كثيرا ما كان يشعر أننا فى حالة حصار مستمر لا فرار منه.

تحررنا من اعتقال قديم لندخل فى اعتقال جديد.

تخلصنا من ضربات الكرباج الأجنبى لنتلقى ضربات الكرباج الوطني.

حدث ذلك عندما راح «أنور السادات» يجمع الرموز السياسية والثقافية والدينية فى حملة اعتقالات واحدة ٥ سبتمبر ١٩٨١.

فى ذلك اليوم جاء «احمد زكى» إلى مكتبى فى «روز اليوسف» متصورا أننى أملك تفسيرا لما حدث وتوقعا لما سيحدث.

لكننى قلت:

«لقد نسينا غريزة الكلام وتحولنا إلى حيوانات غير ناطقة».

سألني:

ــ لو لم يعرف الصحفى ما يجرى فمن الذى يعرف؟

قلت:

ــ حتى لو عرف الصحفى ما يجرى فإنه لا يجرؤ على نشره بسبب من هم فوق رأسه.

ــ كنا زمان نعرف الحقيقة من الإذاعة البريطانية فهل سنظل نعتمد عليها؟

ــ غالبا سنعتمد عليها أو على ما يشبهها.

ــ إننى أشم رائحة خطر تجاوز حدود الشياط.

ــ هل صدمت فى السادات الذى تهوى تقليده؟

ــ سأذهب لأستمع إلى الإذاعة البريطانية خليك أنت فى شغلك.

واختفى من أمامى فى ثوان.

لم أعرف إلى أين مضى لكنى راهنت على أنه ذهب إلى الدكتور «حسن البنا قاسم» أكثر أصدقائه قربا.

هو أكثر شخص يثق فيه ويطمئن إليه ويعتمد عليه.

هو أكثر شخص يصدق كلامه ويستمع إلى آرائه وينتظر توقعاته.

المثير للدهشة أنهما أصبحا صديقان دون أن يسعى كل منهما إلى الآخر.

تعرف «أحمد زكى» عليه بحكم قدر رتب حياته واختار له أصحابه.

فى شتاء عام ١٩٩٢ كان الدكتور «حسن البنا» عائدا من عمله فى سفارة الكويت التى كان مستشارها الطبى فى ذلك الوقت حين وجد جرس الباب يدق.

هو يسكن فى فيللا دور أرضى فى عمارة من أربعة أدوار تملكها عائلته والفيللا مستقلة عن العمارة ولها مدخل خاص.

فتح الباب وجد أمامه «أحمد زكى» الذى لم يره من قبل وجها لوجه وكان معه «ممدوح وافى» و«أحمد» و«محمود السبكى» وهما يمتلكان محلا للجزارة وفاجأ الوسط الفنى بإنتاج الأفلام وسط دهشة النقاد الذين توقعوا أن يقتصر هدفها على الربح بعد تحديد أسعار اللحم.

كان «أحمد» و«محمود السبكى» صديقان لكل الأطراف.

فى ذلك الوقت كان «أحمد زكى» يبحث عن بيت يسكنه ليترك شقته فى شارع «جامعة الدول العربية» إلى جانب فندق «أطلس» بعد أن كاد قلبه أن يتوقف بعد الزلزال الذى ضرب القاهرة فى ١٢ أكتوبر ١٩٩٢ وهو الدور الثانى عشر وراحت العمارة تهتز وترتعش وكأنها ستنهار.

والحقيقة أنه كان يعانى من فوبيا الأدوار العليا ولا يجرؤ على الوقوف فى شرفة فيها وإلا أصيب بدوار وما أن يركب طائرة حتى يغلق النوافذ القريبة منه مهما اعترضت المضيفة.

كان أيضا يخاف من البحر بعد أن مات أحد أصدقائه غرقا.

ولم يكن ليقرب دراجة نارية عندما اصطدم بواحدة منها فى صباه.

ودون إفصاح كان يؤمن بالحسد وكثيرا ما كتب الآيات المحصنة منه على هوامش السيناريوهات التى يقرأها بل وافق على وضع «حجاب» فى جيبه بعد أن كاد فيلمه «أرض الخوف» أن يفوز بجائزة «أوسكار» أفضل فيلم أجنبي.

توافرت الشروط التى تفرضها أكاديمية «الفنون والعلوم السينمائية» الأمريكية منذ عام ١٩٤٥ على الفيلم فهو غير ناطق بالإنجليزية وطوله يزيد على ٤٠ دقيقة وتخطى مراحل التصفية بسهولة ولكن المنتج لم يستوف شرطا شكليا يحدد توقيت العرض تجاريا فضاعت الفرصة.

هنا نبهنى الناقد السينمائى «طارق الشناوى» إلى أن الجائزة تذهب إلى مخرج الفيلم وليس بطله.

لكن العقدة التى ظلت تخيف «أحمد زكى» أكثر من غيرها كانت عقدة الأدوار العليا وتصور أن علاجها عند الدكتور «حسن البنا» بالحصول على بيته.

لم يتكلم «أحمد زكى» معه كلمة واحدة وهو يدخل بيته وراح يتجول فيه دون أن يلتفت إلى صاحبه وما أن انتهى حتى سأله:

ــ كما تريد؟ أنا مستعد لدفع كل ما تطلب.

أعجبه المكان القريب من الأرض والذى يسمح له بوضع سيارته على بعد خطوات محدودة منه.

أضاف:

ــ خلاص أنا أخذت الشقة.

صدمه الدكتور «حسن البنا» قائلا:

ــ لكنها ليست للبيع كما أنها جزء من عمارة تمتلكها العائلة ملكية جماعية ويصعب على التصرف فيها بمفردي.

استمر «أحمد زكى» يضغط لشراء الشقة ستة أشهر لكنه لم يحصل عليها وانتقل إلى شقة أخرى دور ثان تقع فى حى «المهندسين» ولكنه فى ذلك اليوم حصل على صديق من طراز نادر فى زمن باع فيه الناس الأنبياء مقابل جهاز تكييف أو مقابل تليفون محمول أو «كيتشن ماشين».

والحقيقة أن «حسن البنا» لم يكن صديقه فقط وإنما كان طبيبه ومستشاره وكاتم أسراره ومنفذ مهامه الصعبة أيضا.

مثلا عندما قرر أن يمثل دور «عبد الناصر» طلب منه أن يبحث عن طريقة ما لتصنيع أنف مثل أنف «عبد الناصر» حتى لو «قطعوا حتة من لحمى» على حد قوله.

اتصل «حسن البنا» بأطباء تجميل داخل وخارج مصر ومنهم طبيب فى البرتغال متخصص فى جراحة أنف إنسان البحر المتوسط وأرسل إليه صورة «أحمد زكى» وصورة «عبد الناصر» ووافق الطبيب قائلا:

ــ ممكن أعمل أنف عبد الناصر على وجه أحمد زكى بجراحة لكنه لن يتخلص منها بعد تصوير الفيلم وستظل جزءا من وجهه طول العمر وهو قطعا أمر غير مستحب لنجم كبير مثله كما عرفت فأنا جراح تجميل ولست صانع ماكياج أو أقنعة فى أفلام.

ورفضت الفكرة بالطبع.

وجاءت خبيرة ماكياج من لبنان لتصنع أنفا متحركة على وجه «أحمد زكى» أثناء التصوير وتنزع منه بعد الانتهاء منه وعرضت أكثر من نموذج مناسب.

فى الوقت نفسه تكونت لجنة عليا فى ماسبيرو لتقرر ما تراه مناسبا بالنسبة إلى أنف عبد الناصر انتهت إلى أنه لا داعى لتغيير وجه «أحمد زكى».

انتهت أزمة أنف جمال عبد الناصر لكن لم تنته مشاكل «أحمد زكى» معه.

فيما بعد اتهم «أحمد زكى» بخيانة «عبد الناصر» وخيانة أفكاره ومبادئه التى آمن بها واستفاد منها حينما جسد شخصية «السادات» الذى كان على طرف نقيض مع «عبد الناصر».

بل هناك من اتهم «أحمد زكى» بأنه كرر أسلوب «السادات» نفسه حين انتقل من الإيمان بـ «عبد الناصر» إلى الانقلاب عليه.

لقد اعترف «أحمد زكى» أكثر من مرة بأنه لولا انحياز «عبد الناصر» إلى الفقراء ما وصل هو إلى ما وصل إليه.

اعترف أيضا أنه شعر باليتم الحقيقى عندما مات عبد الناصر ومشى فى الشارع يبكى بصوت مرتفع حتى الصباح وعندما حاول السير فى الجنازة كادت جماهير المشيعين الغفيرة أن تدهسه وظل أربعة أيام بلا نوم حتى سقط غائبا عن الوعى.

ما الذى حدث له؟

هل تغير إيمانه به؟

هل كان «أبوه» فى وقت الفقر ثم تبرأ منه فى وقت النعمة؟

هل تخلى عن ارتباطه بالناصرية التى كان يفخر بالانتماء إليها؟

حاول «أحمد زكى» الخروج من هذا المأزق بالجملة الشهيرة التى نقيم بها حكام مصر: «لهم ما لهم وعليهم ما عليهم».

لعب بذكاء لعبة «فرز الألوان».

هو مع «عبد الناصر» «الأخضر» الذى طرد الاستعمار وأمم القناة وبنى السد العالى وأنشأ المصانع الوطنية ولكنه ليس مع «عبد الناصر» «الأسود» الذى كمم الأفواه وفتح المعتقلات وجاء بالهزيمة فى يونيو ١٩٦٧.

وهو مع «السادات» «الأخضر» الذى عبر القناة وحرر سيناء ولكنه ليس مع «السادات» «الأسود» الذى راح يفاوض العدو فى كامب ديفيد ووقع معاهدات صلح وتطبيع معه وراهن على التنظيمات الإرهابية واعتقال الرموز الوطنية قبل اغتياله بنحو الشهر.

وفى اللحظة التى وصف فيها كل منهما بأنه إنسان قبل أن يكون رئيسا وصف نفسه بأنه ليس رجل سياسة وإنما فنان يريد تقديم تاريخ بلاده بأسلوب جذب يعيد الانتماء المفقود إلى الأجيال الجديدة التى لا ذنب لها لأنها لم تعش عصورًا سابقة خالدة.

بل وعرض على هيئة التليفزيون الحكومى فى ماسبيرو أن يستحضر بنفسه الشخصيات المؤثرة فى المسيرة الوطنية مثل «عمر مكرم» و«مصطفى كامل» و«سعد زغلول» و«مصطفى النحاس» حتى وصل إلى «حسنى مبارك» أو هو فى الحقيقة قرر أن يبدأ بقرار الضربة الجوية التى نفذها «حسنى مبارك».

لكن «إيناس الدغيدى» لم تجد فى «حسنى مبارك» ما يميزه حتى يجسد «أحمد زكى» شخصيته ولكنه اختلف معها وخرج من الباب ثم دخل لتجده «حسنى مبارك» أمامها فلم تصدق نفسها وعندما سألته:

ــ كيف تضع يدك على تفاصيل الشخصية التى تغيب عنا؟

أجاب:

ــ الشخصية تدخل إلى عقلى لتتجمع فيه تفصيلاتها الصغيرة المميزة ثم أندمج فيها حتى أدفن نفسها فيها فأصبح أنا هى وهى أنا.

وتحمس «حسنى مبارك» للفيلم ورصدت له ميزانية ضخمة وبدأ البحث عن مخرج أمريكى ينفذ المعارك الجوية.

وتسلم «أحمد زكى» منه وسام «العلوم والفنون» من الدرجة الأولى عن فيلم «السادات» هو ومخرج الفيلم «محمد خان» وكاتبه «أحمد بهجت» ونالت «ميرفت أمين» و«منى زكى» وسام «العلوم والفنون» من الفئة الثانية.

وبمبالغة ليست فى طبيعته اعتبر «أحمد زكى» الوسام تعويضا عن كل ما مر فى حياته من شقاء ويتم وألم.

وأذكر أن «مبارك» سألنى ذات مرة عن «أحمد زكي».

كنا عائدين من رحلة نصف نهار فى العقبة على متن الطائرة الرئاسية وعندما صافحنى همس قائلا:

ــ خليه يحافظ على نفسه أنا سمعت أنه مهمل فى صحته.

ــ أعرف أن صحته جيدة يا سيادة الرئيس.

ــ يا ريت يتزوج حتى يستقر.

ــ هو يخاف من الزواج حتى لا يأتى بشريك للتمثيل الذى يجن به.

وأمام الهجوم الضارى الذى تعرض إليه لم يتردد «أحمد زكى» فى شن هجوم مضاد على السياسيين والمفكرين لأنهم ليسوا محايدين فى رؤيتهم لحكام مصر وغالبا ما ينحازون إلى أحدهم على حساب الآخرين مما يشتت السواد الأعظم من الشعب الذى يمشى وراءهم منومنا.

بالقطع لم يعجبنى تحليلاته التى تتسم ببساطة تضلل من يسمعها خاصة عندما سمعته يقول:

«إن حبى لعبد الناصر لم يكن موقفا أيدلوجيا بل إن عبد الناصر نفسه لم تكن له أيديولوجية كما أن السادات هو الذى اختارنى لتأدية دوره».

تبدأ القصة بنشر كتاب «البحث عن السادات» الذى يروى سيرته كما رواها بنفسه وصاغها الدكتور «رشاد رشدى» ثم جاء من يعرض عليه تحويل الكتاب إلى مسلسل تليفزيونى يخرجه «يحيى العلمى» الذى قابل «أحمد زكى» مهللا:

ــ مبروك السادات اختارك. اختارك تلعب دوره. لكن أرجو تكتم الخبر حتى لا تفضح سرا من أسرار الدولة العليا.

وفرح «أحمد زكى» بالشخصية وتفتحت شهيته الفنية لتأديتها بكل ما فيها من هبوط وصعود وراح يحفظ الكتاب.

لكن للإنصاف لم يكن «أحمد زكى» الفنان الوحيد الذى غير قناعاته بتغير الظروف السياسية.

لقد انحنت «أم كلثوم» أمام جمهورها وهى تغنى للملك «فاروق» ولكنها لم تتردد فى وضع اسم «جمال عبد الناصر» فى إحدى أغنياتها الوطنية وفى فورة الحزن على رحيله اشترت قصيدة من «نزار قبانى» وسهرت عدة ليال كاملة حتى انتهت من بروفاتها ولكنها خشيت أن يغضب «السادات» فمنعت إذاعتها ورغم ذلك كان الخبر فى حد ذاته كفيلًا بالتضييق عليها.

وحمل «محمد عبد الوهاب» لقب مغنى «الأمراء والملوك» لكنه سرعان ما انضم إلى «جوقة» مطربى الأغانى الوطنية الثورية والقومية وأسعده كثيرا أن ينال رتبة «لواء» شرفية وأن يختم إرسال التليفزيون الحكومى وهو بالزى العسكرى والنياشين مؤديا دور المايسترو فى عزف السلام الوطنى.

وتكررت المواقف المتناقضة مع غالبية النجوم على مختلف العصور.

وليس لنا أن نحاسب «أحمد زكى» على تعدد أدواره ولكن لنا أن نحاسبه على تناقض عقائده السياسية التى تحدث عنها بنفسه دون أن نطالبه بإعلانها ولو كان قد سكت لما فتح على نفسه النار.

سألت الدكتور «حسن البنا»:

ــ هل تأثر أحمد زكى بالهجوم عليه بعد فيلم السادات؟

ــ قطعا تأثر إلى حد المرض فلم يتصور أنه سيحاسب سياسيا وتصور أنه سيحاسب فنيا على تأدية الدور.

ــ هل خسر من مقاطعة الفيلم وكان منتجه ف ....