، من خلال أبطال لا يخوضون معارك جسدية، بل معارك نفسية ووجودية. لم يعد البطل مطالبًا بأن ينتصر في النهاية، بل أن يواجه نفسه، ويعترف بضعفه، ويحاول النجاة وسط واقع قاسٍ.

يتجلى ذلك بوضوح في شخصيات مثل "حسن" في فيلم "البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو"، شاب بسيط من منطقة شعبية، لا يملك أدوات القوة، ويحاول فقط حماية نفسه وكلبه من العنف المحيط به.

كذلك شخصية "فاروق" في فيلم "كولونيا"، شاب يعيش حزنًا عميقًا بعد فقدان والدته، ويصارع الاكتئاب والإدمان، في مواجهة صورة ذكورية قاسية يفرضها عليه الأب والمجتمع.

هذه الشخصيات لا تُقدَّم كأبطال خارقين، بل كرجال يعانون، يخافون، ويخطئون، ويعبرون عن مشاعرهم، وهو ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع مفاهيم الذكورة السامة التي ربطت الرجولة بالقسوة، وكبت المشاعر، والسيطرة، والتي تُكرِّس في نفس الوقت لكراهية النساء والتمييز الجنسي، وفقا لجمعية علم النفس الأمريكية، كما أنها تعرف بمجموعة من السلوكيات والمواقف الضارة المرتبطة ببعض الرجال، مثل الحاجة إلى قمع العواطف والتصرف بطريقة مهيمنة، وفقا لمقال لـ سابرينا بار المتخصصة في الصحة النفسية.

ما يجمع بين هذه النماذج الجديدة ونماذج السينما الواقعية القديمة، هو غياب الخصم الواضح، وتركز الصراع داخل الشخصية نفسها، مع نهايات مفتوحة لا تقدم حلولًا نهائية أو انتصارات صاخبة. البطولة هنا ليست فعلًا بطوليًا تقليديًا، بل حالة إنسانية تعكس هشاشة الواقع وضغوطه.

في هذا السياق، تصبح الهشاشة جزءًا أساسيًا من بناء شخصية الرجل على الشاشة، لا عيبًا يجب إخفاؤه أو تجاوزه. التردد، الفشل، الحزن، والانسحاب، كلها تتحول إلى سمات إنسانية تمنح الشخصية عمقًا وصدقًا.

- الحاجة إلى بطل مختلف عن السائد

يعلق الناقد السينمائي هيثم مفيد، على كلا النموذجين، لـ الشروق، قائلا: "لطالما كان هذان النمطان من البطولة في السينما والدراما المصرية يعكسان تحولاً عميقًا في سوسيولوجيا البطل؛ بمعنى، كيف يرى المجتمع نفسه، وكيف يعبر الفن عن هذه الصورة؟ فالأفلام التي ترى في أبطالها تجسيدًا لمفهوم القوة العضلية والسيطرة الذكورية، والبارزة -على سبيل المثال- في بعض أعمال أحمد السقا، مع بداية موجة سينما الألفية الجديدة، أو لاحقًا في أفلام محمد رمضان، التي جاءت نتاج مشهد اجتماعي وسياسي مرتبك، تلاها مؤخرًا أعمال أحمد العوضي، التي لا تختلف كثيرًا عن سابقتها".

وأكمل: "جميعها تمثل امتدادًا لسينما البطل الشعبي الفتوة كما في أفلام الفنان فريد شوقي. إن مفهوم البطولة هنا، نابع من فكرة الفرد الذي يستطيع تغيير الواقع بيده، أسطورة أو فهد لا يقهر ولا ينهزم؛ فانكسارته المؤقتة غالبًا ما تكون بسبب عوامل خارجية، أقوى منه بالطبع، وليس بسبب هشاشة داخلية، ينتصر في النهاية لصالح المقهورين بقبضة واحدة فيعيد الأمور لنصابها الصحيح وسط أجواء خيالية".

وأضاف: "أما على الجانب الآخر، فهناك شخصيات لا تمتلك هذه القوة العضلية الجامحة، بل تمتلك قلقًا وتساؤلات واغترابًا يمزقها من الداخل؛ هم أقرب في هشاشتهم إلى شخصيات عاطف الطيب وداوود عبد السيد ومحمد خان؛ يبكون، يخافون، يصارعون أنفسهم من الداخل، فهم ولدوا مهزومين بالفعل وكل يوم يظلون فيه على قيد الحياة هو انتصار في ذاته".

وأوضح أنه يوجد "خيط رفيع يربط أبطال واقعية الثمانينيات ومن سبقهم من أبطال جيل الرواد، كـ: صلاح أبو سيف وكمال الشيخ وتوفيق صالح، مع أبطال هذا الجيل في عدد من الأفلام المستقلة، هو الرغبة في تجسيد قصص صادقة تكاد تقترب من معاناتنا اليومية، بعيدًا عن مبالغات البطولات الزائفة أو أفلام المقاولات".

وذكر أن هذه الشخصيات، مثل حسن في فيلم رامبو، هم أقرب لترجمة حالة الاغتراب التي نعيش آثارها ونتألم لجروحها في أعقاب 2011، والتغييرات الجوهرية التي لحقت بالتركيبة الاجتماعية والتي أصبح قطاع كبير من الطبقة الوسطى يشعر بأنه لا ينتمي لهذا المحيط، وأن هذا المجتمع لا يشبههم ولا يراهم على أي حال".

الشروق المصدر: الشروق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا