من التضامن مع إسرائيل إلى الاعتراف بفلسطين.. كيف تغير العالم بعد 7 أكتوبر؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد ثلاثة أعوام على هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تبدو صورة العالم تجاه إسرائيل مختلفة عما كانت عليه في الأيام الأولى للحرب. فبينما وقفت دول غربية في البداية إلى جانب إسرائيل وأعلنت تضامنها معها، دفعت الحرب في غزة إلى تحولات سياسية وشعبية وقانونية متسارعة، كان أبرزها اتساع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وتراجع صورة إسرائيل في قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.
يشير تقرير للجزيرة إلى أنه في الأيام الأولى للحرب كانت الرسائل القادمة من العواصم الغربية واضحة في دعم إسرائيل، فقد زار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ريشي سوناك إسرائيل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، وقال إن بلاده "تتضامن معكم ومع شعبكم"، متمنيا أن "تنتصروا".
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 في الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى.. مظاهرات داعمة لغزة تجوب مدن العالم
* list 2 of 2 ممداني: أموال ضرائبنا تمول جرائم الحرب في غزة end of list
لكن بعد نحو عامين، جاء الموقف البريطاني من حكومة أخرى بصورة مختلفة، عندما أعلن رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر اعتراف المملكة المتحدة رسميا بدولة فلسطين. وبين الموقفين، كانت غزة قد خاضت ثلاثة أعوام من الحرب، خلفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى ودمارا واسعا طال مختلف مناحي الحياة.
من التضامن مع إسرائيل إلى الاحتجاج ضدها
في الشوارع الأوروبية، تبدلت المشاهد. ففي باريس، خرج متظاهرون يهتفون دعما لفلسطين وينددون بسياسات الحكومة الفرنسية تجاه إسرائيل، بينما أكد مشاركون في الاحتجاجات أن المظاهرات لم تتوقف منذ بداية الحرب، وأن استمرار الضغط الشعبي بات جزءا من الحراك المناهض للحرب.
وخلال عامين، شهدت نحو 800 مدينة في 25 دولة أوروبية أكثر من 45 ألف مظاهرة وفعالية مؤيدة لفلسطين، وفق الأرقام التي عرضها التقرير. ولم يقتصر التحول على الشوارع، بل وصل إلى الجامعات، خصوصا في الولايات المتحدة.
ففي جامعة كولومبيا، تحولت الاعتصامات الطلابية المتضامنة مع غزة إلى إحدى أبرز صور الاحتجاج داخل الجامعات الأمريكية، قبل أن تنتقل موجة الاحتجاج إلى جامعات أخرى. وخلال أسبوعين فقط، رُصد أكثر من 550 تحركا طلابيا في الجامعات الأمريكية، طالب بعضها بوقف الحرب وسحب الاستثمارات المرتبطة بإسرائيل.
وفي دول أوروبية، اتخذت جامعات خطوات مختلفة، من بينها تعليق بعض أشكال التعاون مع مؤسسات إسرائيلية في النرويج وإسبانيا وإيطاليا. ويعكس هذا الحراك انتقال القضية الفلسطينية من نطاق الاحتجاجات السياسية التقليدية إلى فضاءات جامعية وشعبية أوسع، خصوصا بين قطاعات شبابية في الغرب.
تراجع صورة إسرائيل في الرأي العام
إلى جانب الاحتجاجات، تُظهر استطلاعات الرأي تحولا في نظرة قطاعات من الشعوب إلى إسرائيل. ففي الولايات المتحدة، الحليف الأبرز لإسرائيل، بلغت نسبة الأمريكيين الذين ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية 60% في عام 2026، مقابل 37% يحملون نظرة إيجابية.
ويمثل ذلك ارتفاعا كبيرا مقارنة بما قبل الحرب، ففي عام 2022 كانت النظرة السلبية لدى نحو أربعة من كل عشرة أمريكيين، لترتفع إلى 53% عام 2025، ثم إلى 60% في 2026. ولم يكن التراجع مقتصرا على الولايات المتحدة، ففي استطلاع شمل 36 دولة أجراه مركز "بيو"، بلغت نسبة من ينظرون إلى إسرائيل سلبيا 67%، وفق الأرقام التي أوردها التقرير.
وتحولت هذه التغيرات في الرأي العام أيضا إلى مواقف لشخصيات إعلامية كانت مواقفها في بداية الحرب أكثر دعما لإسرائيل. ومن أبرز الأمثلة الإعلامي البريطاني بيرس مورغان، الذي عبّر بعد السابع من أكتوبر عن إدانته الشديدة لهجوم حماس، قبل أن ينتقل لاحقا إلى توجيه انتقادات حادة للحرب الإسرائيلية في غزة، واصفا ما يحدث بأنه "أحد أشكال الإبادة الجماعية".
ويكشف هذا التحول -وفق التقرير- عن اتساع الفجوة بين الصورة التي رافقت إسرائيل في الأيام الأولى للحرب والصورة التي تشكلت لاحقا نتيجة حجم الدمار والخسائر البشرية في غزة.
157 دولة تعترف بفلسطين
على المستوى السياسي، كان التحول الأكثر وضوحا هو اتساع دائرة الدول التي تعترف بدولة فلسطين. فوفق تقرير الجزيرة، تعترف 157 دولة في العالم اليوم بدولة فلسطين، بينها 19 دولة اتخذت هذه الخطوة خلال العامين الماضيين، مع تصاعد الانتقادات الدولية للحرب الإسرائيلية على غزة.
وكانت فرنسا من بين الدول التي اتخذت هذه الخطوة، إذ أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون اعتراف بلاده بدولة فلسطين. كما أعلنت البرتغال اعترافها رسميا بالدولة الفلسطينية، في حين أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ضرورة أن تصبح فلسطين عضوا كامل العضوية في الأمم المتحدة. وفي الأمم المتحدة، قال الأمين العام أنطونيو غوتيريش إن إقامة دولة فلسطينية "حق وليست مكافأة".
ويشير تقرير الجزيرة إلى أن بعض الدول ربطت قرارات الاعتراف بتدهور الوضع الإنساني في غزة، ومن بينها بريطانيا، التي جاء إعلانها في سياق انتقادات متزايدة للحرب وتداعياتها على المدنيين. وهكذا، تحولت قضية الاعتراف بفلسطين خلال السنوات الثلاث الماضية من موقف دبلوماسي تتبناه معظم دول العالم إلى ملف سياسي أكثر حضورا في العواصم الغربية.
مصدر الصورة
من الاعتراف إلى الضغط على إسرائيل
لكن الاعتراف بفلسطين لم يكن التحول الوحيد، فقد انتقلت الضغوط على إسرائيل إلى ساحات قانونية دولية، بالتزامن مع نقاشات داخل دول غربية بشأن العلاقات العسكرية وتصدير السلاح إليها. وفي المحكمة الجنائية الدولية، صدرت مذكرتا اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
أما محكمة العدل الدولية، فقد أصدرت تدابير في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، تتعلق باتخاذ إجراءات لحماية الفلسطينيين في غزة. وشكلت هذه الإجراءات تطورا مهما في المسار القانوني الدولي المتعلق بالحرب، إذ أصبحت الحرب في غزة موضوعا أمام أعلى المؤسسات القضائية الدولية.
وامتدت الضغوط إلى ملف التسليح، فقد اتخذت بعض الدول الأوروبية والغربية إجراءات متفاوتة تجاه صادرات السلاح إلى إسرائيل. وتحولت إسبانيا -وفق التقرير- من موقف معارض لتسليح إسرائيل إلى حظر شامل بحلول عام 2025. أما كندا وإيطاليا فجمدتا تراخيص جديدة، مع استمرار تنفيذ عقود سابقة. في حين علقت بريطانيا 30 رخصة من أصل نحو 350 رخصة، مع استثناء مكونات مرتبطة بمقاتلات "إف-35".
لكن هذه الإجراءات لم تعنِ توقف الدعم العسكري الغربي لإسرائيل، فالولايات المتحدة واصلت تقديم مساعدات عسكرية كبيرة، إذ أنفقت واشنطن وحدها 21.7 مليار دولار على المساعدات العسكرية لإسرائيل خلال أول عامين من الحرب، وفق الأرقام الواردة في التقرير. وبذلك، بدا الموقف الدولي من الحرب منقسما بين دول شددت ضغوطها على إسرائيل، وأخرى واصلت دعمها السياسي والعسكري.
تحول في الصورة لا يعني تحولا كاملا في السياسة
وبعد ثلاث سنوات، تبدو المفارقة واضحة. فإسرائيل التي حظيت في الأيام الأولى للحرب بموجة واسعة من التضامن السياسي الغربي، تواجه اليوم احتجاجات شعبية واسعة، وتراجعا في صورتها لدى قطاعات من الرأي العام، ومزيدا من الاعتراف الدولي بفلسطين، فضلا عن ضغوط قانونية وسياسية بشأن الحرب.
لكن هذا التحول لم يصل إلى مستوى تغيير كامل في السياسات الدولية. ففي الوقت الذي تعترف فيه دول جديدة بفلسطين، تواصل الولايات المتحدة تقديم دعم عسكري كبير لإسرائيل. وفي الوقت الذي تفرض فيه بعض الدول قيودا على تصدير السلاح، تواصل دول أخرى تسليحها.
وفي الوقت الذي تواجه فيه إسرائيل إجراءات قانونية دولية، لا تزال الحرب وتداعياتها الإنسانية مستمرة. وتكشف السنوات الثلاث التي أعقبت السابع من أكتوبر عن تحول واضح في الخطاب والمواقف الدولية، لكنه تحول لم ينعكس بالقدر نفسه على واقع الفلسطينيين في قطاع غزة.
فقد تغيرت الصورة في العواصم والجامعات والشوارع والمحاكم، واتسعت دائرة الاعتراف بفلسطين إلى 157 دولة، لكن السؤال الأهم يبقى: متى يتحول هذا التغير الدولي من مواقف وبيانات وإجراءات قانونية إلى أثر ملموس على حياة الفلسطينيين، ووقف للحرب، وحماية للمدنيين، وفتح طريق فعلي أمام إقامة الدولة الفلسطينية؟