في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

ترى صحيفة لوموند الفرنسية أن القمم والاجتماعات الدولية المتتالية التي يشارك فيها الرئيس الصيني شي جين بينغ قد تبدو للوهلة الأولى محدودة النتائج، لكنها تخدم إستراتيجية أوسع لبكين تتمثل في ترسيخ موقع الصين كقوة مركزية في النظام الدولي.

وأوضحت الصحيفة -في تحليل بقلم مراسلها في بكين هارولد تيبو- أن الصين تستثمر هذه اللقاءات لتقديم نفسها بوصفها طرفا داعيا إلى إعادة التوازن في النظام العالمي ومناهضا للهيمنة الغربية، مع تجنب بناء تحالفات عسكرية ملزمة على غرار تلك التي أقامتها الولايات المتحدة مع حلفائها.

وتقدم الصين نفسها خلال هذه اللقاءات بوصفها "الأخ الأكبر" البنّاء، في وقت تنخرط فيه الولايات المتحدة في عمليات عسكرية جديدة تفتقر إلى الشرعية الدولية، من فنزويلا إلى إيران، وبالتالي ومن اجتماع دولي إلى آخر، تعمل الصين على صياغة عالم موات لصعودها إلى موقع الهيمنة، عالم يقبل بمكانتها المحورية ويقرّ بها من دون الاعتراض عليها.

وتشير لوموند إلى أن بكين لا تسعى بالضرورة إلى انتزاع حلفاء واشنطن منها، بل إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من الدعم السياسي غير الملزم من الدول، خصوصا فيما تسميه الصحيفة "الجنوب العالمي".

مصدر الصورة صورة جماعية لرؤساء الدول في اليوم الثاني من قمة البريكس في نيودلهي بالهند (رويترز)

وتستفيد الصين في ذلك من شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، تشمل المناورات المشتركة ومبيعات الأسلحة والدعم المادي لبعض شركائها، مع الحرص على عدم التورط المباشر في أزمات بعيدة عنها، مثل أزمات الشرق الأوسط.

ويربط التحليل هذه الإستراتيجية بمفهوم صيني تاريخي هو "تيانشيا" أي "ما تحت السماء"، وهو يشير -بحسب الباحثين ستيف تسنغ وأوليفيا تشيونغ اللذين تستند إليهما الصحيفة- إلى تصور لعالم يتمحور حول قوة مركزية تقبل الدول الأخرى بتفوقها مقابل استفادتها من العلاقات والتبادلات معها.

إعلان

وترى الصحيفة أن الصين تسعى اليوم إلى بناء صيغة حديثة من هذا التصور، بحيث تصبح مكانتها المركزية مقبولة دوليا من دون الحاجة إلى إنشاء منظومة تحالفات شبيهة بالمنظومة الأمريكية.

وتلفت لوموند كذلك إلى أن النفوذ السياسي الذي تبنيه بكين يساعدها على حماية مصالحها الاقتصادية، وحتى عندما تفرض دول مثل البرازيل وتشيلي وجنوب أفريقيا وإندونيسيا رسوما جمركية على بعض المنتجات الصينية لحماية صناعاتها المحلية، فإن العلاقات السياسية الوثيقة تساعد -وفق التحليل- على احتواء هذه الخلافات التجارية ومنعها من التحول إلى نزاعات أوسع.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة بالنسبة للصين بسبب اعتماد اقتصادها بدرجة كبيرة على الصادرات، في ظل ضعف الاستهلاك الداخلي مقارنة بحجم الإنتاج.

وفي المقابل، يتيح هذا الحضور الدبلوماسي للصين الوصول إلى الموارد الحيوية التي تحتاج إليها صناعاتها، من الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية والليثيوم الأرجنتيني إلى النفط الروسي والسعودي والأنغولي وفول الصويا البرازيلي.

وتخلص لوموند إلى أن الصين، التي تنتج نحو ثلث السلع المصنعة عالميا، أصبحت بالفعل الشريك التجاري الأول لمعظم دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأن بناء شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية حول العالم يشكل جزءا من مسار طويل نحو ترسيخ موقعها كقوة دولية محورية.