مرت الأعوام وتغيرت الوجوه، ويبقى لعام 1992 أثره الخاص لمن عاصر الزلزال الأشهر فى تاريخ مصر المعاصر، والذى دمر العديد من المنازل وفقدت فيه الأسر الكثير من أحبائها، والمعروف أيضاً بـ«عام الزلزال» بين الأجيال التى عاشت الهزة القوية بكل ما حملته من فزع وفقد، أما «عادل» فقد ترك زلزال 1992 فى وجدانه وذاكرته بصمة أكثر ألماً لا يمكن محوها، فهو العام الذى عُثِر عليه فى لحظة لا يعرف أحد ظروفها، ليستقر به الحال فى دار رعاية الأيتام، يقضى أيامه من وراء نافذة ضيقة، متطلعاً إلى حياة أخرى أكثر استقراراً كسائر أقرانه ممن نشأوا بين أحضان أسرة وتنعموا بدفء الأبوة والأمومة.
لكن ما آلت إليه رحلة «عادل» بعد تجاوزه الثلاثين عاماً، كانت تشبه المعجزة، الآن هو شاب متزوج ورب لأسرة مستقرة، شعور ذاق حلاوته للمرة الأولى، وأراد أن ينقله إلى أقرانه ممن عايشوا ظروفه بتأسيس شركة «متكأ»، التى أعادت الأمل للكثيرين من خريجى دور الأيتام ممن أتموا عامهم الـ18، وهى مؤسسة تقدم خدمات مجتمعية متعددة تشمل التوظيف والتعليم والصحة والصحة النفسية.
بداية المستقبل المشرق كانت أكثر عتمة للشاب الثلاثينى، الذى تربى ونشأ داخل «دار السلام لرعاية الأيتام»، التى دخلها وهو ابن العامين، فهذه هى الحقيقة الواضحة عن هويته، أما اسمه فكان مجهولاً قبل أن يمنحه المسئولون اسماً وهمياً ليعرف بـ«عادل ماهر إبراهيم»، وحين فتح عينيه على عالم لم يختره وجد نفسه بين أكثر من 20 طفلاً، عرفهم كإخوته يعيشون معاً فى مبنى كبير، تتوزع طوابقه على غرف متعددة تضم أسرة بطابقين، وغرف أخرى تعددت مهامها، ملامح مبنى لا يختلف كثيراً عن غيره من دور الأيتام، لكن بالنسبة لـ«عادل» كان العالم بأكمله «كنت فاكر إن العالم كله بنفس الشكل.. هو ده شكل البيت العادى»، وفقاً لوصفه لـ«الوطن». ربما تشابهت طفولة «عادل» مع أقرانه، فهو الصغير الذى قضى يومه وسط اللعب مع إخوته، وتذوق من المشرفات حنان الأم هكذا خيل إليه، حتى جاء موعد التحاقه بالمدرسة، ووقتها بدأ كل شىء يتغير حين وجد نفسه يستقل الأوتوبيس من الدار للمدرسة رفقة 27 من إخوته، ومشرفة ظلت ترافقهم طوال اليوم الدراسى، حتى فى مقاعد الفصول، لتكون هى العلامة الأولى التى أشارت إلى أمر غير مألوف يدور فى حياته يختلف عن باقى زملائه: «المشرفة كانت بتقعد معانا جوا الفصل.. باقى زمايلنا بيفضلوا يسألوا اشمعنى أنتم فيه واحدة بتقعد معاكم.. من هنا بدأت أشعر إن فيه حاجة مختلفة عن زمايلى».
لم يكن الخروج للمدرسة رفقة المشرفة هو العلامة الوحيدة التى كشفت الحقيقة لـ«عادل»، لكن سرعة تغيير مشرفات الدار كانت العلامة الأكثر ألماً فى حياته، فكلما ذاق الحنان من إحداهن أبدلتها الدار بأخرى، لتنغرس فى داخله مشاعر الفقد والحرمان «الشخص الطبيعى بيفقد أبوه أو مامته مرة واحدة.. لكن أنا كنت بفقدهم كل مرة مع تغيير المشرفات.. فعندى دايماً شعور بالفقد». مرت الأعوام وظل شعور الفقد هو الصاحب البائس لـ«عادل» كلما زاد وعيه للدنيا، ليكون النجاح دراسياً هو طوق النجاة الذى اختاره لنفسه للخروج من هذا المأزق: «إحنا فى الدراسة ماكانش فى حد متابعنا.. لو عايز تبقى شاطر هتبقى شاطر.. الموضوع متوقف عليك أنت لوحدك.. قررت أبقى شاطر»، وفقاً لحديثه لـ«الوطن». لكن هذا القرار كلف «عادل» أعباء ثقيلة، بداية من شهرته وسط أقرانه بلقب «سقراط»، مروراً بفرض عقوبات بالضرب لكثرة حبه للقراءة، فالكتب هى متنفسه الوحيد: «كنت بحب اقرأ جداً.. كنت بستخبى فى الحمام واقرأ الكتب عشان كنت بتضرب».
نظام صارم يسير وفقاً لعقارب الساعة داخل دار الأيتام، هكذا وصف «عادل» الحياة من الداخل: «الحياة جوا بمواعيد.. النوم بمواعيد.. الأكل بمواعيد.. حتى اللعب بمواعيد»، يتذكر الشاب الثلاثينى لمسة حانية من مشرفة كانت تتخذه ابناً لها: «كانت فيه أم بتخبيلى الأكل تحت المخدة.. عشان لو فاتنى ميعاد الغدا ألاقى أكل»، المعاناة امتدت أيضاً إلى «الخصوصية»، فبداخل الدار لا وجود لهذه الكلمة ليقول «عادل»: «أنت جوا الدار.. حياتك ملك عام.. تخيل دولابك بيفتحه 27 شخص.. هدومى بيلبسها 27 شخص». دوامة من النظام الإجبارى عاشها «عادل» فى صمت، لكن فى كل مرة تفتح الدار أبوابها لاستقبال الزائرين يتجدد الصراع بداخله، حين يتلقى أسئلة تبدو عادية لكن تحمل فى طياتها علامات الاستفهام التى يقف أمامها عاجزاً عن الإجابة: «لما حد من بره كان بيزورنا كانوا بيسألونا أسئلة زى هو أنتم دخلتوا المدرسة عادى؟ هو أنتم بتاكلوا عادى؟.. كل الأسئلة دى خلتنى أحس هو إيه المعيار العادى عشان أبقى شخص عادى طبيعى زيكم؟». التحق «عادل» بالثانوية «المرحلة الحرجة» فى حياته، هكذا وصفها، حيث تعرض للتجارب الأكثر قساوة، فعندما أوشك على الانتهاء من الدراسة تلقى فرصة ذهبية من سيدة رغبت فى تشجيعه على استكمال دراسته بكلية الهندسة، على أن تتحمل تكاليف الإنفاق، فرحة كبرى هزت قلبه لكن الرد الصادم من مسئول بالدار أبدل الفرح لانكسار: «لقيت عضو فى مجلس إدارة الجمعية بيقول لى أنا ابنى هيدخل حاسبات ومعلومات أنت هتخش هندسة.. طبعاً بالنسبة لى ده موقف صادم.. دى دايماً الرؤية للى بيتربوا فى دار الأيتام». لكن التجربة الأكثر ألماً، حين اقترب من إتمام عامه الـ18، لتفاجئه الحياة بقرارها الصادم، فالآن أصبح عليه أن يغادر الدار وينتقل إلى الرعاية اللاحقة، التى لا يوجد تعريف محدد لها: «الرعاية اللاحقة ملهاش كتالوج.. فيه دور ممكن تجيب لعيالها شقق إيجار.. وفيه دور بتخرج عيالها فى الشارع تانى»، لكن الوضع بالنسبة لـ«عادل» ربما كان أحسن سبيلاً حين قررت الدار استكمال فترة تعليمهم الجامعى. للمرة الأولى أصبح على «عادل» التعامل بمفرده فى الحياة حين خرج للذهاب إلى الجامعة، حيث أصبح من طلاب كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، لكنه وجد من «الكذب» وسيلة لإخفاء حقيقته عن الجميع «كنت بكدب على الكل طول الوقت.. عشان مقولش إنى متربى فى دار أيتام». ومن الجامعة إلى تأدية الخدمة العسكرية، حيث كان «عادل» ضمن أول دفعة فرض عليها تقديم الخدمة العسكرية من دور الرعاية، مرحلة اشتد فيها عوده، لكن الحياة سرعان ما قابلته بصفعة أقوى، ففى إحدى المرات التى نال فيها الإجازة عائداً إلى داره وجد الأقفال الحديدية على أبواب الدار، فهنا توقفت عقارب الساعة وتجمدت ملامحه، وحين سأل عرف من المارة أن الدار أغلقت أبوابها وسرحت أبناءها منذ قرابة شهرين: «قعدت قدام الباب.. باب الدار اتقفل مش عارف هروح فين».
وقف «عادل» بمفرده فى مهب الريح، لا يملك شيئاً يمكنه من الاستمرار فى العيش، لكنها مرحلة كانت بمثابة «ميلاد حقيقى»، حين قرر الإبحار فى «بحر الحياة»، اتجه الشاب العشرينى، آنذاك، للحصول على دورات تدريبية تؤهله لسوق العمل.
رحلة طويلة قضاها بمفرده لكن النهاية أذهلت الجميع، حين رفع صوته فى وجه الحياة متحدياً الصعوبات بروح عنيدة قائلاً: «أنا عايز أعيش»، أسس «عادل» لنفسه منزلاً وقطع خطواته الأولى فى مجال المبيعات والتسويق، ومع كل نجاح تمكن من تحقيقه تذكر غلق أبواب الدار فى وجهه: «لولا الموقف ده ماكنتش عملت أى حاجة فى حياتى.. قفلة باب الدار فتحت لى أبواب كتير بعد كده عشان أنطلق فى الحياة». رسم «عادل» ملامح حياته المستقبلية، فكان الزواج وتكوين أسرة حقيقية هو النور الذى اهتدى إليه، حين قرر الزواج من فتاة تشبه ظروفه، فوقع الاختيار على فتاة تدعى «سارة»، لم تربطه بها أى معرفة سابقة سوى كونها قضت حياتها فى دار للأيتام: «هى كمان من نفس ظروفى.. يادوب جهزت الشقة ومشفتهاش غير مرتين قبل الجواز.. جهزنا دنيتنا واتجوزنا». مشاعر مضطربة عاشتها الزوجة «سارة» لأول مرة حين وضعت قدمها داخل منزل الزوجية، حيث قالت لـ«الوطن»: «لما الفرح خلص.. كنت شايفة إنى هرجع على بيتى اللى هو الدار»، شعور من القلق والخوف ظل ملازماً للزوجة طيلة الأيام الأولى من الزواج، ليحاول «عادل» تهدئتها وإرساء الطمأنينة بداخلها: «كنت خايفة من المسئولية.. وماكنتش عارفة هبنى بيت إزاى».
زواج «عادل» من «سارة» هو بداية الحياة الحقيقية التى اختارها بنفسه، ذاق خلالها حلاوة الاستقرار والدفء الأسرى الذى ازدادت روابطه بوضع طفلتهما الأولى «سلمى»، فهنا كان الاختبار الحقيقى لصدق تجربتهما، حيث خاض الزوجان معاً رحلة ممزوجة بالفرحة والمتاعب: «مشاعر الأبوة والأمومة إحنا ماشفنهاش ومحتاجين ننقلها لأطفال ويطلعوا أسوياء ده بالنسبة لى معجزة». ومن الكتب ومواقع الإنترنت وجد الأبوان وسيلة مناسبة لتربية الصغيرة: «كنت بلجأ للكتاب إزاى أربى طفل لأول مرة.. وأدخل على جوجل عشان أدوّر على كل حاجة»، بذل «عادل» ما فى وسعه لتربية صغيرته، ليصبح هو وزوجته خير مثال على «فاقد الشىء يعطيه» ليرغبا فى تكرار التجربة مرتين أخريين. حلاوة الاستقرار الذى عاشه «عادل» مع أسرته رغب فى نقله إلى أقرانه من خريجى دور الرعاية «ما دام أنا قدرت أعمل أسرة مستقرة.. فمش عايز اللى يخرج من بعدى من الدار يعيش فى معاناة»، فكانت النتيجة «متكأ»، فهى الشركة المجتمعية التى طالما حلم الشاب الثلاثينى بتأسيسها لخدمة خريجى دور رعاية الأيتام الذين أتموا 18 عاماً: «إحنا اخترنا الفئة دى تحديداً عشان دول أكتر فئة ماحدش بيساعدهم.. بيخرجوا من الدار ومابيعرفوش يواجهوا الحياة».
تأسيس شركة «متكأ» هو الخطوة التى وافقته عليها الزوجة، وهو ما أشارت إليه «سارة» خلال حديثها لـ«الوطن»: «أول ما عادل قال لى على فكرته فى تأسيس شركة متكأ.. رحبت جداً، لأننا محتاجين شبكة دعم نفسى لخريجى دور الرعاية.. عشان يكون عندنا صلابة نفسية نقدر نواجه بيها الحياة». مشوار طويل من الاستشارات قطعه «عادل» مع زوجته رفيقة رحلته وصديقهما «يوسف»، الذين تشابهت نفس ظروفهم فى تكوين الشركة المجتمعية: «مؤسسو (متكأ) هما ناس اتربوا فى دار الأيتام.. لأن إحنا أكتر ناس أدرى بمشاكلهم»، فضلاً عن أصحاب الخبرة فى الرعاية المجتمعية. مجالات متعددة ما بين التعليم والصحة والصحة النفسية والتوظيف، هى الخدمات التى يسعى «عادل» لتقديمها إلى مستفيدى «متكأ»، فهى بمثابة حلقة الوصل بين المستفيدين ومقدمى الخدمات، حيث شرح الشاب الثلاثينى الفكرة القائمة لشركته المجتمعية قائلاً: «أنا هدفى إنى أوصل بين مقدمى الخدمات من الوزارات والمؤسسات المجتمعية وبين خريجى دور الأيتام عشان يقدروا يحصلوا على الخدمات بصورة كريمة». يسعى «عادل» إلى التواصل مع الجهات الحكومية لدعم شركته المجتمعية، فكان أولها مع الدكتورة مايا مرسى وزيرة التضامن الاجتماعى، فهى بمثابة الجهة الحاضنة لفاقدى الرعاية الوالدية فى مصر، التى سرعان ما أبدت إعجابها بهدف الشركة، وساعدت «عادل» فى التواصل مع أحد المسئولين عن ملف فاقدى الرعاية بالوزارة لمساعدته فى الحصول على المزيد من الخدمات، الخطوة ذاتها فعلها «عادل» مع وزارة التعليم العالى ووزارة الشباب والرياضة لمساعدة خريجى دور الرعاية فى الحصول على المنح الخاصة بالشباب. أحلام كثيرة ما زال «عادل» يسعى لتحقيقها مع «متكأ»، حتى يتمتع أبناء خريجى دور رعاية الأيتام بحياة طبيعية عادية تفتح لهم أبواباً من الأمل: «لو وفرت لليتيم حياة طبيعية نفسيته هتبقى سليمة ويقدر يتعامل مع المجتمع عادى.. أنا فى متكأ مش عايزه يبقى زويل.. أنا عايزه يبقى عادى».
رحلة مليئة بالمثابرة والمعافرة، هكذا وصف «عادل» مشوار حياته، خاتماً لقاءه مع «الوطن» برسالة وجهها إلى نفسه القوية قائلاً: «رحلتى كلها مثابرة، أوقات كتير جداً كنت بقول مش هكمل سواء من وأنا صغير لغاية ما وصلت لمتكأ.. بس كنت بثابر وأعافر.. ولولا وجود شوية ناس حواليّا مؤمنة بيّا ماكنتش هعمل حاجة».
المصدر:
الوطن