لم تمضِ سوى أيام على عودة الأمير هاري وزوجته ميغان ماركل إلى بريطانيا، حتى وجد قصر باكنغهام نفسه بحاجة إلى توضيح وضع الزوجين في رسالة عامة.
لكن الرسالة التي أصدرها الملك تشارلز الثالث حملت أكثر من مجرد تذكير بقواعد قديمة، إذ جاءت في توقيت حساس، وبصياغة رسمية ومعلنة، لتؤكد أن عودة دوق ودوقة ساسكس إلى المملكة المتحدة لا تعني عودتهما إلى العمل الملكي، ولا تمنحهما موقعا فعالا وسط أفراد العائلة الملكية.
وبحسب صحيفة تايمز البريطانية، أرسل البارون ريتشارد بينيون، كبير أمناء البلاط الملكي، رسالة إلى كبار المسؤولين في الحكومة والجيش وممثلي الملك في المملكة المتحدة، بتوجيه من تشارلز، لتأكيد أن موقف هاري وميغان لم يتغير منذ تخليهما عن واجباتهما الملكية عام 2020.
وقالت الرسالة إن وضعهما "شبيه بالمواطنين العاديين الذين لديهم مصالح تجارية وخيرية" مع استمرار احترام استقلالهما المالي وخصوصيتهما.
واللافت أن هذه المعلومات ليست جديدة في جوهرها، فقد كان معروفا منذ 6 أعوام أن هاري وميغان لم يعودا عضوين عاملين في العائلة المالكة، كما سقط عنهما لقبا "صاحب السمو الملكي" و"صاحبة السمو الملكي".
لكن أهمية الرسالة -حسب تحليل نشرته صحيفة "آي بيبر"- تكمن في أن القصر اختار هذه المرة إعادة تثبيت هذه القواعد رسميا وعلنا، وإرسالها أيضا إلى هاري وميغان نفسيهما، بدلا من ترك وضعهما عرضة للتأويل.
وترى كاتبة التحليل جيني بوند، مراسلة الشؤون الملكية السابقة في هيئة الإذاعة البريطانية ( بي بي سي) أن الرسالة تمثل محاولة من الملك تشارلز للبت في أمر نجله وزوجته، وإنهاء التكهنات بشأن احتمال عودتهما إلى أداء أدوار ملكية.
وبحسب التحليل، كان بإمكان القصر الاكتفاء بتوضيح الأمر بصورة خاصة، لكن اختيار نشر الرسالة -بجانب كونه أمرا محرجا ومؤلما حسب رأي الكاتبة- جعله بمثابة إشارة واضحة إلى أن الباب أمام عودة الزوجين إلى كونهما فردين عاملين في العائلة الملكية لا يزال مغلقا.
وتزداد أهمية الرسالة مع عودة هاري وميغان إلى بريطانيا للإقامة لفترة طويلة، وما رافق ذلك من تقارير عن استعدادهما لاستئناف بعض أنشطتهما الخيرية، وفق تحليل منفصل نشرته "آي بيبر" للصحفي ريتشارد بالمر المتخصص في تغطية شؤون العائلة المالكة، والمحررة لدى الصحيفة كات براون.
ومن المتوقع أن يواصل هاري نشاطه المرتبط بجوائز "ويل تشيلد" ومؤسسات أخرى يدعمها، وأفادت تقارير بأن ميغان تدرس استعادة تعاونها مع عدد من الجمعيات الخيرية التي عملت معها حين كانت عضوا عاملا بالعائلة المالكة، كما يُتوقع أن يبدأ طفلاهما، الأمير آرتشي والأميرة ليليبت، الدراسة في بريطانيا.
وقد سبق أن رفضت الملكة إليزابيث الثانية تماما هذا الجمع بين مزايا الارتباط بالمؤسسة الملكية والاستقلال التجاري والشخصي عنها، بحسب التحليل.
وطبقا لتحليل بوند، فإن الحديث عن عودة الزوجين إلى بعض الأنشطة الخيرية أثار القلق من عودة هذا النموذج المرفوض سابقا، واستدعى الرسالة.
وأكدت الرسالة أن العمل الخيري لهاري وميغان شأن شخصي، وأنهما يمارسونه بصفتهما الخاصة، وليس نيابة عن الملك أو العائلة المالكة. كما شددت على أنهما ليسا من أفراد العائلة المالكة العاملين، ولا يمكن معاملتهما على هذا الأساس في المناسبات الرسمية، وفق ما نقله بالمر وبراون.
وتتداخل مسألة الوضع الملكي مع الخلاف الأكثر حساسية بين هاري والحكومة البريطانية، وهو الأمن الشخصي، وفق التحليلين.
ويوضح محللون أن هاري وميغان يخوضان معركة لاستعادة الحماية المسلحة التي توفرها الشرطة على نفقة دافعي الضرائب عند وجودهما في بريطانيا.
ورغم أن مسؤولي القصر أكدوا أن الرسالة لا علاقة لها بقرار لجنة الأمن الملكية والحكومية المختصة في المسألة، فإن تأكيد أنهما مواطنان خاصان قد يعزز -في نظر المحللين- موقف الرافضين لمنحهما حماية تلقائية باعتبارهما من أفراد العائلة المالكة العاملين.
ويقول داي ديفيز، الرئيس السابق لقسم حماية أفراد العائلة المالكة في شرطة العاصمة، إن الإعلان الملكي يبعث "برسالة واضحة" للزوجين، معتبرا أنه لا يوجد مبرر لتوفير حراسة مسلحة لهما، خصوصا أنهما يملكان فريق أمن خاص بهما، حتى ولو لم يكن يملك ترخيصا بحمل السلاح في بريطانيا.
وفي المقابل، يقول صديق للزوجين إن مكانتهما وشهرتهما، إلى جانب خلفية هاري العسكرية إذ إنه قاتل في حرب أفغانستان، تجعلهما عرضة لأخطار أمنية حقيقية.
ورغم وصف القصر لهاري وزوجته بأنهما أقرب إلى المواطنين الخاصين، فإنه لا يمكن تجاهل كون هاري الخامس في ترتيب خلافة العرش.
ويرى نورمان بيكر، النائب السابق عن الحزب الديمقراطي الليبرالي ووزير الداخلية السابق، أن حقيقة كون هاري نجل الملك وشقيق الملك المستقبلي ( الأمير وليام) لا يمكن تجاوزها بسهولة، كما أن وجوده بالمرتبة الخامسة في ترتيب العرش يمنحه ثقلا مختلفا، ولو كان احتمال وصوله إلى العرش ضئيلا للغاية.
غير أن بيكر أشار -في محادثته مع بالمر وبراون- إلى أن القضية الأساسية ستبقى ما إذا كان هاري وميغان سيحاولان الاستفادة من صلاتهما الملكية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أنهما شخصان خاصان.
وبذلك، فإن الرسالة التي تبدو للوهلة الأولى مجرد تذكير إداري بمعلومات معروفة قد تكون في الواقع محاولة من تشارلز لتثبيت قواعد العلاقة الجديدة أمام الحكومة والمؤسسات والجمهور، وقطع الطريق على أي تأويل، بأن العودة الجغرافية إلى بريطانيا يمكن أن تتحول إلى عودة ملكية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة