مقالات الرأي والعناوين الجريئة التي تتناول صراع المنطقة مع إسرائيل تظهر في الغالب في الصحف والمجلات الألمانية اليسارية أو اليسارية الليبرالية مثل "دير فرايتاغ" أو "تاتس" أو "زود دويتشه تسايتونغ" وفي بعض الأحيان في مجلة "دير شبيغل"، وهي لا تأتي إلا نادرا بأقلام صحفيين يعرفهم القارئ الألماني، بل يكتبها صحفيون ومثقفون وحقوقيون يهود أو إسرائيليون مثل عومير بارتوف أو موشي تسُكرمان وغيرهم.
ويأتي ذلك لأن برلين تحولت في العقد الماضي فعليا إلى أحد أهم مراكز الشتات الإسرائيلي في أوروبا ولأنها باتت تجتذب اليسار الإسرائيلي بشكل خاص، ولعل أحد هؤلاء هو ألون ساهار، صاحب توصية "لا لاختزال المشكلة في بن غفير" في الصحيفة الأسبوعية "دير فرايتاغ".
ولكنّ ساهار ليس إسرائيليا عاديا، فقد كان ـبحسب مصادر متطابقةـ أحد الجنود الإسرائيليين الذين تولوا حماية مستوطنات غوش قطيف بغزة حتى عام 2005 قبل انقلابه على إسرائيل ورحيله إلى برلين، ومن هنا تأتي أهمية شهادته في وقت يحذر فيه مراقبون من انفجار الضفة تحت وطأة "إرهاب المستوطنين".
وينقل ساهار في هذا المقال عن ديفيد أيساخاروف قوله إن بن غفير "ليس حالة شاذة، بل نتاج نظام سياسي مكتمل الأركان في إسرائيل" وإن "فرض عقوبات عليه وحده ينطوي على خطر إضفاء طابع شخصي على سياسة الإبادة الجماعية التي تنفذها حكومة نتنياهو بحق الفلسطينيين".
ويقدم ساهار بعض النصائح لألمانيا وأوروبا، قائلا "إذا أردتم منح أنفسكم شعورا أفضل، فافرضوا عقوبات على بن غفير، لكنْ لا تأملوا أن تتحسن الأمور لأن عقوبات موجهة ضد بن غفير لن تؤثر على علاقتكم وعلاقة أوروبا مع إسرائيل، كما أن فرض مثل هذه العقوبات سهل من الناحية السياسية"
لكنْ بدلا من ذلك ـيقول الكاتب ـ "كان عليكم منذ زمن طويل تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل وحظر جميع المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، أما أهم شيء فهو فرض جميع هذه العقوبات دفعة واحدة.
ويحاسب ساهار الصحافة الألمانية التي تتباهى بالتضامن بدون شروط مع إسرائيل والمقصود هنا دار النشر أكسل شبرينغر وأبرز صحيفة تصدر عنها "دي فيلت" ويقول "آلان بوزنر يكتب في صحيفة (دي فيلت) أن بن غفير مجرد سياسي مستفز يقول أمام الكاميرات أشياء تثير الغضب ولا يملك أي تأثير داخل الحكومة الإسرائيلية" مضيفا "هذا ليس صحيحا لأنه مسؤول عن الشرطة الإسرائيلية وإدارة السجون ولا يمثل بأي حال من الأحوال حالة فردية".
ويضيف "بن غفير يحتجز الفلسطينيين في سجون أشبه بالمعسكرات ويحمي المستوطنين الذين يهجّرون الفلسطينيين من مدنهم وقراهم في الضفة وينفذ إبادة جماعية في غزة وسط دمار هائل".
ويشير ساهار إلى الانتخابات في إسرائيل قائلا إن بنيامين نتنياهو قد يخسرها وقد يتم طرد بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش من الحكومة وقد يشغل مقاعدهم في مجلس الوزراء سياسيون أقل دعما في العلن للإبادة الجماعية، لكنهم سيبقون يعملون وفق سياسات أقرب إلى معايير نظام الفصل العنصري، مثل نفتالي بينت، سواء كرئيس للوزراء أو كوزير للدفاع مسؤول عن الأراضي الفلسطينية المحتلة وعندها ستتعرض برلين وبروكسل لإغراء كبير للاستنتاج بأن حالة الطوارئ هذه قد انتهت أخيرا.
لكنْ ـيضيف الكاتب ـ يجب على الألمان والأوروبيين ألا يخلطوا بين إسرائيل أكثر ليبرالية بالنسبة لليهود، وإسرائيل مختلفة جذريا بالنسبة للفلسطينيين، فما زال جزء كبير من المعارضة اليهودية ينظر إلى مشاركة الأحزاب العربية في الانتخابات باعتبارها أمرا ينبغي تجنبه وعلى الأوروبيين الذين يتحدثون عن الديمقراطية الإسرائيلية أن يأخذوا ذلك في الاعتبار، وإذا كانت المساءلة تعتمد على مثل هذه الحسابات السياسية، فلن تكون هناك مساءلة أبدا.
لكنْ ما الذي سيتغير فعليا إذا فرضت أوروبا عقوبات على بن غفير؟ وماذا سيتغير إذا اختفى من الحياة السياسية؟، يتساءل الكاتب ويجيب: "يشكل المواطنون الفلسطينيون نحو خمس سكان إسرائيل، يضاف إليهم ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم العسكري الإسرائيلي".
ولذلك لا يمكن الحديث عن بداية ديمقراطية جديدة من النهر إلى البحر لأن رحيل بن غفير لا يغير شيئا ولن ينهي التوسع الاستيطاني أو الاحتلال العسكري أو التهجير أو الاعتقال من دون محاكمة أو الاضطهاد السياسي للفلسطينيين وهنا تحديدا ينبغي لألمانيا وأوروبا أن تنظرا إلى ما هو أبعد من حالة الغضب الحالية.
ويتطرق الكاتب إلى السياسة الاستيطانية الإسرائيلية بالقول "المستوطنات هي الاختبار الفعلي، فأوروبا تفرض عقوبات على مستوطنين ومنظمات استيطانية متورطة في أعمال عنف، لكنّ التوسع الاستيطاني ليس في المقام الأول من صنع عدد محدود من المتطرفين الذين يعيشون على قمم التلال، بل سياسة مدعومة بقرارات حكومية وبنية تحتية وحماية عسكرية ودعم مالي ونظام قانوني يسمح بنقل الأراضي وتهجير الفلسطينيين".
ويقول ساهار إنه لو كانت ألمانيا تأخذ القانون الدولي على محمل الجد، لكان عليها منذ زمن طويل أن تكون مستعدة للانتقال من مرحلة معاقبة الشخصيات المتطرفة إلى فرض عقوبات على الهياكل والسياسات التي تجعل برامج هذه الشخصيات أمرا ممكنا وذلك عبر تقديم إجابات على التساؤلات التالية:
ويختم ساهار بالقول إنه إذا كانت إجابات السياسيين الألمان والأوروبيين الذين يتقنون الإنجليزية ويشاركون في المؤتمرات ويصفون أنفسهم بالليبراليين، لا تزال نعم، فلا ينبغي أن تصبر أوروبا وألمانيا أو تنتظرا أكثر من ذلك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة