ترى الكاتبة رنا فوروهار أن الولايات المتحدة بدأت تفقد بعض سماتها التي جعلتها تبدو "استثنائية" مقارنة بالدول الغربية الأخرى، وباتت تقترب -في عدد من الجوانب الاقتصادية والسياسية- من نموذج إيطاليا.

وتبني فوروهار مقارنتها -في مقال تحليلي نشرته صحيفة فايننشال تايمز- على ثلاثة محاور رئيسية: تراجع مكافحة الفساد، وصعود الشعبوية، والتحولات المقلقة في سوق العمل وخصوصا بالنسبة للشباب.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 ترمب يعيد رسم الخط الأخلاقي للرئاسة.. ما كان فضيحة عام 2019 أصبح عاديا في 2026
* list 2 of 2 تجنيد السجناء والموت المحقق.. كتاب جديد يكشف خفايا مليشيا فاغنر الروسية end of list

وتشير الكاتبة إلى أن الولايات المتحدة وإيطاليا تشهدان -بدرجات مختلفة- تراجعا في جهود مكافحة الفساد، مستندة إلى مؤشرات دولية ترى أن البلدين يُضعفان بعض آليات الرقابة والمساءلة.

وترى أن هذا المسار يتزامن مع تراجع ديمقراطي، إذ أدرجت دراسات ومؤسسات بحثية البلدين ضمن الدول الغربية التي شهدت تراجعا ملحوظا في مؤشرات الديمقراطية خلال السنوات الأخيرة.

مصدر الصورة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضغط على أوكرانيا للتحقيق مع منافسه الرئيس السابق جو بايدن (غيتي)

تحوُّل النظرة إلى الفساد

وبحسب فوروهار، فإن المشكلة لا تكمن فقط في وجود الفساد، وإنما في تحول النظرة إليه لدى المواطنين، بحيث يصبح أمرا مألوفا يُنظر إليه باعتباره واقعا لا يستطيع الفرد العادي تغييره.

وتلفت الكاتبة -نقلا عن استطلاع لغالوب- إلى ارتفاع نسبة الأمريكيين الذين يرون أن الفساد منتشر في الحكومة من 60% عام 2006 إلى 89% حاليا، معتبرة أن هذا يعكس تنامي التشاؤم تجاه النظام الاقتصادي والسياسي، ولا سيما بين الأجيال الشابة.

وتعتبر فوروهار أن سوق العمل يمثل أحد أبرز أوجه التشابه بين الولايات المتحدة وإيطاليا، فالشباب الأمريكيون يواجهون معدلات بطالة أعلى بكثير من العمال الأكبر سنا، بينما يعاني الاقتصاد الإيطالي من فجوة أكثر حدة في هذا المجال.

ولا تفسر الكاتبة المشكلة بالعمر وحده، بل تربطها أيضا بالخلفية الاجتماعية والاقتصادية، إذ أصبح المكان الذي يولد فيه الشخص والأسرة التي ينتمي إليها أكثر تأثيرا في فرصه المستقبلية، وهو ما يجعل الولايات المتحدة -بحسب تحليلها- أقرب إلى أنماط "أوروبا القديمة" من حيث ضعف الحراك الاجتماعي.

إعلان

وتضيف فوروهار أن صعود الذكاء الاصطناعي قد يزيد هذه الفجوة مؤقتا، خلافا للتوقعات التي تفترض أن التكنولوجيا ستمنح أفضلية تلقائية للشباب، فالعمال الأكبر سنا يمتلكون في كثير من الحالات خبرة مهنية وقطاعية تساعدهم على الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما قد يواجه الداخلون الجدد إلى سوق العمل مخاطر أكبر.

مصدر الصورة المدعي العام في جنوب نيويورك بعد إعلانه عن توجيه اتهامات بالفساد إلى السيناتور الأمريكي روبرت مينينديز (الفرنسية)

مزيد من الشعبوية والاستقطاب السياسي

وتستشهد الكاتبة بتقديرات لمكتب الإحصاء الأمريكي تشير إلى أن خريجي التخصصات الأكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي قد يواجهون فرصا أقل للحصول على وظائفهم الأولى، ودخولا أدنى من نظرائهم في القطاعات الأقل تعرضا للتكنولوجيا.

وترى فوروهار أن تراكم هذه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يغذي مزيدا من الشعبوية والاستقطاب السياسي، إذ إن تراجع فرص الشباب وارتفاع الشعور بعدم المساواة يمكن أن يعمقا الانقسامات بين الأجيال وبين المعتدلين والتيارات الأكثر تطرفا.

وفي هذا السياق، تستحضر الكاتبة تجربة إيطاليا التي مرت -حسب المقال- بدورات متكررة من الأزمات الاقتصادية والسياسية، قبل أن تشهد مؤخرا تحسنا في بعض مؤشرات الصادرات والتوظيف.

وتخلص الكاتبة إلى أن الولايات المتحدة بدأت تواجه تحديات كانت تُنسب تقليديا إلى دول أوروبية أقل نجاحا اقتصاديا وسياسيا، محذرة من أن استمرار الاختلالات في الاقتصاد السياسي الأمريكي قد يؤدي إلى حلقة مفرغة: تباطؤ النمو، وتراجع فرص الشباب والفئات الأقل دخلا، وتصاعد الشعبوية والاستقطاب، مما يضعف بدوره قدرة النظام على معالجة مشكلاته الأساسية.