آخر الأخبار

المدينة المهجورة التي غيرت العالم.. كيف صنعت السويس نهضة مصر؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي


"وقرية السويس عبارة عن قرية هادئة بها كنيسة للروم غير مُعتنىَ بها، أمامها ميدان متوسط، وبالقرية نحو مئتي منزل، يكثر سكانها عندما ترسو السفن التجارية والحربية بمينائها، وبعد ذلك تُهجَر فتصبح السويس مُقفرة جدا"

بواسطة (جان دي تيفينو، رحالة فرنسي زار السويس عام 1658)

أيد علي مبارك، الوزير المصري المعروف في القرن التاسع عشر، الرأي القائل بموسمية الحياة في السويس؛ وضعف نشاطها إلا في أوقات محددة، فقال عنها "كانت بُليدة صغيرة لا يسكنها إلا القليل من أهل الحجاز والطور ومصر، وإنما يكثر بها العرب في زمن موسم الحج لبيع أشيائهم، ثم يتفرَّقون إلى أوطانهم لعدم وجود الماء العذب بها، وإنما كان أهلها يشربون من عيون مستملحة بعيدة عنها؛ كعين غرقدة وعيون موسى ونحوها".

كانت السويس إذن حتى منتصف القرن الثامن عشر تنتظر أن تستيقظ من سُبَاتها، وتترقب من يُحوِّلها مِن نقطة "ترانزيت" مقطوعة إلى محطة مواصلات عالمية. ورغم أن ميناء السويس ظل يلعب أدوارا موسمية، مثل خروج المَحْمَل المصري (الموكب الذي يحمل كسوة الكعبة المشرفة ومؤن الحجاج)، وسفر الحجاج وعودتهم من الحجاز، وتصدير محاصيل زراعية إلى الشام والهند، واستيراد البن اليمني أو التوابل الهندية، وكذا سفر الولاة وعودتهم، فإن السويس حتى ذلك الحين لم تنمُ بوصفها مدينة، بل كانت هادئة ومحافظة على وظيفتها المؤقتة في ظل الحكم العثماني، ولم تصعد طبقة تجارية محلية قادرة على تغيير الوظيفة الاقتصادية للمدينة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لحية على وجه الأسد.. كيف صنع النظام السوري البائد مشايخه؟
* list 2 of 2 جزيرة أوروبا الثرية التي فضلت الأسماك على اليورو end of list

تركَّزت إستراتيجية الدولة العثمانية على غلق البحر الأحمر أمام الملاحة الأجنبية، ووجدت السلطات العثمانية أن الخطر البرتغالي تحديدا لا ينبغي أن يمتد إلى البحر الأحمر، الذي تحوَّل عمليا إلى بحيرة مُغلقة لا يُمكن لأي سفينة أن تمر بها بدون إذن. ومع احتدام الصراع العثماني البرتغالي تحوَّلت السويس إلى محطة عسكرية عثمانية لمراقبة البحر الأحمر. ولنستمع إلى صوت شاهد عيان قادم إلينا من القرن السابع عشر، وهو جان دي تيفينو، الرحالة الفرنسي الذي زار مصر عام 1658 ووصف لنا رحلته من القاهرة إلى السويس.

مصدر الصورة جان دي تيفينو الرحالة الفرنسي الذي زار مصر عام 1658 ووصف لنا رحلته من القاهرة إلى السويس (غيتي)

يقول دي تيفينو: "عندما كنتُ في القاهرة، كانت لدي رغبة في الذهاب لرؤية البحر الأحمر، وعلمتُ أن هناك قافلة على وشكِ التحركِ إلى السويس، فذهبتُ لزيارة علي بك؛ الذي كان بك السويس، وقد كان موجودا في القاهرة حينها، وقدمتُ له هدية عبارة عن علبة من الحلويات.. وعندما كشفتُ له عن رغبتي، وعدني بتقديم حمايته لي".

إعلان

ويضيف: "بعد ذلك، توجهتُ إلى مسؤول خيله وركابه، وحجزتُ بغالا لي ولمرافقي.. وقبل نحو نصف ساعة من مسيرنا وراء المكان الذي استرحنا فيه، رأينا مقبرة تركية حسنة البناء حيث يرقد جثمان الكيخيا، نائب حاكم السويس الذي كان مسؤولا عن تأمين حركة القوافل من القاهرة إلى السويس، وقد كان قادما من السويس على رأس القافلة فهجم عليه العديد من العربان وبدو الصحراء. وقد قاوم الكيخيا لفترة طويلة ببسالة دفاعا عن القافلة؛ ولكن بعد قتال مرير، تلقى طعنة رمح في بطنه مات على إثرها مباشرة".

"مع احتدام الصراع العثماني البرتغالي تحوَّلت السويس إلى محطة عسكرية عثمانية لمراقبة البحر الأحمر"

تكشف لنا تلك الشهادة الحالة الأمنية المتردية في السويس في تلك الفترة، وهي حالة دفعت الإدارة العثمانية إلى فرض رسوم على السفن في البحر الأحمر لتدبير تكاليف تأمينها. وقد استمرت المشكلة الأمنية في طريق القاهرة-السويس فترة كبيرة من الزمن، حتى إنه في زمن الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، أرسل "غالب بن مساعد" شريف مكة عام 1798 إلى نابليون بونابرت خطابا طلب فيه حماية السفن القادمة المُحمَّلة بتجارة البُن إلى السويس بقوله: "المطلوب عند وصولهم إلى السويس ترسلوا من طرفكم عساكر يحافظون على الأبنان، إلى أن تصلكم إلى مصر لبيعها، وعند عودتهم بأثمانها كذلك تشيعوهم بالعساكر إلى أن تحل سفائنهم، حرصا عليهم من خطر الطريق، فإننا ما أمكن لنا تأمين التجار على هذا المقدار إلا بأشد علاج".

مصدر الصورة السويس كما تبدو في لوحة المهندس المعماري والرسام البريطاني الشهير فرانسيس أرونديل، الذي زار السويس عام 1837 (من كتابه رسوم توضيحية للقدس وجبل سيناء)

بداية نهضة السويس

كان صعود علي بك الكبير عام 1763، وما تلاه من نزعات انفصالية عن المركز العثماني، البداية الحقيقية لنهضة المدينة الميناء، فقد اتصل علي بك بالدول الأوروبية وتجار البندقية، وكان أحدهم وهو "كارلو دي روزيتي" مقربا من علي بك، بل كان هو من أقنعه بضرورة إحياء طريق السويس البري التجاري بين البحر الأحمر والقاهرة والإسكندرية، وكانت تلك كلمة السر التي فرضت ضرورة التوسع المصري الذي كان معتادا قبل الدولة العثمانية، فلم تكن مصر في معظم مراحل تاريخها مكتفية بذاتها والعمل داخل حدودها، بل كان توسعها ضرورة موضوعية لوجودها.

وبعد أن قام علي بك بطرد الباشا العثماني، وامتنع عن دفع الجزية، وضرب عُملة باسمه، وجد أن لا قوام باستقلال مصر عن السلطنة العثمانية بغير اتساع نفوذها وبسط سيادتها على محيطها الإقليمي. وانطلاقا من السويس غزا الحجاز عام 1770 وعزل شريف مكة الموالي للسلطان، وعيَّن بدلا منه الشريف عبد الله الذي خلع على علي بك لقب "سلطان مصر وخاقان البحرين" ابتهاجا وتقديرا لنجاحه في عزل غريمه، وبسط نفوذه على الحجاز.

بدأ علي بك خطته بتنظيم الميناء والجمرك، وضبط نظام الصيارفة والمحاسبين المسؤولين عن جمركيْ الإسكندرية والسويس، وتخلص من اليهود الفرانكو (أي اليهود الأوروبيين) الذين كانوا يُهَيمنون عليهما، وعهد بالعديد من المناصب المالية والإدارية إلى مسيحيي مصر والشام. وقد عكست تلك الإجراءات وعيا بالأهمية الحيوية للعوائد الجمركية والتجارة البحرية، ومن ثم كان إحياء ميناء السويس جزءا من رؤية هدفت إلى استغلال تميز الموقع الجغرافي لتعزيز السلطة السياسية، والاستقلالية عن المركز العثماني.

"كان إحياء ميناء السويس جزءا من رؤية هدفت إلى استغلال تميز الموقع الجغرافي لتعزيز السلطة السياسية، والاستقلالية عن المركز العثماني"

ويشهد المترجم اليوناني سوفير لوزينيان، الذي عاصر حقبة علي بك الكبير وعاش في مصر آنذاك، على مجهودات علي بك ومشروعه الاستقلالي انطلاقا من السويس، حيث قال: "كانت هناك مفاسد كثيرة قد تسلَّلت إلى منظومة تحصيل الجمارك وتُثقل كاهل التجار الأوروبيين، فقام بإزالتها وأعدم أحد المُفوَّضين، وهو يهودي يُدعى جوزيف ليفي، بعد أن فرض إتاوات بشكل مخزٍ على التجار، وعيَّن مكانه المعلم ميخائيل فرحة، وهو مسيحي من الكنيسة اليونانية، بل إنه أرسل توجيهات مشددة إلى أبي الذهب وإسماعيل بك (قادة حملاته العسكرية) مفادها أنه أيا كانت المدن الساحلية التي قد يخضعونها، فعليهم أن يتركوا أوامر صارمة للحكام باستقبال جميع السفن الأوروبية بمنتهى اللطف، وطمأنة قادتها بأنهم سيكونون محميين في تجارتهم بالبحر الأحمر، وأن بمقدورهم الملاحة والتجارة بحرية في كل جزء منه".

إعلان

وقد قام علي بك بتطهير الطرق من البدو الذين كانوا يغيرون على القوافل، مما أكسبه لقب "بُلوط قبان" (Bulut Kapan) أي "قابض السحاب" بالتركية، إشارة إلى البدو الذين يغيرون على القوافل ويختفون مثل السحب. ورغم سقوط مشروع علي بك الكبير فإنه لم يكن سهلا غلق البحر الأحمر مرة أخرى، إذ رفضت الإدارة المصرية ذلك وقاومت نهج السلطنة العثمانية وفرضت رؤيتها.

وهكذا رغم بقائهم، من الناحية الشكلية، تحت السيادة العثمانية، سعى حكام المماليك في مصر إلى تنشيط طريق التجارة عبر البحر الأحمر وميناء السويس. فبعد أن فتح علي بك الكبير الطريق أمام وصول السفن الأجنبية إلى السويس في أواخر ستينيات القرن الثامن عشر، أصدر محمد بك أبو الذهب في عام 1773 فرمانا يضمن حماية التجار الإنجليز وبضائعهم ويحدد الرسوم على الواردات الواصلة إلى السويس، بهدف تشجيع التجارة بين مصر والهند.

مصدر الصورة علي بك الكبير حكم مصر من عام 1760 حتى 1772 (غيتي)

السويس تحت حكم محمد علي وخلفائه

"مصر هي العنصر الوحيد الحيوي في الإمبراطورية العثمانية المتداعية"

بواسطة (كارل ماركس، واصفا مصر في مقال نشره عام 1853 بصحيفة نيويورك ديلي تريبيون)

يمكن القول إن حكم محمد علي لمصر مثل قطيعة ثورية مع تاريخها التليد، فقد أحدث الباشا من التحوُّلات والتغيُّرات ما يستغرق أجيالا في العادة. فرغم كونه حاكما مستبدا، فقد حول محمد علي مصر إلى دولة مركزية وفاعلة، فلم يعجبه النمط العثماني المغلق، ولم يرضَ بطريقة المماليك التقليدية في الإدارة والحكم، حيث تصوَّر أن مصرَ باب مفتوح على العالم، ولذا فقد سارع إلى تغيير شامل لنظم العمل والإنتاج.

وقد بَسَط محمد علي نفوذه على كل سواحل البحر الأحمر، فاحتل سواحل اليمن ومنها ميناء المُخا المهم في تصدير البُن، كما استولى على ميناء الحُديدة ثم سيطر على زبيد. وكان قبل ذلك قد دخل السودان وأسس عاصمته عام 1824، كما ضم الشام وحكمه منذ عام 1831. وكان هذا التوسع الإقليمي الهائل علاوة على النهضة الزراعية والصناعية الداخلية بحاجة إلى إحياء كل مصادر الدخل والثروة وتنميتها، ويشهد إدوارد لين، الرحالة الإنجليزي الذي زار مصر عام 1833، على بداية نهضة السويس المدينة والميناء بقدوم محمد علي.

ويربط علي مبارك بين نهضة السويس وسياسة محمد علي ورؤيته فيقول في خططه التوفيقية: "ولم تزل مدينة السويس قليلة السكان إلى أن أخذ العزيز محمد علي بزمام الديار المصرية، وأزال منها أهل الفساد، وتخلَّص من المهمات التي كانت تُشوِّش فِكره، وخلص له التصرُّف في البلاد، فالتفت إلى تحصيل ثروة القُطر، وتسهيل الطرقات، فبعد أن جدَّد في داخل القُطر مزروعات جليلة وعوائد جميلة؛ من ترع وجسور وقناطر وصنائع جمَّة، التفت إلى أطراف القُطر فصمم من ضمن ذلك على عمل سكة حديد توصل إلى السويس"، وهو مشروع لم يتم نظرا لانشغال محمد علي بصراعه مع الباب العالي.

"يشهد الرحالة البريطاني إدوارد لين على بداية نهضة السويس المدينة والميناء بقدوم محمد علي"

وقد أصدر محمد علي فرمانا لضابط البحرية الإنجليزي توماس فليتشر واغهورن لتأسيس خدمة نقل عبر مصر، مما مهد الطريق لشركة "بينينسيولار آند أورينتال"، المعروفة بـ"P&O" لتنظيم وإدارة الطريق البري من الإسكندرية إلى السويس الذي عرف لاحقا بـ"مصلحة الترانزيت". وقد كان ذلك الطريق خط مواصلات إمبراطوري متكامل، يربط موانئ في بريطانيا بدقة مع ميناء الإسكندرية، حيث تصل السفن مُحمَّلة ببضائع تُنقل برا عبر النيل والطرق البرية إلى طريق السويس، ثم من السويس إلى الوجهة الأخيرة وهي غالبا ميناء بومباي في الهند. وقد كتب واغْهورن عن هذا الطريق المصري قوله: "لن أطمئن حتى أرى أنه (طريق السويس) قد أصبح الطريق الرئيسي إلى الهند".

مصدر الصورة محمد علي باشا أحدث من التحولات والتغيرات ما اختصر به أجيالا من العمل (غيتي)

وقد ألحَّت القوى العالمية الكبرى آنذاك على إنشاء خط السكة الحديدية بين القاهرة والسويس ليكون ثاني خط حديدي في العالم يربط مدينتين رئيسيتين بعد خط ليفربول-مانشستر، ونظرا للمعارضة الفرنسية والعثمانية، رفض محمد علي مشروع الخط، ومن ثمَّ استمرت مصلحة الترانزيت حتى جاء عباس حلمي الأول وأمر بمد السكك الحديدية، قبل أن يقر محمد سعيد باشا مشروع سكة حديد السويس الذي افتتح رسميا عام 1858.

إعلان

وكان لذلك الخط أكثر كبير لمسه العالم قبل إنشاء قناة السويس بأكثر من عقد، كما ذكر علي مبارك قائلا: "كَثُرَ ورود السفن على ميناء السويس وعَظُم إيراد السكة الحديد جدا، الوارد على ميناء السويس من السفن البخارية سنة 1858 (قبل فتح القنال) كان 72 مركبا.. والخارج منها في تلك السنة إلى بلاد الهند وسواحل العرب وأفريقية وبلاد الصين ويابونيا (اليابان) وجزائر المحيط كان 74 مركبا بخاريا".

وبرغم تلك المكاسب فإن كُتُب التاريخ تغفل عادة عن ذكر المعاناة والتضحيات التي قدمها الشعب المصري خلال تلك الفترة، بعدما تحوَّل الشباب والأطفال من الفلاحين إلى عُمال بالسخرة أو مقابل أجور زهيدة، في ظل ظروف بيئية قاتلة. وقد استدعت الحكومة للمشروع عشرة آلاف عامل من مديريات الوجهين القبلي والبحري، وكان يتم تغييرهم كل أربعة أشهر بعد أن يسقط منهم المئات في منطقة صحراوية مفتوحة شديدة الحرارة وتفتقر إلى المياه العذبة.

مصدر الصورة إنشاء خط سكة حديد السويس (غيتي)

حفر قناة السويس

في تلك الحقبة، كانت السويس والإسكندرية جناحي الثروة والدخل المصري، وكانت عيون العالم والإدارات الاستعمارية تتابع بدقة كل ما يجري في المدينتين، وكان لا بد من ضمان موافقة القوى الدولية قبل أي تحديث أو تغيير فيهما، خصوصا السويس. والأهم أن معظم مبادرات التحديث، ومد خطوط المواصلات بين المدينتين كانت تأتي من الخارج، خاصة من بريطانيا وفرنسا.

"كانت فكرة ربط البحرين الأحمر والمتوسط حلما ورغبة متجددة لدى القوى الاستعمارية الكبرى وهي أيضا رغبة حكام مصر منذ فجر التاريخ"

كانت فكرة ربط البحرين الأحمر والمتوسط حلما ورغبة متجددة لدى القوى الاستعمارية الكبرى، تلك الرغبة التي كانت تصطدم دائما بالمصالح الدولية المتنافسة، وكانت كذلك رغبة حكام مصر منذ فجر التاريخ، حيث يكتب أرسطو (384-322 ق.م) في كتابه "ميتيورولوجيكا": "والواقع أن أحد الملوك شرع في القيام بحفر البرزخ، فإن جَعْل هذا الممر صالحا للملاحة كان له فائدةٌ عُظمى، والظاهرُ أنَّ سيزوستريس هو أول الملوك القدامى الذين تَبَنَّوْا هذا العمل، ولكنه قد لاحظ أن مستوى الأراضي كان أكثر انخفاضا عن مستوى البحر، ولذلك فإنه.. توقف عن شق القناة؛ خشية أن تختلط مياه البحر بمياه النهر فُتفسدها".

وقد ظلت هذه الفكرة الخاطئة مسيطرة على كل من حاول الاقتراب من حفر قناة السويس، ولم يتمكن المغامرون عبر التاريخ من تغيير تلك القاعدة، حتى إن لجنة لو بير، كبير مهندسي الحملة الفرنسية، قد واجهت المصير نفسه عام 1799 باعتقادها الخاطئ أن مستوى البحر الأحمر أعلى من مستوى البحر المتوسط بثمانية أمتار ونصف، الأمر الذي استوجب تصميم قناطر أو هويس، بحسب الاعتقاد السائد حينها.

جاك ماري لو بير، من مهندسي الحملة الفرنسية على مصر (لويس ريبو، التاريخ العلمي والعسكري للحملة الفرنسية على مصر)

لم تتوقف المحاولات لدحض تلك النتيجة، فتكوَّنت في البلدان الأوروبية لجان ومجموعات بحث لفحص فكرة الربط بين البحرين. ففي عام 1833 وصل بارتِلِمي بروسبير أنفانتان، زعيم جماعة السانسيمونيين الفرنسيين (حركة فكرية وصناعية مستوحاة من أفكار الفيسلوف والاقتصادي كلود هنري دي سان سيمون)، إلى مصر لبحث المسألة. وكانت تلك الحملة تحمل أفضل الأطباء والمهندسين الفرنسيين الذين أصابهم الغضب الشديد من انتشار البؤس في العالم، معتقدين أنهم يملكون المعرفة التي بوسعها نشر السلام والعدالة بين البشر.

وكان السانسيمونيون يمثلون تيار الاشتراكية الطوباوية، أي الاشتراكية المثالية، إذ ارتبطت أفكارهم بتصورات فلسفية جمعت بين رؤاهم الخاصة للدين والتصوف والتأملات الذاتية، علاوة على يقينهم بأن إدارة المجتمع يجب أن يتقلَّدها العلماء والمهندسون، وكان لهم أبٌ روحي يقود جماعتهم. كان أنفانتان الأب الروحي للجماعة وقت قدومها إلى مصر، وكانت لهم أفكار فريدة في هذا الصدد، فقد اعتقدوا بوجود "أم روحية " تقود مسيرتهم نحو إصلاح العالم، وأن برزخ السويس هو محل هذا الزواج الروحي. وقد واجهوا في فرنسا الرفض والإدانة نظرا لجملة الأفكار التي اعتنقوها، ولذا كانوا ناقمين على بلدهم الذي اضطهدهم.

"وجد السانسيمونيون في مصر ملاذا لهم، خاصة أنهم كانوا يؤمنون بضرورة تنظيم وضبط المجتمع حول عملية الإنتاج"

وجد السانسيمونيون في مصر ملاذا لهم، وكان التصنيع والتحديث محور عمل وخطة السانسيمونيين، ومن ثم وجدوا في محمد علي نموذجا ملائما، بل إن أنفانتان أبدى إعجابه بمشروع محمد علي ورؤيته لإعادة تنظيم المجتمع حسب المبادئ الحديثة للصناعة.

بارتلمي بروسبر أنفانتان أحد أبرز قادة الحركة السانسيمونية، الذي زار مصر عام 1833 (غيتي)

نقد الكثيرون فيما بعد السانسيمونيين، واعتبروا أفكارهم التحرُّرية و"اليسارية" مجرد واجهة لتصوُّرات استشراقية واستعمارية للمنطقة استبطنت نظرة دونية لأهل البلاد. وكان مؤسس الحركة سان سيمون قد اعتقد بسمو العرق الأوروبي على سواه، وبضرورة استعمار أوروبا للعالم كله، كما أن الكثير من السانسيمونيين شاركوا بالفعل في إدارة الجزائر بعد أن استعمرتها فرنسا، وإن ظل يُنظَر إليهم بريبة في فرنسا بسبب خطابهم المختلف عن السلطة الفرنسية ذاتها.

"كانت السويس في نظر السانسيمونيين الأم الروحية لديانتهم الإنسانية، لكن محمد علي خيب آمالهم"

كانت السويس في نظر السانسيمونيين الأم الروحية لديانتهم الإنسانية غير أن موقف الباشا من مشروعهم للربط بين البحرين وحفر القناة كان مُخيِّبا لآمالهم، فلم يقتنع بفكرتهم، ونظر إليهم على أنهم أوروبيون يسعون إلى الثروة والنفوذ، غير أنه استبقاهم في خدمة الحكومة ومشروعاتها الهندسية والصحية، وهو ما قَبِله السانسيمونيون، واعتبروه خطوة للوصول إلى غايتهم في السويس.

إعلان

ونظرا لانتشار وباء الطاعون رحل أنفانتان عن مصر تاركا فيها نخبة من العلماء والمهندسين الذين صمدوا غير مبالين بمصيرهم. وفي باريس أسس الرجل عام 1846 "جمعية دراسات برزخ السويس"، وتحالف مع علماء ورجال المال والأعمال في عدة دول أوروبية من أجل دراسة مشروع القناة، والبحث عن حلول لتنفيذه. ومن ثم أوفد في سبتمبر/أيلول 1847 المجموعة الهندسية الفرنسية بقيادة مهندس المساحة الفرنسي الشهير "بوردالو" الذي قام بقياس المناسيب الرئيسية، ونجح للمرة الأولى في إثبات عدم وجود فروق تُذكر بين منسوبي البحرين، ورغم ذلك أصر محمد علي على رفض الفكرة.

غلاف تقرير لجنة المهندس بوردالو حول عمليات قياس المناسيب، ويظهر مهندسي اللجنة الفرنسيين يرافقهم مساعدون مصريون (المكتبة الرقمية للمكتبة الوطنية الفرنسية)

رغم ذلك، تحرَّك مشروع حفر القناة وخطا خطوات واسعة وغير مسبوقة منذ صدور ذلك التقرير المرتبط بجماعة السانسيمونيين، غير أنه بعد عام 1855 خرج الموضوع من أيدي السانسيمونيين، كما يقول فيليب رينييه في كتابه "السانسيمونيون في مصر". كانت فكرة القناة قد تجاوزت مصر نفسها بالكامل، وهو ما شرحه المهندس النمساوي لويجي نِغْريللي، أحد أبرز داعمي الدبلوماسي الفرنسي فرديناند ديليسبس قائلا: "إن موضوع السويس ليس موضوعا مصريا أو تركيا فحسب لكنه موضوع أوروبي بل وعالمي، والشركة التي ستنفذه ستكون لا محالة تعبيرا عن إرادة القوى المهتمة بهذا المشروع، ولن تكون نتيجة هوى أو مجاملة سعيد باشا لأحد أصدقائه".

ظلت مصر عقودا طويلة مفتقدة للسيادة على قناة السويس وشركتها بسبب تلك الرؤية، وهو ما لاحظه القنصل الأمريكي في مصر ألبرت فارمان عام 1876، حين قال: "رغم كل هذه التضحيات لم تحصل مصر على أي منفعة، فقد كلَّفت القناة مصر خسائر جسيمة أثَّرت على تجارتها، إذ كانت لها تجارة برية واسعة فقدتها كلية. وبينما تمر السفن مُحمَّلة ببضائع وفيرة خلال القناة التي تشق أراضيها الزراعية، فإنها لا تعود على مصر بالفائدة. وكانت التجارة التي تمر بالقناة إنجليزية في الغالب، وتزيد من دخل الإنجليز"، وهو أمر واقع ظلَّ سائدا حتى عام 1936 عندما نجحت حكومة علي ماهر باشا في فرض إتاوة قدرها 200 ألف جنيه سنويا تُدفَع على أربعة أقساط، وزِيدت تلك الإتاوة إلى 300 ألف جنيه عندما تولى مصطفى النحاس باشا رئاسة الحكومة في مايو/أيار 1936.

حُفرت قناة السويس وملحقاتها بدماء المصريين الذين عانوا السخرة والتشغيل الجبري. وحتى عندما أسرعت الحكومة والشركة بحفر ترعة المياه العذبة القادمة من نيل القاهرة "ترعة السويس / ترعة الإسماعيلية"، فإنها حشدت أعدادا ضخمة بلغت "100 ألف عامل رفعوا في حفرها أنقاضا بلغ مقدارها 3,347,000 متر مكعب.

اقتيد عشرات الآلاف من الشبان المصريين من كل مديريات مصر في ظروف غير إنسانية، وهو ما ذكر طرفا منه السائح الإنجليزي بادجر، الذي كان في طريقه من الزقازيق إلى منطقة القناة عام 1861 عندما شاهد "جموعا غفيرة من العمال يقطعون الطريق إلى ساحات الحفر سيرا على الأقدام". وقد عنَّ للسائح الإنجليزي أن يُوجِّه إلى فريق منهم بعض الأسئلة، فكان من بينها سؤال: هل جاؤوا بمحض رغبتهم؟ فكانت إجاباتهم مجمعة على أنهم قد قدموا رغما عنهم، وحرص السائح على أن يسجل هذه الإجابة باللغة العامية الدارجة كما نطقتها ألسنتهم: أُخذنا بالزور.

عبر الممر المائي عبرت آلاف السفن الإنجليزية والأوروبية لعشرات السنين، قبل أن تتمكَّن مصر في النهاية من استعادته بتأميم القناة عام 1956، وهو تأميم لم يكسر فحسب الملكية الأوروبية للشركة إداريا أو ماليا، بل كتب نهاية فكرة كون "القنال" أكبر من أن تتحكَّم فيها دولة شرقية، أو أن يكون مصيرها محكوما بأفكار ورغبات أوروبية بَدَت سامية في الظاهر، لكنها لم تحمل إلا الرؤية الاستعمارية ذاتها على أرض الواقع. قبل سبعين عاما بالضبط، عادت القناة إلى سلطة البلد الذي حفرها أبناؤه، وأثبت أحفادهم أنهم وحدهم من يحق لهم تقرير معناها ودورها وسُبُل إدارتها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا