آخر الأخبار

خالد إبراهيم يكتب: "ولنا فى الخيال.. حب؟".. ناجح بدرجات الرأفة

شارك

جهد كبير قدمه فريق عمل فيلم " ولنا في الخيال.. حب؟ "، لأحمد السعدني ومايان السيد وعمر رزيق وتأليف واخراج سارة رزيق، فالفيلم مليء بالمشاعر الرومانسية المتداخلة والمتشابكة التي تصل إلى حد التعقيد، فضلا عن الصراعات النفسية للشخصيات الثلاثة الرئيسية، وهو أيضا مليء بروح من البهجة والطاقة الايجابية التي صدرتها المخرجة، خصوصا تلك النابعة من شخصية مايان السيد ، ومع كل ذلك، فالفيلم لا يخلو من نقط ضعف واضحة على بعض المستويات، وهو أمر طبيعي، اذا نظرنا للفيلم باعتباره التجربة الأولى لسارة رزيق كمؤلفة ومخرجة.

مصدر الصورة
بوستر فيلم ولنا فى الخيال حب

قصة الفيلم

الفيلم يحكي عن وردة ونوح اللذان يكملان دراستهما في معهد السينما بأكاديمية الفنون، بعد أن أنهى يحيى دراسته في معهد الباليه، وبعد أن درست وردة في الكونسرفتوار، وتجمعهما قصة حب منذ أن كانا طفلين، رغم الاختلافات العميقة فى شخصية كل منهما، حتى يأتي وافد جديد على معهد السينما، وهو أستاذ دكتور "يوسف" العائد من ألمانيا، وتحيط به هالة من الغموض والحدة والعنف في طريقة التدريس والتعامل الانسانى، فتتشابك الأحداث ـ المشاعر ـ بين الثلاثي وردة ونوح وأستاذهما يوسف.

مُخرجة واعدة وتألق السعدني

أبرز ما يميز هذه التجربة، هو أن ورائها مُخرجة واعدة لديها حس عالٍ، مُحبة للفن، ومخلصة له، استطاعت أن توظف ما تملكه من قدرات لخدمة هذه التجربة، فالقليل من المُخرجين من لديهم القدرة على توجيه مشاعر الممثل، وليس توجيه الممثل فحسب، وهو ما نجحت فيه سارة رزيق ، حيث تفوق أحمد السعدنى في تقديم شخصية هذا الدكتور المأزوم عاطفيا، المنطوي، والغامض، فدخل الأحداث جامدا في التعامل مع الآخرين، يشعر بوحدة لا نفهم أسبابها إلا بعد، لكن يبدو أننا أمام شخص أربعيني، تعرض لأزمة نفسية عنيفة أوصلته إلى كل هذا القدر من التقوقع والانغلاق، ثم رويدا تنكشف مفاتيح الشخصية، وينكشف معها هذا القناع الذى يرتديه يوسف، حتى يتحول تماما في النهاية إلى النقيض.

مصدر الصورة
أحمد السعدني

كذلك أجاد الشاب عمر رزيق في دور "نوح"، والحق أن سارة رزيق، مخرجة الفيلم وشقيقة عمر، نجحت إلى حد كبير في إدارة عمر، الذى يتقاسم بطولة الفيلم، رغم حداثة عمره الفنى، فظهور عمر بهذا الدور وهذه الشخصية المرحة الرومانسية المنطلقة، تبدو وكأنها شخصية "شاهينية" بامتياز، تظن أنك رأيتها من قبل في "اسكندرية.. ليه"، أو "اسكندرية.. نيويورك"، فهو في الأداء والحركة والانطلاق يشبه شخصية يحيى في الفيلمين، كذلك يُحسب لسارة، أنها استغلت خلفية الشخصية القادمة من معهد البالية في حركاتها الراقصة بين الحين والآخر.

بجانب تميز سارة كمخرجة، فهى أيضا اتسمت بالشجاعة فى إعادة الاستعراضات للسينما مرة أخرى، وان كان هناك الكثير من الملاحظات على موضعها.

بقى من المشاركين في التمثيل، الفنانة منحة البطراوي، والتي ظهرت في مشهد واحد فقط، ولكنه كان مليء بالمشاعر المُبكية، قدمته البطراوي برومانسية فائقة وشجن وحنان، ساعدها في ذلك، الحالة الفنية التي ظهر عليها أحمد السعدني في الفيلم، وتحديدا في ذلك المشهد الذى جمعهما فى نهايات الفيلم.

مصدر الصورة
عمر رزيق ومايان السيد

في حُب "لالا لاند" وفان جوخ والسينما

تعاملت سارة بذكاء مع العديد من العناصر المتعلقة بالفن نفسه، فالفيلم بدا وكأنه يحتفى بالفن من أجل الفن، بداية من القصة والأحداث التى تدور داخل أسوار أكاديمية الفنون وفى مُحيطها بمعاهدها المختلفة، إلى دار الأوبرا ومركز الابداع الفني، مرورا بالحضور الطاغى لفيلم "لالا لاند" داخل الأحداث، سواء في بوسترات بداخل غرفة "نوح"، أو في الرسومات على ملابسه، بما يتماشى مع روح هذه الشخصية، وحبها للباليه والرقص والحياه، وكأنه يُريد بداخله أن يعيش تلك الحياة التي عاشها أبطال الفيلم لكن في حياته الواقعية، فهو يتعامل برومانسية شديدة مع "وردة"، يتمايل أمامها ويتراقص ويستعرض ويقوم بحركات راقصة، حتى وهو وحيدا مع الخطابات في غرفته، بل أنه يرقص وهو يستقل الـ "اسكوتر" ويتمايل به، بخلاف مُلصقات ورسومات الرسام العالمي فان جوخ المنتشرة أيضا، وتحديدا لوحة "ليلة النجوم"، " The Starry Night "، بل أن هذه اللوحة تتصدر أفيش الفيلم نفسه بطريقة أو بأخرى، بل أن ثمة تشابه يربط بين شخصية "نوح"، وهذه اللوحة العالمية، لأن فان جوخ، رسم هذه اللوحة من خارج نافذة غرفته، فإن "نوح" هو الآخر يرسم لنفسه حياة خيالية مليئة بالحب مع شخصية افتراضية من نافذة غرفته.

مصدر الصورة
مايان السيد وعمر رزيق واحمد السعدني

ليس هذا فحسب، بل هناك صورا لنجوم السينما المصرية تمتلئ بها كادرات الفيلم كثير من المشاهد، وأيضا عزفاً لاحدى المقطوعات الموسيقية الشهيرة جدا من فيلم "شارع الحب" لعبد الحليم حافظ، وتحديدا التيمة العالمية lonely ballerina، والتي عزفتها شخصية وردة في حفل بدار الأوبرا، ومعها تستعرض الكاميرا، صورا من فيلم "شارع الحب" و"سكر هانم"، وغيرهما.

إجمالا، فالتجربة تبدو وكأنها ذاتية للمخرجة الجديدة، التي تتشابه حياتها الحقيقية مع شخصية وردة، فحسب مواقع الانترنت، فهي أيضا درست الموسيقى، ثم درست الإخراج في معهد السينما، بالإضافة إلى أن هذه التفاصيل الفنية المليء بها الفيلم، تنم عن تجربة حياتية ليست منفصلة عن الواقع، وبها قدر من الامتنان لهذا الفن ولهذه التفاصيل.

الفُرص المُهدرة

ورغم كل هذا الجهد المبذول من الأبطال أو المخرجة سارة رزيق، إلا أن الفيلم يبدو بمثابة "فرصة كبيرة مُهدرة" أو من الممكن أن نقول أن الفيلم نجح بالفعل، ولكن مع درجات الرأفة، حيث كان بالأماكن أن يخرج أفضل بكثير من هذه الصورة، ولعل الإيجابيات التي ظهرت في الفيلم، وتم ذكرها في هذه السطور، هي نفسها البوابة التي خرجت منها بعض السلبيات، وبدايتها تأتى من نهاية الفيلم التي تضمنت استعراضين، خلال العشر دقائق أو الربع ساعة الأخيرة، أولهما لعمر رزيق في صورة "مشروع تخرج" يدخل في صلب الدراما بامتياز، والثانى يجمع بين نوح ووردة والدكتور يوسف، وهو أضعف من الأول ويخرج عن السياق العام للفيلم، ومساره الدرامي، بل ومسار الشخصيات نفسها، وخصوصا لشخصية يوسف، فلم يتماشى الاستعراض مع سماته الشخصية.

والسؤال الذى يطرح نفسه، لماذا وضعت المخرجة استعراضين في نهاية الفيلم، وتركت الفيلم كله بلا أي استعراضات، هل كان من الممكن أن نرى استعراض بين نوح ووردة في بداية الفيلم، يكشف عن تفاصيل العلاقة بينهم، ويمهد للأحداث، فإذا كانت مدة الفيلم 110 دقيقة، لماذا لم تُضف دقائق قليلة أخرى في استعراض في افتتاحية الفيلم؟

مصدر الصورة
عمر رزيق

الاستعراضان يكشفان عن أزمة حقيقية فيما يتعلق بطرق تنفيذ الاستعراضات في السينما المصرية، ومدى قابلية النجوم لتنفيذها، ومدى تمتعهم بكافة المهارات التي تتطلبها من مرونة وخفة وصوت مقبول واستيعاب لشكل الحركة والتحكم في سرعتها.

المأخذ الثانى هو أداء النجمة الشابة مايان السيد، فرغم أنها ممثلة جيدة، ومليئة بالطاقة والروح المختلفة، إلا أنها كانت الأقل من حيث الأداء، فنوح كان أكثر انطلاقا بحكم الشخصية، ويوسف تفوق بفضل التحولات النفسية في شخصيته، لكن ما يؤخذ على مايان هو لجوءها في بعض الأحيان للافتعال أو "الأفورة" في التنقل بين الانفعالات، خصوصا في المشهد التي تُظهر فيها تناقضات في مشاعرها، كلقاءها مع يوسف في منزله لأول مرة حينما تسللت بداخله.

وأيضا لدينا الموسيقى التصويرية للفيلم التى وضعها الموسيقار المُخضرم خالد حماد، فرغم جودتها، واستخدام آلات موسيقية تعطي احساسا بالشجن والحزن، إلا أنه كان هناك اسراف فى وضع الموسيقى فى كثير من المواضع.

السلبية الأكبر والتي أكدت على فكرة اهدار الفرصة، أن شبح فيلم "ملك وكتابة" للمخرجة كاملة أبو ذكرى، ظل يلوح في الأفق طيلة الوقت فالفيلم يتشابه إلى حد كبير جدا مع أحداث "ملك وكتابة"، الفارق الوحيد أن هند وحبيبها لم يكونا من طلاب الأستاذ الجامعي، ولكن مسار القصتين متشابه، فيوسف يشبه الدكتور محمود، الأول متقوقع بسبب فقدانه لزوجته، والثانى مأساته أكثر عمقا وهى أزمة نفسية متعلقة بالفشل والشعور بالاغتراب، والاثنين أساتذة في معهد السينما، كذلك وردة تشبه هند، في كونها شخصية عملية للغاية، طموحة، تدرس بجانب عملها، أما نوح فيشبه شخصية الحبيب في ملك وكتابة في كونهما شخصيات تميل إلى الرومانسية وحب الموهبة والإيمان بها.

ورغم أن تتر نهاية الفيلم كُتب عليه أن القصة مأخوذة أو مستوحاة من "باليه كوبيليا"، والذى تدور أحداثه حول طبيب صنع دُمية بالحجم الطبيعي فأُعجب بها شاب وتخلى عن حبيبته الحقيقية، الأمر الذى جعل الأخيرة تتظاهر بأنها الدمية، إلا أن هذه التفصيلة هي جزء من الأحداث ولا يستند عليها الفيلم كلياً.

وأخيرا، قد تنطبق نصيحة الدكتور الذى قيّم مشروع تخرج نوح، بضرورة التركيز في تخصصه، على مخرجة الفيلم نفسها، التى ستكون مكسباً للسينما المصرية إذا ركّزت على الإخراج فقط، ووضعت كل إمكانياتها به.

اجمالا، يظل "ولنا في الخيال.. حب؟"، تجربة جيدة، بها قدر من المشاعر الرقيقة والرومانسية المُفتقدة في كثير من الأعمال، كذلك تُعلن عن مَولد مُخرجة واعدة، لديها حساً فنياً راقياً، وأيضا يرسخ الفيلم للامكانيات المُميزة التي يتمتع بها أحمد السعدني، والذى يبدو وكأنه في مرحلة النضج الفني الأبرز في مسيرته.


شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا