أطياف وأحلام السينما العربية، كتاب جامع يمثل حصيلة مشاهدات الناقد الأردني ناجح حسن لمختلف الأفلام المنتجة عربيا بادئا ب السينما الأردنية التي تشهد نموا يتزايد مع جهود مخرجات ومخرجين بشكل مستقل عن أي جهة إنتاج رسمية أو عامة في استهلال يؤكد الناقد على أنه ثمة الكثير من التشابه في حالات الصناعة السينمائية العربية التي غدت تتصدر المشهد بإنجازات وطموحات..وبرزت أسماء أفلام شابة قدمت أفلاما جالت في مهرجانات عالمية، من الأردن محي الدين قندور" الشراكسة" وأمين مطالقة " كابتن أبو راد" ومحمود المساد " إعادة خلق " ومحمد الحشكي " مدن ترانزيت" ناجي أبو نوار " زيب ، و دارين سلام " فرحة" والفيلمان الأخيران تعرف عليها الجمهور المصري في مهرجانات القاهرة وأسوان ولفتا الانتباه إلى أفلام أردنية قادرة على المنافسة على الجوائز في كبرى المهرجانات السينمائية. في الاستهلال أيضا يجري ناجح حسن مسحا سريعا على مختلف انتاجات السينما العربية منتهيا بأفلام من عمان واليمن وموريتانيا والإمارات وكلها أفلام عملت على رفع أن البيئة المحلية وخصوصية هويتها الثقافية والجمالية.
الكتاب من القطع الكبير في إحدى عشر فصلا يقدم مختارات من السينما في مختلف البلدان العربية، يكتب عنها بعد مشاهدة لها غالبا في المهرجانات السينماية والعروض الخاصة وكلها أفلام تمتلك مقومات فنية جمالية يحللها ويقف على عناصرها فيما يكتبه عنها، لا يقدم الكاتب مقارنات بين مختلف المنتجات العربية بل يختار منها ما يهمه الكتابة عنها وما يجد فيه عناصر جمالية تستحق التوقف والانتباه. في الفصل الثاني يخصصه للسينما في الأردن متوقفا عند بعض الأسماء ومنتهيا بشرح ما تم في مهرجان عمان في دورته الأولى التي جرت رغم الكورونا وتجاوزت الظرف العام لتتم بنجاح.
في الفصل الثالث تحتل السينما الفلسطينية صفحات مطولة اختار لها عنوان " القدس في عيون الفن السابع " مستعرضا نماذج من أفلام تدور أحداثها بالقدس لأعمال المخرجين ايليا سليمان ورشيد مشهراوي ودارين البو. متوقفا عند فيلم الناصر صلاح الدين وكيف أظهر يوسف شاهين القدس محملة بالدلالات في الصراع العربي الأسرائيلي.
الفصل الرابع مخصص للسينما السورية ومبدعيها عبد اللطيف عبد الحميد وريمون بطرس وغسان شميط أعمال منتجة من قبل المؤسسة العامة للسينما في دمشق تجمع بين الرؤى الجمالية والفكرية. الفصل الخامس خصصه للسينما اللبنانية بادئيا بالرحبانية وفيروز وعلاقتهما بالسينما متأملا تجربة فيلم " بياع الخواتم " للمصري يوسف شاهين في عمل أقرب إلى الأوبريت الغنائي تأليف الأخوين رحباني. واختارا لفيلمهما الثاني "سفر برلك" المخرج هنري بركات الذي تحقق أفلامه الغنائية رواجا في شباك التذاكر مع موضوعه الذي يمزج التحولات السياسية والثقافية في البيئة العربية بالموسيقى والغناء المعاصر.
وكان النجاح دافعا للفيلم الثالث مع هنري بركات أيضا فيلم " بنت الحارس " وفيه انغماس إلى الواقع الريفي بلبنان وصيغة بين الكوميديا والتراجيديا وتم الاستعانة بخبرات تقنية فرنسية وبريطانية فكانت النتيجة متعة بصرية مدهشة. توقفت في استعرض أبواب الكتاب عند هذا الجزيء الذي يوضح قيمة تضافر عناصر من مختلف البلدان عربية وأجنبية لصالح منتج يمتاز بالقوة ويحقق متعة للمشاهدين ويعمل على نشر ثقافة محلية بتضافر لبناني مصري . يعرج الكاتب على استعراض تجارب لبنانية مثل عمل المخرج مارون بغدادي " بيروت يا بيروت " عن نص للروائي المصري صنع الله ابراهيم، ويتوقف ناجح حسن أيضا عن تجربة ملحمة " باب الشمس" للمخرج المصري يسري نصر الله عن رواية الكاتب اللبناني الياس خوري وبدعم وانتاج فرنسي تم انجاز العمل بجزأيه في قالب ملحمي محتشد بالتفاصيل والحكايات أمكن أن تصل إلى المتلقي في العالم كله لقصص إنسانية فلسطينية.
سيواصل الكتاب استعراضه للسينما العراقية ومن الإمارات عبر المخرجة نجوم الغانم والمخرج علي مصطفى. و" حكاية بحرينية " لبسام الزوادي. ومن سلطنة عمان " البوم " لخالد الزدجالي. لم يغفل الكاتب فيلما من أي منتج عربي حتى لو كان عملا وحيدا وجوده لا يعكس بالضرورة ارتباطا بوجود صناعة للسينما في بلد المنتج محتفلا بقيمة تواجدها بين انتاجات الدول الناطقة بالعربية .
الفصل الثامن خصصه لتناول أعمال في السينما المصرية غالبا وجدها أعمالا تهم ذاقته وانحيازه الجمالي فعرض لفيلم مدكور ثابت " حكاية الأصل والصورة في قصة نجيب محفوظ المسماة صورة" شارحا أسلوبه وكيف انشغل مخرجه في طرح تركيب معنوي جمالي بأشكال جزئية تتابع فيها مجموعة صوره السينمائية في محاولة لتفجير الإمكانيات الفنية والجمالية للسينما المصرية وتخليصها من القيود التي لازمتها بالانجرار خلف سراب هوليود ومفاهيمها. من الواضح أن الناقد وجد في فيلم مدكور ثابت اختلافا عن السائد في ثلث فيلم " صور ممنوعة" هذا الذي كان تجربة للمؤسسة المصرية العامة للسينما لمنح المخرجين الشبان فرصة للإخراج.
عن داوود عبد السيد كتب تحت عنوان بلاغة السينما في ترنمها بأحلام البسطاء، راصدا كيف تجاوزت أعماله مجتمعة الأفكار المباشرة عن الصراع الاجتماعي، ويصفها بأنها واقعية الرؤية الفنية وليست واقعية الوصف الخارجي. وينتهي في مقاله المطول الأقرب إلى الدراسة الشاملة إلى أن سينما داوود عبد السيد تظل تجربة طموحة لمخرج معطاء يمتلك القدرة على إعجاب المشاهدين وثناء النقاد على السواء. والكاتب أيضا يقدم قراءة لأفلام مصرية متنوعة يمكن أن تندرج تحت مسمى السينما الشعبية أو الجماهيرية بعين الاهتمام مع أفلام مخرجين مؤلفين ويبرز من داخلها جماليات محملة تجعلها مقدرة لدى المشاهدين ويجد فيها متعة تكفي للحديث عنها.
في الفصول من التاسع حتى الحادي عشر يحلل أفلاما تونسية وجزائرية ومغربية أغلبها شاهدناه في المهرجانات، وأتصور أن الناقد ناجح حسن شاهدها أيضا في مهرجانات أو في عروض خاصة وليس في دور العرض العامة التي ما زالت توزع أفلاما أمريكية ومصرية فقط رغم ظهور بعض الانفراجات من خلال مركز السينما العربية وزعت أفلاما أردنية وتونسية وجزارية شاهدناها في دور العرض العامة بالقاهرة، كما يمكننا متابعة مختلف الإنتاجات العربية في سينما زاوية بالقاهرة مما يجعلها متاحة لجمهور أكبر أصبح متعطشا لمتابعة إنتاجات السينما العربية من مختلف أقطارها.
المصدر:
اليوم السابع
مصدر الصورة