ثلاث سنوات على حرب غزة.. ولا مؤشرات على أي حل يلوح في الأفق وأصبح النازحون يخشون أن تصبح الخيمة هي مستقبلهم في القطاع المدمّر.

لا يعرف أيوب عودة كم سنة أخرى سيعيش في خيمة مهترئة تفتقر لأدنى مقوّمات الحياة. أمضى فيها ثلاث سنوات، كما يقول، ويتساءل إن كان ينتظره عام آخر، أو عامان، أو ثلاثة.. من يعرف؟

وحين يُسأل عن بديل لهذه الحياة، يجيب: "فيش بديل". يتمنى أن تتحسن الأمور، لكنه لا يرى في واقعه ما يجعله مطمئنًا إلى ذلك.

مصدر الصورة أيوب عودة، نازح فلسطيني إلى مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة محمد نشبت- يورونيوز

مع حلول الذكرى الثالثة للحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023 إثر هجوم حماس على جنوب الدولة العبرية ومقتل 1200 إسرائيلي وأسر 250 رهينة، يربط هذا الفلسطيني النازح إلى مخيم النصيرات وسط قطاع غزة مستقبله بأسئلة لم يجد لها جوابا: أين ستسكن أسرته؟ كيف سيتعلم أطفاله؟ وهل يجد الدواء إذا احتاج إليه؟

محمد خلف وأم نضال عوض، وهما أيضا نازحان في النصيرات، يتحدثان عن مخاوف مشابهة. تختلف كلماتهما بين اليأس والتمني، لكن مطالبهما محددة: مغادرة الخيام، واستعادة الدخل، وإتاحة التعليم والعلاج لأبنائهم.

مصدر الصورة محمد خلف نازح فلسطيني إلى مخيم النصيرات وسط قطاع غزة محمد نشبت- يورونيوز
"اللي بيقولوا لكم الحرب خلصت قولوا لا"
محمد خلف
نازح إلى مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة

ورغم وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر 2025، استمرت الهجمات الإسرائيلية وتعثرت استعادة الخدمات. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ، في 24 سبتمبر، إن استئناف المساعدات خفف بعض المعاناة، لكن الظروف بقيت "لا تُحتمل".

وتقدر اليونيسف أن أكثر من 1.76 مليون شخص في القطاع يعيشون في مواقع نزوح مكتظة أو مساكن متضررة وغير ملائمة.

بالنسبة إلى العائلات التي تحدثت إلى يورونيوز، فإن استمرار هذا الوضع يعني أيضا صعوبة التخطيط لما يتجاوز احتياجات اليوم والشتاء المقبل.

الخيمة التي لا يعرف النازح متى يغادرها

يقول محمد خلف: "مازلنا نعاني من كل فصل بمر علينا في السنة". ومع اقتراب الشتاء، يعدّد ما تحتاجه أسرته: "بنحتاج شوادر، بنحتاج ملابس للأطفال، بنحتاج فرشات". ولا يملك مصدر دخل يغطي هذه المتطلبات، فضلًا عن نفقات المعيشة اليومية.

مصدر الصورة محمد خلف، نازح فلسطيني إلى مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة محمد نشبت يورونيوز

لا يتحدث خلف عن الشتاء باعتباره احتمالًا بعيدًا. فهو يستعد لموسم آخر في الخيمة، فيما لا يستطيع أن يقول لأسرته إن الشهر المقبل، أو العام المقبل، سيحملان معهما نهاية لرحلة النزوح. يقول هذا الفلسطيني: "فيش أيّ ملامح لأنه الحرب هتنتهي". ويصف الحرب بأنها مستمرة في حياته، مشيرًا إلى سقوط قتلى وجرحى، وفقدان البيت والعمل، وما يواجهه أطفاله من حرمان. ومن هذا الواقع يوجه رسالته إلى من يعتقدون أن المعاناة انتهت: "اللي بيقولوا لكم الحرب خلصت قولوا لا".

وتشير تقديرات أوتشا، في تقريره الصادر في 25 سبتمبر، إلى إقامة نحو 464 ألف شخص في مواقع نزوح معرضة بشدة للفيضانات. وتعرقل قيود إدخال المواد ونقص التمويل تدعيم المآوي وصيانة شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي قبل الشتاء.

مصدر الصورة بقايا خيمة مهترئة في النصيرات- وسط قطاع غزة محمد نشبت-يورونيوز

وكانت اليونيسف قد حذّرت في 17 سبتمبر من مخاطر البرد والأمراض التنفسية والمياه الملوّثة على الأطفال، بعدما أُبلغ عن وفاة 11 طفلًا على الأقل في غزة بسبب انخفاض حرارة الجسم خلال الشتاء الماضي. وتشمل الخدمات التي تقدمها المنظمة الأممية توفير الملابس والبطانيات، وتدعيم فرص المأوى، وتحسين التصريف، لكنها تحتاج إلى تمويل عاجل.

وفي ظل شح أماكن الإيواء، بات العثور على سقف لا يعني أنه صاحبه أصبح في أمان. ففي أعقاب انهيار مبنى متضرر من الحرب في سبتمبر، حذر المنسق الإنساني الأممي رامز الأكبروف من أن عائلات تقيم في مئات المباني المصنفة غير آمنة، لعدم توافر بدائل أفضل. وطالب بإدخال المعدات ومواد الإيواء اللازمة لحمايتها.

أما أيوب عودة، فيصف صعوبة تأمين الطعام والحصول على العلاج، إلى جانب السكن. ويتحدث عن الذهاب طلبًا للدواء وعدم العثور عليه، وعن خدمات طبية لا تلبي احتياجات أسرته.

مصدر الصورة أيوب عودة، نازح فلسطيني إلى مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة محمد نشبت-يورونيوز

وبحسب منظمة الصحة العالمية ، كان 19 مستشفى من أصل 36 في غزة يعمل جزئيًا في 24 سبتمبر، من دون أي مستشفى يعمل بكامل قدرته. ويعطل نقص الأدوية والمعدات والوقود علاج السرطان وانتظام غسيل الكلى ، ويزيد المخاطر على الأمهات والمواليد.

وفي الثاني من أكتوبر، حذرت ممثلة المنظمة الأممية الدكتورة راينهيلده فان دي ويردت من تأخر الإمدادات الطبية، ومن ارتفاع مخاطر تفشي الأمراض مع الشتاء وضعف المياه والصرف الصحي. وأكدت أن وصول الإمدادات المناسبة في الوقت الذي يحتاجه المرضى أمر حاسم لإنقاذ حياتهم.

وبشأن المعدات، قالت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق (كوغات) ، في رد نقلته رويترز في 10 سبتمبر، إن آلية منسقة دوليًا تتيح إدخال زيوت المحركات وقطع غيار المولدات ومعدات المستشفيات تحت الرقابة، لمنع وصول المعدات إلى حماس وضمان وصولها إلى السكان.

أطفال يكبرون وتعليم لا ينتظر

حين تتحدث أم نضال عوض عن المستقبل، تبدأ بما خسره أبناؤها. تقول: "مستقبلهم راح، خلص". تقلق الأم على تعليم الأصغر سنًا، وعلى الأكبر الذي لا يجد عملًا، وتتمنى أن يعود الأطفال إلى الدراسة بدل بقائهم في الشوارع.

أم نضال، نازحة فلسطينية داخل خيمتها في مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة محمد نشبت- يورونيوز

وعند خلف، تبدأ المشكلة قبل المدرسة. لديه طفل في سن الروضة لا يستطيع إرساله إليها. يقول إن الأطفال حُرموا من اللعب وأبسط احتياجاتهم، ثم يسأل: "طب إيش ذنب هذا الطفل؟".

طفل النازح أيوب عودة يلعب خارج خيمته في النصيرات محمد نشبت-يورونيوز

أما عودة، فيتحدث عن تعليم متقطع، وأطفال يجلسون على الأرض، ونقص في الكتب والدفاتر والحقائب. يقول: "بقعد على الأرض، لا بقعد على كراسي". وفي وصفه لما ينقص أبناءه، يقارن ما يتاح لهم اليوم، بالمدرسة التي كان يعرفها.

بدأ العام الدراسي الجديد في غزة في 19 سبتمبر. ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا ، التحق نحو 495 ألف طفل في سن المدرسة وما قبلها بمساحات تعلم مدعومة من الأمم المتحدة وشركائها، بينما بقي نحو 200 ألف طفل خارج أي تعليم منظم.

وتهدد قلة التمويل استمرار هذه العودة الجزئية. ففي تقرير 25 سبتمبر، قال المكتب إن قطاع التعليم تلقى 13% فقط من المبلغ المطلوب له ضمن النداء الإنساني لعام 2026، ما يضع استمرار دعم مئات مساحات التعلم المؤقتة في خطر.

وتعني هذه الفجوة أن العودة إلى التعلم نفسها تحتاج إلى ضمان الاستمرار، قبل الحديث عن تعويض السنوات المفقودة. ففي شهادات الأهالي، يتكرر القلق من مرور الوقت على أطفال لا تتوافر لهم حتى مقاعد وكتب وانتظام كافٍ في الدراسة.

وكان أطفال غزة قد عبّروا عن أولوياتهم في مبادرة لليونيسف بعنوان "غزة التي نريدها" ، عُرضت نتائجها في فبراير. شارك 1603 أطفال في استبيان، وآلاف آخرون في أنشطة إبداعية، وطالبوا بالأمان والبيوت الدائمة ومدارس مجهزة وأماكن للعب.

وشملت مطالبهم الدعم النفسي إلى جانب العلاج الجسدي. ونقلت المنظمة عن الأطفال رغبتهم في النوم من دون خوف، والذهاب إلى المدرسة بأمان، وفي مستشفيات يشعرون فيها بالطمأنينة. وهي احتياجات تجعل التعافي مرتبطًا أيضًا بقدرتهم على استعادة يوم عادي يمكنهم توقعه.

دخل مفقود وعودة تنتظر الإعمار

يعود محمد خلف، كلما تحدث عن الأيام المقبلة، إلى السؤال نفسه: كيف تعيش عائلة كاملة في خيمة من دون مصدر دخل؟ يقول: "كل سبل حياتنا انقطعت". ويصف حالته النفسية بأنها منهارة في ظل عجزه عن تأمين الاحتياجات اليومية وتحديد موعد يتغير فيه الوضع.

وتبقى المساعدة الغذائية نفسها محدودة. فبحسب أوتشا، غطت الحصة الموزعة على الأسر المستفيدة حتى 20 سبتمبر، ضمن دورة التوزيع الشهرية، نحو نصف الحد الأدنى لاحتياجاتها من السعرات الحرارية. واقتصرت، بسبب المخزون المتاح، على طرد غذائي واحد وكيس طحين لكل أسرة.

خيمة النازح أيوب عودة في النصيرات وسط قطاع غزة محمد نشبت- يورونيوز

وتوضح البيانات حجم ما فقده سوق العمل. فقد بلغت البطالة في غزة 78% خلال عام 2025، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وهي النسبة التي أوردها أيضًا تقرير الأونكتاد الصادر في 24 سبتمبر 2026. ويقدر التقرير تضرر أو تدمير 92% من المنشآت الاقتصادية منذ أكتوبر 2023.

كما تقدر الأونكتاد احتياجات التعافي و إعادة الإعمار بنحو 71.5 مليار دولار ، استنادًا إلى تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويتصدر السكن الأضرار واحتياجات البناء، فيما تتطلب استعادة فرص العمل إصلاح البنية الأساسية وإحياء القطاعات المنتجة.

وفي 23 سبتمبر، عرض "مجلس السلام" الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة بقيمة 2.45 مليار دولار لبدء التعافي، تشمل إصلاح مرافق وخدمات أساسية. لكن مسؤولين أقروا، وفق رويترز، بأن تنفيذها يواجه الغموض مع استمرار الخلافات بين إسرائيل وحماس بشأن نزع السلاح وانسحاب القوات.

وبالنسبة إلى الأسر الفلسطينية النازحة في النصيرات، لا تزال المسافة بين تلك الخطط وحياتها تُقاس بما تستطيع تأمينه لأطفالها. يحتاج خلف إلى حماية خيمته قبل المطر، ويريد عودة تعليمًا ودواء متاحين، وتنتظر أم نضال فرصة عمل لابنها وبيتًا تعود إليه الأسرة.

يقول عودة إنه يرجو تحسن الأحوال، ثم يستدرك بأنه لا يظن الحياة ستستقيم ما دام الوضع كما هو. وخلف، الذي يؤكد غياب ما يدعوه إلى التفاؤل، ينهي حديثه بتمني أن تصل رسالته وأن تتغير الظروف للأحسن.

أم نضال داخل خيمتها في النصيرات وسط قطاع غزة محمد نشبت- يورونيوز

أما أم نضال، فبعد قولها إن المستقبل تدمر، تعود إلى الحديث عن تعليم الأطفال وإعمار البيوت. تتمنى أن يغادر الناس الشوارع والخيام، وأن يعود كل منهم إلى داره. وتختصر ما تريده لأسرتها بقولها: "نرجّع بيوتنا، نرجع بلدنا".