في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل أيام من الذكرى الأولى لقصف الدوحة التي تصادف اليوم الأربعاء، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو متباهيا بالهجوم العسكري الذي استهدف العاصمة القطرية، قائلا في حوار مع قناة "آي 24 نيوز" الإسرائيلية "لقد هاجمت قطر وقصفتها خلال الحرب"، واصفا الدوحة بأنها "دولة معادية".
لكن تباهي رئيس الحكومة الإسرائيلية وزهوه بالقصف الذي مثّل أول هجوم عسكري إسرائيلي مباشر على قطر، بعد نحو عام من وقوعه، يعيد إلى الواجهة سؤالا جوهريا، لماذا تحوّلت قطر، وهي التي كانت تلعب دورا محوريا بارزا في الوساطة والمفاوضات، إلى هدف مباشر لنتنياهو؟ وهل كان قصف الدوحة تتويجا لمسار إسرائيلي تصاعدي، لاستهداف الدور القطري؟
وردّا على تصريحات نتنياهو، اعتبر مدير إدارة الإعلام والاتصال بالخارجية القطرية، إبراهيم بن سلطان الهاشمي، أن تلك التصريحات "تكشف وتعري زيف الادعاءات الإسرائيلية" المتكررة بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وأن لديها الجيش الأكثر أخلاقية.
وأضاف أنها تندرج في إطار حملة تحريض متكررة ضد دولة قطر، مؤكدا أن الدوحة شريك دولي موثوق ووسيط نزيه يحظى بتقدير وثقة الشركاء الدوليين حول العالم، ولافتا إلى أن بلاده لن تتأثر بتصريحات موجهة للاستهلاك المحلي.
في التاسع من سبتمبر/أيلول 2025، استُهدفت العاصمة القطرية الدوحة بغارة جوية إسرائيلية على مبان سكنية، حيث كان قادة من المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية ( حماس)، يناقشون مقترحا أمريكيا لوقف حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
ومثّل الهجوم الإسرائيلي على الدوحة سابقة خطيرة، ووُصف بأنه تجاوز حدود المنطق والقانون والدبلوماسية، إذ انتهك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، ولا تجمعها حدود مباشرة مع إسرائيل.
وعقب ساعات من القصف، قال رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إن "ما وقع اليوم هو إرهاب دولة ومحاولة لزعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي"، معتبرا أن الهجوم لم يتجاوز القوانين الدولية فحسب، بل تعدى أيضا كل المعايير الأخلاقية.
ووصف رئيسُ وزراء دولة قطر رئيسَ الحكومة الإسرائيلية بأنه "يقود المنطقة إلى مستوى لا يمكن إصلاحه"، مؤكدا أن "التاريخ سيسجل هذه الحادثة، وعلى القوانين والأعراف الدولية أن تأخذها بعين الاعتبار".
ونجا كبار قادة حماس من الغارة الإسرائيلية، في حين استشهد 5 من مرافقي وفد الحركة المفاوض، إضافة إلى العنصر في قوة الأمن الداخلي القطرية (لخويا) بدر سعد محمد الحميدي الدوسري.
لكن الاستهداف الذي لقي إدانة دولية واسعة واستياء عارما، ودفع نتنياهو لاحقا إلى الاعتذار عنه، لم يكن حدثا معزولا وإن جاء استثناء في طبيعته، إذ جاء ضمن مسلسل متواصل من الضغوط والهجمات السياسية والإعلامية الإسرائيلية على الدوحة.
وتجسدت الهجمات الإسرائيلية في محاولات لشيطنة قطر، وتقويض دورها كوسيط دولي موثوق، فضلا عن إغلاق مكاتب شبكة الجزيرة في فلسطين، واستهداف مراسليها في القطاع.
ولم يكن قد مضى على القصف الإسرائيلي للدوحة سوى أسبوع واحد، حتى صعّد نتنياهو -المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب- من هجومه اللفظي على قطر، قائلا "كان لدي انتقاد شديد لقطر، وأعربت عنه خلال الحرب".
وآنذاك، زعم نتنياهو أن قطر "لو أرادت" لمارست ضغطا أقوى في سبيل إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة.
لكن في الشهر تلى ذلك، أطلقت حركة حماس سراح جميع الأسرى الإسرائيليين الأحياء، عقب إبرام اتفاق وقف إطلاق النار بغزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، نتيجة جهود وساطة دولية، شاركت فيها قطر إلى جانب الولايات المتحدة ومصر وتركيا.
وهنا تبرز المفارقة، فبعد أسابيع من تعرض قطر للقصف الإسرائيلي، بسبب استضافتها قادة حركة حماس ودورها البارز في التفاوض، عادت لتكون جزءا مركزيا في المسار الذي أفضى إلى اتفاق وقف الحرب وتبادل الأسرى.
ومنذ شنّ إسرائيل حرب الإبادة على غزة، لم يتوقف رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التشكيك في دور قطر وجهودها في الوساطة.
ففي مطلع عام 2024، أي بعد 3 أشهر من الحرب، اعتبر نتنياهو أن قيام قطر بدور الوساطة في صفقة التبادل مع حركة حماس يمثل إشكالية.
وآنذاك، نقلت القناة 12 -عن تسجيل مسرب لنتنياهو- أن قطر أكثر إشكالية من الأمم المتحدة والصليب الأحمر، مضيفا أن لديه خيبة أمل في أن واشنطن لا تمارس المزيد من الضغوط على الدوحة.
لكن الهجوم الإسرائيلي العسكري على الدوحة -قبيل قرابة شهر من الإعلان عن اتفاق لوقف الحرب- شكّل تتويجا للهجوم على دور الوساطة القطري، كما خلص مركز الجزيرة للدراسات في ورقته المعنونة بـ"الدور القطري: تحديات الوساطة في بيئة معادية".
ورغم ذلك، أصرَّت قطر على مواصلة دور الوسيط، واتخاذ كافة التدابير القانونية لذلك.
ووفق مقال الكاتب والمحلل أحمد الحيلة، المنشور على الجزيرة نت، فإن نتنياهو ظل يعتقد أن لقطر دورا مركزيا في تفعيل العملية التفاوضية، ومحاولة إنجاحها، لافتا إلى أن ما يميز قطر خبرتها الطويلة المتراكمة في التعامل مع الملفات السياسية المعقدة.
ويشير الحيلة إلى أن قطر نجحت حيثما فشل الآخرون في الوساطات الدولية، بالنظر إلى علاقاتها المتوازنة مع كافة الدول والأطراف، ومع الولايات المتحدة التي تنظر للدوحة حليفا إستراتيجيا مهما في المنطقة.
ويخلص الكاتب الفلسطيني إلى أن جملة الأمور السابقة، شكلت تحديا لنتنياهو ولليمين الإسرائيلي المتطرف، "إذ لطالما هاجموا قطر، واتهموها بدعم حركة حماس، وعدم ممارسة الضغوط عليها، في محاولة لثنيها عن دورها في الوساطة، لاستكمال مخططات الإبادة والتهجير في غزة"، وفق المقال.
ولم تقتصر الهجمات الإسرائيلية ضد قطر على المنحى السياسي فحسب، إذ سعت إسرائيل، بالتوازي مع ذلك، إلى التضييق على شبكة الجزيرة الإعلامية، والحد من تغطيتها للشأن الفلسطيني.
ففي يوليو/تموز الماضي، مددت السلطات الإسرائيلية إغلاق مكتب قناة الجزيرة في مدينة القدس المحتلة، وحظر عملها لمدة 90 يوما إضافيا، وذلك للمرة الـ14 على التوالي.
وصدّقت الحكومة الإسرائيلية في مايو/أيار 2024 على اقتراح نتنياهو بإغلاق مكاتب قناة الجزيرة في إسرائيل، ليدخل القرار حيّز التنفيذ فورا، بموجب ما أطلق عليه " قانون الجزيرة".
وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، اقتحم جيش الاحتلال مكتب قناة الجزيرة في رام الله بموجب أمر عسكري، وسلّم العاملين فيه قرارا بإغلاق المكتب، وصادر على إثره كل الأجهزة والوثائق ومنع العاملين فيه من استخدام سياراتهم، ومنذ ذلك الحين أصدرت سلطات الاحتلال عدة قرارات بتمديد إغلاق المكتب للادعاءات نفسها.
ومنعت إسرائيل القناة من العمل داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، على خلفية تغطيتها لحرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
ولم يتوقف الاستهداف عند إغلاق مكاتب الشبكة وحظر عملها، إذ امتد إلى صحفييها في الميدان، حيث دفع 12 صحفيا ومصورا منهم حياتهم ثمنا لتغطية العدوان في غزة.
رغم مراوحتها بين الضغوط السياسية والإعلامية على قطر، لم يؤدّ مسار الاستهداف الإسرائيلي إلى تعطيل الدور القطري، أو تحييده عن مسارات التفاوض.
وما حدث هو العكس تماما، حيث برزت قطر خلال العام الجاري بوصفها "وسيطا حاسما" إلى جانب دول أخرى في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، إذ استطاعت عبور حقول الألغام السياسية والوصول بالطرفين إلى مذكرة التفاهم، منتصف يونيو/حزيران الماضي، وما زالت تبذل جهودها في سبيل احتواء التصعيد بين البلدين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة