فى غرفةٍ ضيقة داخل بيتٍ كان حتى أيامٍ قليلة يمتلئ بصوت استذكار الدروس ورائحة القهوة قبل الفجر، كان يجلس «محمد» وسط أوراقه وأحلامه، والآن بعد إنهاء حياته عاد والده للمكان نفسه كأنه يشم فى زوايا غرفته رائحة ابنه، بينما كانت الأم، على بُعد خطوات، منهارة وسط ملابس جديدة لم تُلبس قط، تحتضنها وتبكى بلا صوت، فى مشهدٍ مكتمل للانكسار بعد مقتل نجلهما، طالب الصف الثالث الثانوى، بـ٢٦ طعنة غادرة، بينها ١٦ طعنة فى الرقبة، تلقاها من صديقه وزميله فى المدرسة الثانوية نفسها، الذى كان يعطف عليه ويواسيه ويصفه لوالده بأنه «ولد غلبان وبيصعب عليه»، قبل أن يتحول هذا القرب إلى سكين، إذ استدرجه من منزله بقرية ميت العطار بالقليوبية إلى عقار تحت الإنشاء حيث ارتكب جريمته، بدافع الغيرة من المجنى عليه لـ«تفوقه الدراسى».
الأب يحكى وهو يضغط على ركبته بعجزٍ ظاهر، والأم تقاطعه أحيانًا بجملة مكسورة أو شهقة مكتومة، كلاهما يعيدان التفاصيل وسط حالة انهيار كامل، عن حلمٍ كان اسمه «دكتور»، وعن شهادة تقدير لم تُعلّق، وملابس عيد فطر كان الابن قد اشتراها وخبّأها «لما العيد ييجى»، (قال كده بنفسه)، قبل أن يُغلق الموت كل شىء دفعة واحدة، ويترك بيتًا مفتوحًا على الحداد، وأسرة لا تطلب سوى القصاص القانونى العادل، وحق ابنٍ خرج من بيته صائمًا.. ولم يعد.
«كنت فاكر إن أصعب حاجة فى حياتى قلق الامتحانات، ما كنتش أعرف إن فى قلق تانى اسمه انتظار ابنك وما يرجعش»، يبدأ «ياسر»، حديثه ويقول إنه موظف فى إدارة بنها التعليمية، وهو يعيد ترتيب الذاكرة عن لحظة اختفاء الابن والعثور على جثمانه، يروى أن ابنه «محمد»، طالب الصف الثالث الثانوى شعبة علمى علوم، كيف كان محاضرًا فى حياته اليومية باعتباره الابن الذى كبر قبل سنه، وصار مرجعًا لإخوته، وصديقًا يعتمد عليه زملاؤه، وشابًا «بنى آدم» بالمعنى الذى لم يعد شائعًا، «صاحب طلة، وصاحب كلمة، ودماغه سابقة سنه، وطيب ومتدين، وكل اللى يعرفه يشهد له»، على حد وصفه، قبل أن يضيف أن التفوق الذى كان يحققه «محمد» لم يكن استثناءً، بل امتدادًا لطبيعة نشأته داخل بيت يرى فيه الأب أن التربية والاحترام كانا قبل أى شيء آخر.
ويمضى ياسر فى الحكى، عن ظهور «يوسف» فى حياة ابنه، زميل الدراسة فى المدرسة نفسها، وإن اختلف المسار بين أدبى وعلمى، موضحًا أنه لم يكن مرتاحًا لفكرة هذا التقارب فى البداية، لا لشيء سوى لاختلاف الاهتمامات، قبل أن يصدمه رد ابنه الذى لم يكن يشبه ردود أبناء فى مثل عمره، حين قال له إن «يوسف» «ولد منطوى، وصحابه نافرين منه، وبيعيط، وبيصعب عليّ، وما بحبش أخسر طبيعة حد»، وهى الجملة التى يعتبرها الأب اليوم مفتاحًا لفهم كل ما جرى بعدها.
ويصل حكى الأب إلى ليل الجمعة الماضى، التى لا تُنسى، يروى كيف كان «محمد» قد تسحر بنية الصيام، وأخبره أنه ينوى صيام ٣ أيام متتالية، مرددًا بابتسامة خفيفة «كل سنة وانت طيب يا بابا، ده شهر رجب»، قبل أن ينام دقائق قليلة، ليقطعه طرقٌ مفاجئ على باب الشقة فى ساعة متأخرة، والبرد شديد، والليل ساكن على غير عادته.
ويستعيد الأب دهشته وهو يرى «يوسف» واقفًا أمام الباب، متسائلًا عن سبب مجيئه فى هذا التوقيت، قبل أن يتدخل «محمد» بسرعة، ويشرح أن زميله متخانق مع والده، وطُرد من البيت، ويبكى بشدة، وأنه يريد فقط أن يجلس معه دقائق ليهدئه ويعيده إلى منزله، مؤكدًا لوالده أنه لن يتأخر، ولن يخرج خارج المنطقة، طالبًا إذنًا لا يتجاوز ربع ساعة.
ويقول الأب، فى حديثه لـ«المصرى اليوم» إنه وافق مطمئنًا، ليس لأن الأمر عادى فقط، بل لأن «يوسف» لم يكن غريبًا عن البيت، ولأن «محمد» كان دائمًا «عاقلًا ومسؤولًا»، قبل أن تمر الدقائق، ثم الساعة، دون أن يعود الابن، وتبدأ الأم فى النظر من الشباك، ويبدأ القلق فى التسلل ببطء، بينما يحاول الأب أن يقنع نفسه بأن ابنهما ربما أوصل صديقه وسيعود بعد قليل.
ومع إغلاق هاتف الابن، وهو ما يصفه الأب بأنه «شىء مستحيل»، يبدأ الليل الحقيقى، ليل البحث والتيه، حيث يخرج والد «محمد» وحده أولًا، بملابس البيت، يجوب الشوارع ومواقف المواصلات، ثم يعود، ثم يخرج مرة أخرى، قبل أن تخرج الأم معه فى سيارة الأسرة، وهى تصرخ «أنا عايزة ابنى»، بينما يحاول هو أن يوازن بين دوره كأب مفجوع وزوج يحاول تثبيت زوجته المنهارة.
ويحكى «ياسر»، أنه قرر عند اقتراب الفجر التوجه إلى بيت «يوسف»، وكيف فوجئ بوجود جد الأخير واقفًا عند مدخل العقار، وهو مشهد يصفه بأنه أول لحظة شعر فيها بأن الأمر «مش طبيعي»، قبل أن يسمع أن صديق ابنه غير موجود وأن والده نائم، وهى إجابة لم تقنعه، ودفعته للمطالبة بمواجهة الأب مباشرة. ويصف لقاءه مع والد «يوسف» بأنه لاحظ أن الرجل لم يكن يبدو كشخص استيقظ لتوه من النوم، بل كان متجهزًا، يقظًا، وهو ما زاد من ريبته، خاصة حين أنكر معرفته بمكان ابنه، قبل أن يقترح البحث بشكل منفصل، وهو ما اعتبره «ياسر» محاولة للهروب لا للتعاون.
ومن هنا تتسارع الأحداث، وصولًا إلى قسم الشرطة، ثم المكالمة الهاتفية التى أبلغته بأن «محمد» و«يوسف» فى مركز بنها، قبل أن يصعد إلى المباحث ويجد صديق الابن جالسًا بين والده وجده، ويبدأ فى السؤال عن ابنه. ويصل والد «محمد» إلى لحظة الانكسار الكبرى حين يعرف الحقيقة كاملة، والطعنات الـ ٢٦ التى تلقاها الابن، واعتراف المتهم صديقه الذى قاد إلى مكان الجثمان فى منزل تحت الإنشاء، يقول إن ما رآه لا يمكن لإنسان أن يتحمله، «حتى لو كانت قطة»، على حد تعبيره.
يكرر والد المجنى عليه، أن ابنه كان يحلم بأن يصبح طبيبًا، وكان قد حصل بالفعل على شهادات تقدير، وأن مدرس الأحياء كان قد وعده بتكريم ومكافأة مالية فى اليوم نفسه الذى قُتل فيه، قبل أن يؤكد أنه لا يطلب سوى شيء واحد: «حق ابنى، حق يرضى ربنا».
فيما، كانت والدة «محمد»، جالسة فى طرف الغرفة، لا تبكى بصوتٍ عالٍ، لكنها كانت تحتضن ما يكفى لأن يفهم الجميع أن القلب سبق العين إلى الانكسار، بين ذراعيها ملابس جديدة ما زالت بطياتها، لم تُغسل ولم تُلبس، ترفعها ببطء وكأنها تخرجها من زمنٍ آخر، وتقول: «دى هدومه.. هو اللى اشتراها بإيده»، ثم تصمت قليلًا قبل أن تضيف: «كان ناوى يخزنها لعيد الفطر اللى جاى».
وبجوار الملابس، شهادة تقدير مدرسية، ترفعها أمامها وتبتسم ابتسامة موجوعة: «كان متفوق.. وبيفرح قوى بالشهادة دى»، ثم تخفض صوتها: «وعدنى يكون دكتور»، وتكمل الجملة وهى تكاد تختنق: «راح وسابنى محطمة»، لا تطلب الأم أكثر من «عايزة القصاص القانونى.. حقى بالقانون، وحق ابنى».
على بُعد خطوات، كانت الجدة منهارة تمامًا، لا تملك القدرة حتى على الجلوس، تسند جسدها إلى الحائط وتردد اسمه كأنها تخشى أن تنساه، (ده ضنايا.. ده كان روحى)، فيما التف أهالى القرية حول البيت، رجالًا ونساءً، يشهدون له بصوتٍ واحد، «كان محترم»، «كان مؤدب»، «عمره ما أذى حد». وأمرت النيابة العامة بحبس المتهم ٤ أيام على ذمة التحقيقات.
المصدر:
المصري اليوم