في الصورة تبدو فتاة صغيرة بملامح بريئة وابتسامة هادئة.. ترتدي حجابًا أسود وملابس بسيطة.. تضع يدها على صدرها كأنها تستجدي أمانًا لم تحصل عليه حتى من الرجل الذي كان من المفترض أن يكون سندها وأمانها الأول.. وهو أبوها.. عيناها تحملان صفاء طفلة لم تعرف القسوة.. ولا توحي ملامحها بأن خلف هذه الصورة حكاية عنف انتهت داخل غرفة مغلقة.. تلك الطفلة هي ابنة قنا.. ذات الـ17 عامًا، التي لقيت مصرعها حبسًا وجوعًا على يد والدها.
وبحسبما ورد في محضر الشرطة، بدأت الواقعة حين توجه المتهم، عامل ومقيم بإحدى قرى محافظة قنا، إلى وحدة صحية لاستخراج تصريح دفن لابنته، مدعيًا أن الوفاة طبيعية، وأثناء توقيع الكشف الطبي، اشتبه الطبيب في وجود شبهة جنائية نتيجة ظهور علامات هزال شديدة وغير معتادة على الجثمان، ما دفعه لرفض إصدار تصريح الدفن، وإبلاغ الجهات المختصة، ليتم نقل الجثمان إلى مستشفى قوص المركزي.
وأكدت تحريات الأجهزة الأمنية أن الفتاة القاصر كانت تقيم رفقة والدها عقب طلاقه من والدتها منذ عدة سنوات، وأنها سبق أن تنقلت بين أكثر من مسكن بسبب خلافات أسرية ونزاعات على الحضانة.
وكشفت التحريات أن المتهم له سجل سابق في التعدي على المجني عليها، حيث حررت ضده محضرًا تتهمه فيه بالضرب والتقييد، وصدر ضده حكم بالحبس، قبل أن تتنازل لاحقًا ويتم الصلح بينهما، لتعود الفتاة للإقامة معه مرة أخرى.
وأوضحت التحريات أن المتهم قام باحتجازها داخل غرفة مغلقة لفترة تجاوزت العام، ومنع عنها الطعام والشراب لفترات طويلة، ما أدى إلى تدهور حالتها الصحية بشكل حاد، حتى سقطت مغشيًا عليها ولم تفارق الحياة.
وخلال التحقيقات التي باشرتها النيابة العامة، أقرت زوجة المتهم الثانية بعلمها باحتجاز الفتاة داخل غرفة مغلقة، وبمنع الطعام عنها، دون أن تتدخل، كما استمعت النيابة لأقوال عدد من أبناء المتهم القُصّر، الذين أكدوا أنهم كانوا يشاهدون شقيقتهم محبوسة ويسمعون استغاثتها داخل المنزل.
وجاءت مناظرة الطب الشرعي لتكشف عن مؤشرات صادمة، حيث أثبت التقرير وجود هزال شديد، وجفاف تام، وعفونة بالبطن، إلى جانب إصابات بفروة الرأس، ما يرجح تعرض المجني عليها لتعذيب بدني وإهمال متعمد، وأكدت التقارير الطبية أن الوفاة ناتجة عن الجوع، وليس لأي أسباب مرضية طبيعية.
وعلى ضوء ما أسفرت عنه التحقيقات والتحريات والتقارير الطبية، قررت النيابة العامة بمحافظة قنا حبس المتهم أربعة أيام على ذمة التحقيقات، وصرحت بتشريح الجثمان لبيان السبب النهائي للوفاة، مع استمرار استجواب المتهم وكل من يثبت تورطه في الواقعة، وطلب تحريات المباحث النهائية تمهيدًا لإحالتهم إلى المحاكمة الجنائية.
القضية لا تتعلق بجريمة قتل فقط.. بل تكشف عن مأساة عنف أسري وصمت امتد لسنوات.. لم تكن هذه الطفلة رقمًا في محضر.. ولا جسدًا في مشرحة.. بل حياة كاملة ضاعت.
المصدر:
الوطن