يخوض الممثل أمير المصري تحديا جديدا في مسيرته الفنية من خلال فيلم العملاق Giant الذي يخوض بطولته إلى جوار الممثل العالمي بيرس بروسنان، ومن إخراج البريطاني ذو الأصل الهندي روان أثال.
سوف يصبح الفيلم متاحا في صالات العرض المصرية في يناير الجاري، بعد جولة في مهرجانات عالمية، وتقييمات جيدة حصل عليها، فقد حصل على 7/10 عبر منصة IMDB و67% على منصة روتن توميتوز، و3.5/5 على منصة ليتربوكس.
يروي فيلم "العملاق" قصة الأمير نسيم حامد، بطل الملاكمة اليمني البريطاني، منذ طفولته وحتى تتويجه بطلاً للعالم واعتزاله، ويتبع الفيلم المسار المألوف لأفلام السيرة الرياضية: الصعود من بدايات متواضعة، مروراً بالصعاب والتدريب المكثف، وصولاً إلى انتصارات باهرة.
إلا أن محور الفيلم الدرامي الرئيسي يكمن في العلاقة بين حامد (أمير المصري) وبريندان إنجل (بيرس بروسنان)، وهو أيرلندي مقيم في مدينة شيفيلد، والذي درّب الملاكم الواعد منذ أن كان في السابعة من عمره، هذه العلاقة الطويلة بين الرجلين تضفي على فيلم الكاتب والمخرج روان أثال طابعاً سردياً مميزاً.
يحتوي الفيلم على خطين للصراع، الأول: هو صراع نسيم مع العنصرية في بريطانيا، منذ طفولته مع أسرته اليمنية في حي شيفلد، حيث كان يتعرض للاضطهاد والعنف ممن حوله، والتجاوز اللفظي عبر عبارات قاسية تكتب على حوائط متجرهم، ومع تحقيق الشهرة والانتصارات يبرز الخط الثاني: يرتبط هذا الخط بعلاقة حامد وإنجل المعقدة، من الحب والرعاية إلى تراكم المشكلات حتى الانفصال والعداء.
وعلى الرغم من اللجوء إلى السرد التقليدي في أفلام السيرة، لكن الخط الدرامي الأول والثاني تحديدا يمنحا السرد عمقا وبعدا معقدا ومهم، حيث نرى انتصار الطفل النحيف -ثم البطل العالمي- على عنصرية الرجل الأبيض ضد أي فرد "من أصل غير نقي مثلهم"، كما أن التركيز على العلاقة المعقدة بين المدرب والمقاتل يمنحه عمقًا مميزًا.
يبلغ الفيلم ذروته عندما يُركز على التجاذب والتنافر بين حامد وإنجل، مُظهرًا كيف يمكن للكبرياء والولاء والطموح أن تُبني وتُهدم شراكة ناجحة.
ويعد العمل هما شخصيا للمخرج أيضا الذي يعود أصله إلى الهند، مما جعله في حالة تقارب نفسي مع البطل، ومع الأحداث في الجزء الأول من العمل. وقد أكد آثال على ذلك في كثير من التصريحات الإعلامية عقب عرض الفيلم في مهرجان البحر الأحمر، وقال لمنصة ديدلاين: "أنا نتاج زواج مختلط الأعراق، والدي مهاجر من الهند، ووالدا نسيم مهاجران من اليمن، لقد مررنا بالكثير من التجارب المتشابهة، ولدينا نفس الخلفية، وكون شخص مثل نسيم نجمًا في رياضة أحبها كان مصدر إلهام كبير لي".
حاول الفيلم الكشف عن الأفعال العنصرية التي يتعرض لها سكان شيفلد وبريطانيا من أصول عربية أو آسيوية، لكنه افتقد بعض الشيء إلى ربط الأحداث بالسياق التاريخي.
كان من المهم وسط هذه الومضات التي تبرز العنصرية، التعرض لأحداث حقيقية وقعت في الثمانينيات بالتوازي مع رحلة صعود نسيم حامد، مثل أحداث شغب بريكستون، التي وقعت عام 1981.
فعلى مدى ثلاثة أيام اندلعت أعمال عنف في بريكستون بلندن بين شباب - معظمهم من السود والطبقة العاملة - وشرطة العاصمة، وأسفرت هذه الأحداث عن إصابة المئات، وقد اندلعت بسبب التوترات حول استخدام الشرطة لقانون "التوقف والتفتيش" الذي استهدف بكثافة الشبان من ذوي الأصل غير البريطاني وخاصة السود، عبر عملية المستنقع التي قامت بها الشرطة.
وكلمة المستنقع تشير إلى تجمعات المهاجرين، وسبق أن استخدمته مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء آنذاك، لوصف الهجرة المستمرة.
كما وقعت جرائم قتل قائمة على الكراهية ضد المهاجرين في التسعينيات وراح ضحيتها شباب مثل رولان آدمز الذي تعرض للطعن عام 1991.
من زاوية أخرى، قد يكون هناك تفسير لعدم لجوء المخرج إلى الأحداث الحقيقية في ذلك الوقت، ربما أراد التركيز على الخط الدرامي الرئيسي وهو علاقة نسيم بمدربه من البداية للنهاية، وفي سبيل ذلك قرر إقصاء أي تفاصيل أخرى، مثل علاقة نسيم بأهله، وعلاقاته العاطفية والزوجية، وهذا القرار إيجابي بعض الشيء لأنه أنقذ الفيلم من "التشظي الدرامي".
وكما حاول الفيلم بناء سردي متماسك، نجح العملاق في تقديم واحدة من أكثر عناصره تماسكًا وحيوية، إذ يدرك الفيلم أن الملاكمة ليست مجرد رياضة، بل فعل بصري قائم على الإيقاع، والمسافة، والصدمة، تعتمد الكاميرا في مشاهد النزال على حركة ديناميكية قريبة من الجسد، تلتصق بنسيم حامد داخل الحلبة، فتجعل المتفرج شريكًا في الضربات لا مجرد شاهد عليها، واللقطات القريبة والاهتزاز الخفيف للكاميرا، إلى جانب القطع السريع، واللقطات bird angel يعكسوا الفوضى اللحظية للعراك، بينما تُمنح بعض اللكمات لحظات تباطؤ محسوبة، تُبرز جسد حامد النحيف وهو يتحول إلى أداة مقاومة وعنيدة في مواجهة خصومه، هذا الاختيار البصري لا يخدم التشويق فقط، بل يعزز المعنى الرمزي للملاكمة كمساحة يفرض فيها البطل وجوده في مجتمع طالما همّشه.
في المقابل، تتغير لغة التصوير بشكل واضح في مشاهد المواجهة بين حامد وإنجل، حيث تهدأ الكاميرا وتبتعد عن العنف الجسدي لتغوص في عنفٍ من نوع آخر: نفسي وعاطفي. هنا يعتمد روان آثال على لقطات ثابتة أو حركات بطيئة، مع استخدام ذكي للمسافات داخل الكادر، فيضع الشخصيتين أحيانًا على طرفي الإطار، وكأن الفراغ بينهما يُجسد التصدع المتراكم في علاقتهما، ومن أبرز المشاهد المعبرة عن هذا الأسلوب، مشهد المواجهة المُتخيلة في نهاية الفيلم.
المصدر:
الشروق