في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- بين أطلال المدارس المكلومة وفي قلب مراكز النزوح بقطاع غزة، تفرض المساحات التعليمية الانتقالية حضورا لافتا؛ خيام ناصعة البياض تشرق بين الركام، وكأنها حمائم أمل تفتح أجنحتها لتسترد لمئات الطلبة حقهم في الحياة والشغف.
هنا، وتحت شعارات "صندوق قطر للتنمية" ومؤسسة "التعليم فوق الجميع"، وبالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومجموعة غزة للثقافة والتنمية، تتحول الخيام المؤقتة إلى قاعات دراسية وامتحانية مهيبة تكسر قسوة حرب الإبادة الإسرائيلية وتصون كرامة العلم.
في فناء مدرسة فاطمة النجار وسط القطاع، تتراص الوحدات المدرسية كالصفوف المنظمة، ويتحرك المعلمون بهمة ونشاط مثل خلية نحل، بينما تلوح في الأفق لافتات لجنة امتحانات الثانوية العامة لتعلن استعادة الحق التعليمي لأصحابه.
وفي قلب هذا المشهد، تلمع أجهزة المسح الضوئي الرقمية المجهزة بالدعم القطري، لتمزج نبل الإصرار الإنساني بدقة الابتكار التكنولوجي؛ شعاع من الأمل يعلو فوق جراح القطاع، ويؤكد أن التعليم في غزة استحقاق عصيّ على الانكسار.
عاش الطالب أنس بكر، أحد المتقدمين للدورة الثانية من امتحانات الثانوية العامة، تجربة قاسية يصفها بـ"النزيف الأكاديمي والنفسي" في بدايات الحرب، حيث كان يتتبع وميض الضوء ليراجع دروسه تحت أصوات القصف وفي زوايا مراكز النزوح المكتظة، وسط ضعف في الإنترنت وتشتت كامل وفقدان للأمل.
يقول أنس للجزيرة نت، وهو يقلّب أوراق امتحانه بثقة داخل إحدى الخيام المجهزة "فرق كبير بين المرارة والخوف اللذين عشناهما سابقا، وشعور الاستقرار الذي نلمسه الآن داخل الخيام المجهزة بالمنحة القطرية. لقد أعادت لنا هذه المساحات الأمان والسكينة والأجواء الأكاديمية التي حرمتنا منها الحرب".
لم تكن الخيمة مجرد قماش يقي حرارة الشمس، بل أُعِدّت لتكون ملاذا نائيا عن صخب النزوح، حيث وُزعت المقاعد بمسافات هندسية تضمن الخصوصية، ووُفّرت الإضاءة المستقرة والمستلزمات القرطاسية الكاملة.
يصف أنس هذه اللحظة بقوله: "كنا نخشى أن يضيع جهد سنوات في لحظة خاطفة، لكن بمجرد دخولنا قاعات مرتبة ومجهزة أعادت لنا الطمأنينة، وشعرنا أن هناك من يحمي مستقبلنا بمسؤولية عالية". هذا التنظيم الدقيق منح الطلبة دافعية مضاعفة لتجاوز رهبة اختبارات الثانوية العامة، واستعادة التركيز الذهني الذي تشتت طوال أشهر الحرب.
لم تكن إعادة هذه الهيبة الأكاديمية وليدة المصادفة، بل جاءت ثمرة استجابة دولية ومحلية مكثفة لمنع الفاقد التعليمي وتأمين اللوجستيات الحيوية في ظل تدمير شبه كامل للبنية التحتية التعليمية في غزة.
في هذا السياق، عبّرت نائبة الممثل الخاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مارجون إندريبوي الشيخ، عن امتنانها العميق للشراكة الراسخة مع مؤسسة التعليم فوق الجميع عبر صندوق قطر للتنمية.
وأوضحت للجزيرة نت أن الدعم القطري مكنهم من إنشاء 100 مساحة تعليمية توزعت على 10 مواقع مدرسية.
وأضافت: "هذا الإنجاز يمنح الأمل لشباب غزة ويؤكد سيرنا على طريق التعافي، كما يبرهن على العزيمة الاستثنائية للطلاب لمواصلة تعليمهم وبناء مستقبل أفضل".
من جانبه، أكد مشرف المشاريع في مجموعة غزة للثقافة والتنمية، وسام بستان، أن العمل في هذه الظروف يتطلب مرونة وسرعة استجابة وتخطيطا مسبقا لمواجهة المتغيرات الميدانية وانعدام مواد التأثيث.
وقال للجزيرة نت إن الجهود تركزت على توفير بيئة ملائمة لإجراء الاختبار وجاهيا بعد أن كان يُقدم إلكترونيا من البيوت في السنوات الماضية، مما رفع كفاءة العملية التعليمية.
وأضاف "اعتمدنا منهجية الإدارة التكيفية لمواجهة التحديات وتسليم المساحات في وقتها القياسي، وقد لمسنا ارتياحا كبيرا لدى الطلبة وأسرهم، لأن النجاح هنا هو استثمار حقيقي في الإنسان وقدرته على التعافي".
تجسد هذا الاستثمار في نجاح تنظيم الامتحانات، حيث أشاد المدير العام للاختبارات بوزارة التربية والتعليم، جمال يوسف، بإجراء الدورة الثانية لامتحانات الثانوية العامة لعام 2026 وجاهيا بعد غياب دام 3 سنوات بسبب الحرب والتدمير. ووصف هذا الإنجاز بـ"الوطني والتاريخي"، شاكرا المؤسسات القطرية التي قدمت الدعم واللوجستيات الكاملة لـ9100 طالب وطالبة (60% ذكور و40% إناث).
وأوضح يوسف للجزيرة نت أن المواقع المدرسية العشرة وفرت طاقة استيعابية لنحو 1500 طالب وطالبة (أي 16.5% من إجمالي المتقدمين)، وهو ما خفف العبء عن المراكز الأخرى وسهل وصول الطلبة من أماكن نزوحهم.
وعلى صعيد التحول التقني، بيّن يوسف أن منظومة التصحيح الإلكتروني مثلت حلا استثنائيا لتجاوز تدمير مراكز التصحيح المركزية وصعوبة تجميع الكوادر، مشيرا إلى أن المنظومة قادرة على قراءة أوراق الإجابة الضوئية "أو إم آر" بدقة عالية تضمن العدالة، وتختصر زمن المعالجة من أسابيع إلى أيام قليلة، مما يتيح للطلبة اللحاق بمواعيد التسجيل الجامعي، فضلا عن توفير أرشفة رقمية آمنة تمنع أي تلاعب.
وتتجاوز أهمية تقنية المسح الضوئي "أو إم آر" مجرد السرعة في استخراج النتائج، لتشكل صمام أمان أكاديمي لبيانات الطلبة ونتائجهم، ويوضح يوسف أنها توفر أرشفة رقمية مشفرة تُحفظ في سحابة إلكترونية آمنة، مما يحمي السجلات التعليمية من أخطار الفقدان أو التلف الميداني.
كما تتيح المنظومة معالجة البيانات وإرسالها فوريا إلى مراكز الاعتماد، وهو ما يضمن تطبيق أعلى معايير الشفافية والتصحيح المعياري، ويضع حدا للتحديات اللوجستية التي كانت تفرضها التنقلات الميدانية الصعبة بين المحافظات.
لا تقف هذه التجربة عند حدود معالجة أزمة طارئة، بل تؤسس لمرحلة جديدة من التعليم المستدام في قطاع غزة. ويوضح المسؤول التربوي أن نجاح هذه الدورة يمثل قاعدة ارتكاز وتجربة قياس ميدانية لبناء الجاهزية لاستيعاب الفوج الكامل المتوقع للعام القادم والبالغ قرابة 40 ألف طالب وطالبة.
ويؤكد تطلع وزارة التربية والتعليم إلى استمرار هذه الشراكة الإستراتيجية لمأسسة التحول الرقمي الشامل لبناء بنوك أسئلة محوسبة وإدارة المنظومة رقميا كليا، بما يُرسي نموذجا حديثا ومستداما لشهادة الثانوية العامة الفلسطينية، ليظل التعليم في غزة رمزا للصمود ورسالة حياة تتجاوز آلام الحرب وتصنع الأمل من قلب الركام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة