في قلب الصحراء الغربية، وتحديداً على ربوة مرتفعة شمال مدينة الخارجة بالوادي الجديد، تقف مئات القباب الطينية صامتة منذ قرون، تحرس أسراراً عمرها أكثر من 1600 عام. هنا "جبانة البجوات"، إحدى أقدم المدن الجنائزية المسيحية في العالم، والتي تخفي بين دروبها جوهرة معمارية وروحية نادرة تُعرف بـ"كنيسة الخروج".
"مصراوي" يأخذكم في رحلة عبر الزمن، لنقرأ سويًا جداريات هذا المزار الفريد، الذي وثق فيه المسيحيون الأوائل قصص النجاة من الطوفان، والهروب من بطش فرعون، والخروج من بطن الحوت، في رسالة أمل خالدة قهرت الزمن والنسيان.
كشفت الخبير الأثري منصور عثمان، مدير الآثار القبطية الأسبق بالوادي الجديد لـ"مصراوي"، أن حكاية هذا المكان لا تبدأ من البناء، بل من "الهروب"، ففي القرون الأولى للميلاد، ومع اشتداد الاضطهاد الروماني للمسيحيين، تحولت واحة الخارجة إلى ملاذ آمن للمؤمنين الفارين بدينهم.
وقال منصور: إنه تشير الدراسات التاريخية إلى أن جبانة البجوات، التي تقع خلف معبد هيبس بنحو 3 كيلومترات، استخدمت للدفن بدءاً من أواخر القرن الثالث وحتى القرن السابع الميلادي، وتضم الجبانة نحو 263 مقبرة مشيدة بالطوب اللبن على هيئة قباب (قبوات)، تتلاحم في مشهد مهيب يشبه "خلايا النحل" وسط الرمال.
وتابع: "إنه في قلب هذه المدينة الصامتة، يبرز "مزار الخروج"، أو ما يطلق عليه مجازاً "كنيسة الخروج"، والذي يُرجح أن تاريخ تشييده وزخرفته يعود إلى النصف الأول من القرن الرابع الميلادي (حوالي 350م)، ليكون شاهداً حياً على حقبة تحول فيها الخوف إلى فن، والموت إلى رجاء في القيامة".
على عكس الشائع، أوضح الخبير الأثري بهجت إبراهيم، مدير الآثار السابق بالوادي الجديد لـ"مصراوي" أن "كنيسة الخروج" ليست كنيسة بالمعنى الطقسي التقليدي لإقامة القداسات اليومية، بل هي في الأصل "مزار جنائزي" أو حجرة مقببة، كانت تُستخدم كمدفن ذي طابع كنسي، حيث تجتمع الأسرة لإقامة الصلوات والذكريات على روح المتوفى.
وأكد بهجت، أنه جرى تصميم المزار كحجرة بسيطة من الطوب اللبن، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في سقفها وقبتها المزينة بشريطين من الرسوم "الفريسكو" التي تمزج بين الفن القبطي المبكر والروح المصرية القديمة، مما يجعلها وثيقة بصرية نادرة تعكس لاهوت وعقيدة سكان الواحات في تلك الحقبة السحيقة.
تابع بهجت، " إن المزار يستمد اسمه وشهرته العالمية من الدورة التصويرية الرئيسية التي تتصدر القبة، وهي مشهد "خروج بني إسرائيل من مصر".
وقال: " إنه يظهر النبي موسى في الجدارية وهو يقود شعبه عبر صحراء سيناء، في لوحة مفعمة بالحركة، بينما يظهر جيش فرعون خلفهم في وضع المطاردة. لم يكن اختيار هذا المشهد عبثياً، بل كان إسقاطاً سياسياً وروحياً بارعاً؛ فالمسيحيون الأوائل في البجوات رأوا في قصة تحرر بني إسرائيل من عبودية فرعون رمزاً لخلاصهم الروحي، وأملاً في النجاة من اضطهاد الرومان في ذلك الوقت.
لم تكتفِ ريشة الفنان القبطي القديم بقصة موسى، بل جرى رصد مشاهد أخرى لا تقل روعة ورمزية، أبرزها قصة النبي يونس (يونان) مع الحوت.
قالت الدكتورة سهام بحر، مدير الآثار القبطية الحالي بالوادي الجديد، إنه في هذه الجدارية، يظهر الحوت الضخم كوحش بحري، بينما يُرسم النبي يونس في مشهد مزدوج يمثل لحظة الابتلاع ولحظة الخروج. هذه اللوحة كانت بمثابة رسالة طمأنة لأهالي المتوفين، حيث يرمز خروج يونس حياً من بطن الحوت بعد 3 أيام إلى "الموت والقيامة"، وإلى الفرصة الثانية التي يمنحها الله للمؤمنين، وهو المعنى الجوهري الذي تأسست عليه الجبانة كلها.
وتابعت سهام: " غنه في زاوية أخرى من القبة، تتجسد قصة النبي "دانيال في جب الأسود". يظهر دانيال واقفاً بشموخ وسط الجب، تحيط به الأسود المفترسة دون أن تمسه بسوء، هذه اللوحة كانت تخاطب قلوب الزوار في زمن الخوف، مؤكدة أن "حماية الله للأبرار مضمونة"، حتى وإن كانوا وسط الوحوش أو تحت نيران الاضطهاد، تماماً كما نجى دانيال بقدرة إلهية".
وأكدت سهام، أنه جرى رصد مشاهد تأسيسية للبشرية، تبدأ من "آدم وحواء"، تصور الجدارية الأبوين الأولين بعد الطرد من الجنة، في وضعية السير أو الهروب، في إشارة فلسفية عميقة لبداية رحلة الشقاء الإنساني على الأرض والابتعاد عن الفردوس المفقود.
وبجوارها، تظهر "سفينة نوح" ككتلة ضخمة يعلوها أشخاص وحيوانات، لتجسيد فكرة "النجاة وسط الهلاك". فكما نجا نوح ومن معه من الطوفان الذي أغرق العالم، سينجو المؤمنون المدفونون في هذا المكان من طوفان الموت الأبدي.
وأشارت سهام، إلى أنه قد كشفت أحدث الدراسات المتخصصة عن تفاصيل فنية دقيقة لم تكن ملحوظة من قبل، حيث جرى تمثيل شخصيات أخرى من العهد القديم مثل النبي "إسحق"، ومشهد "الثلاثة فتية في أتون النار"، إلى جانب تكوينات رمزية للقديسين تحيط بمركز القبة.
وتابعت : " إن المفاجأة التي رصدتها بعض الأبحاث هي حضور مشاهد لنساء قديسات، أبرزهم القديسة "ثِكلا" (Thecla)، التي تظهر كامرأة تقف وسط النار تحت سحابة رعدية تمطر لتطفئ اللهب، وجود "ثِكلا" يربط أيقونات مزار الخروج بتقليد القصص المسيحية المبكرة (المنحولة)، ويؤكد أن ثقافة سكان البجوات كانت منفتحة على التراث المسيحي العالمي في ذلك الوقت.
المصدر:
مصراوي