آخر الأخبار

أين يذهب الجواسيس بعد التقاعد؟

شارك

حين تكشف مؤسسة فكرية بارزة عن هوية رئيسها الجديد، نادرا ما يثير الخبر اهتماما واسعا. لكن عندما يكون هذا الرئيس هو مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، بينما غادر سلفه ذات المؤسسة الفكرية ليتولى قيادة وكالة الاستخبارات المركزية، فإن التعيين يحظى بأهمية، لأنه يسلط الضوء على ما بات يعرف بظاهرة "الباب الدوَّار" بين أجهزة الاستخبارات ومراكز الفكر.

هذا ما حدث في يونيو/حزيران 2026، حين أعلنت جين هارتلي، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، اختيار أفريل هينز الرئيسة الحادية عشرة للمؤسسة، اعتبارا من 28 سبتمبر/أيلول 2026. فقد شغلت هَينز منصب مديرة الاستخبارات الوطنية في عهد الرئيس بايدن، وأصبحت حينها أول امرأة تتولى هذا المنصب. لكنها لا تمثل الحالة الأولى من نوعها؛ فقد سبقها وليام بيرنز، الذي انتقل في الاتجاه المعاكس من رئاسة كارنيغي إلى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية في عهد بايدن أيضا، وهو ما يكشف عن فضاء مؤسسي مشترك تتبادل داخله أجهزة الاستخبارات ومراكز الفكر الخبرة والكوادر والأفكار.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 أليكس كارب.. فيلسوف الإبادة الذي باع روحه لترمب وإسرائيل
* list 2 of 2 ثورة الملاكمين.. الانتفاضة التي صنعت الصين end of list

ورغم تكرار هذه الظاهرة، فإنها من الموضوعات محدودة التناول في أدبيات الاستخبارات ومراكز الفكر. فقد انشغلت دراسات الاستخبارات بتحليل بنية الأجهزة الاستخبارية، ودورة إنتاج المعلومات، والعلاقة بين المُحلل وصانع القرار، بينما ركزت الدراسات الخاصة بمراكز الفكر على مصادر تمويلها، وأدوارها في صياغة السياسات العامة، وتأثيرها في النقاش السياسي. أما العلاقة بين المجالين، وكيفية انتقال النخبة الاستخبارية من المؤسسات الأمنية إلى المؤسسات البحثية والعكس، فلم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه.

ومن ثم تبرز مجموعة من الأسئلة: لماذا تُفضِّل بعض مراكز الفكر تعيين قادة أجهزة الاستخبارات على رأسها بدلا من كبار الأكاديميين؟ وما الذي يدفع هؤلاء المسؤولين إلى الانخراط في العمل البحثي بعد مغادرتهم المناصب التنفيذية؟ وهل تمثل مراكز الفكر امتدادا ناعما لمجتمع الاستخبارات، أم أنها تحتفظ باستقلالها رغم هذا التداخل؟

مصدر الصورة أفريل هينز شغلت منصب مديرة الاستخبارات الوطنية في عهد الرئيس بايدن، وأصبحت حينها أول امرأة تتولى هذا المنصب (رويترز)

تبادل الأدوار

حصلت هَينز على شهادة في القانون من مركز القانون بجامعة جورج تاون، وبكالوريوس في الفيزياء من جامعة شيكاغو. وشغلت سابقا عددا من المناصب الرفيعة في مجال الأمن القومي، من بينها نائبة مستشار الأمن القومي في إدارة أوباما، ونائبة مدير وكالة الاستخبارات المركزية، ونائبة كبيرة المستشارين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. كما كانت أول امرأة تتولى منصب مديرة الاستخبارات الوطنية بين عامي 2021 و2025، ما أكسبها خبرة عميقة في مجالات الاستخبارات والسياسة والقانون عبر إدارات ديمقراطية وجمهورية، وفي فروع الحكومة الأمريكية الثلاثة. كما نالت عددا من الأوسمة الدولية تقديرا لعملها، من بينها وسام الاستخبارات الأسترالي، ووسام الاستحقاق الملكي النرويجي، ووسام الاستحقاق من كوريا الجنوبية.

"تمثل هينز حلقة في مسار اعتادت عليه النخبة الأمريكية المتخصصة في شؤون الأمن القومي"

تمثل هَينز حلقة في مسار اعتادت عليه النخبة الأمريكية المتخصصة في شؤون الأمن القومي. فقد سبقها وليام بيرنز، الذي أمضى 33 عاما في السلك الدبلوماسي، وشغل خلالها مناصب بارزة، من بينها نائب وزير الخارجية، وسفير الولايات المتحدة لدى كل من روسيا والأردن، قبل أن يتقاعد عام 2014. وبعد مغادرته العمل الحكومي تولَّى رئاسة مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، التي تُعد من أعرق مراكز الفكر المعنية بالسياسة الخارجية. ثم اختاره الرئيس السابق بايدن عام 2021 مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية، ليصبح أول دبلوماسي محترف يقود الوكالة في تاريخها.

مصدر الصورة مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز (وسط) ومديرة الاستخبارات الوطنية أفريل هينز عام 2023 (الفرنسية)

ويقدم ليون بانيتا نموذجا مختلفا بعض الشيء؛ فبعد قيادته وكالة الاستخبارات المركزية ثم وزارة الدفاع، واصل نشاطه من خلال معهد بانيتا للسياسات العامة، الذي سبق أن أسسه عام 1997 عقب انتهاء خدمته رئيسا لموظفي البيت الأبيض في إدارة بيل كلينتون، قبل أن يعود إلى المعهد رئيسا لمجلس إدارته عام 2013. ويهدف المعهد إلى تعزيز المشاركة المدنية، وتشجيع الشباب على الانخراط في الخدمة العامة، وإعداد جيل جديد من القيادات القادرة على التعامل مع تحديات السياسات العامة.

إعلان

أما جون برينان، الذي تولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية بين عامي 2013 و2017، فيُشدِّد في مذكراته "غير هيَّاب: نضالي ضد أعداء أمريكا في الداخل والخارج" على أن مغادرة المنصب لا تعني انتهاء مسؤولية المسؤول السابق تجاه الدولة والمجال العام. فمن منظور برينان، تظل على كبار المسؤولين مسؤولية أخلاقية تتمثل في المشاركة في النقاش العام، وشرح طبيعة التهديدات التي تواجه الأمن القومي، والدفاع عن المؤسسات التي خدموا فيها حين يرون أنها تتعرض لسوء الفهم أو التسييس.

ولذلك لم يبتعد برينان عن المجال العام بعد مغادرته الوكالة؛ إذ واصل الكتابة وإلقاء المحاضرات، وانخرط في العمل الأكاديمي والبحثي والإعلامي. فقد عُيِّن باحثا متميزا غير مقيم في جامعة تكساس، ومستشارا أول لمشروع دراسات الاستخبارات فيها، كما انضم إلى مجلس أمناء المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS)، وعمل محللا أول لشؤون الاستخبارات والأمن القومي في شبكتي "إن بي سي" (NBC) و"إم إس إن بي سي" (MSNBC).

مصدر الصورة جون برينان تولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية بين عامي 2013 و2017 (رويترز)

ويطرح جيمس كلابر، المدير الأسبق للاستخبارات الوطنية الأمريكية، رؤية قريبة في مذكراته "حقائق ومخاوف: حقائق قاسية من الحياة في مجال الاستخبارات"، فهو يقدم الكتاب بوصفه محاولة لنقل الخبرة التي راكمها عبر عقود من العمل الاستخباري إلى الجمهور. ويؤكد في أكثر من موضع أن العمل الاستخباري يقوم على التعامل مع الاحتمالات لا اليقين، وأن التقديرات الاستخبارية تُبنَى في كثير من الأحيان في ظل نقص المعلومات وتعارضها، ومن ثم ينظر كلابر إلى الكتابة والعمل العام على أنهما امتداد لدوره بعد التقاعد في شرح طبيعة العمل الاستخباري.

"يصعب العثور على مدير سابق لجهاز استخبارات أمريكي انسحب تماما من المجال العام بعد انتهاء خدمته"

أما مايكل هيدن، الذي قاد كلا من وكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية، فيدافع في كتابه "الهجوم على الاستخبارات: الأمن القومي الأمريكي في عصر الأكاذيب" عن الثقافة التحليلية التي تميز العمل الاستخباري، ويحذر من مخاطر تسييس المعلومات الاستخبارية وتآكل الثقة بالمؤسسات الأمنية. وانطلاقا من هذه الرؤية، واصل هيدن نشاطه في الجامعات والمنتديات الفكرية ومراكز الدراسات، حيث كرَّس جانبا كبيرا من جهوده للمحاضرات والكتابة حول مستقبل الاستخبارات، والتهديدات السيبرانية، والعلاقة بين الأمن القومي والديمقراطية.

في المحصلة يصعب العثور على مدير سابق لجهاز استخبارات أمريكي انسحب تماما من المجال العام بعد انتهاء خدمته. وتكشف هذه النماذج أن نهاية الخدمة في أجهزة الاستخبارات تمهد لمرحلة جديدة عنوانها إنتاج المعرفة والتأثير في النقاش العام.

مصدر الصورة الجنرال مايكل هايدن، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي، يلقي كلمة في الأكاديمية الوطنية للعلوم في واشنطن عام 2017 (الفرنسية)

هل تمثل مراكز الدراسات امتدادا لمجتمع الاستخبارات؟

قد يدفع تكرار انتقال قادة أجهزة الاستخبارات إلى المؤسسات البحثية البعض إلى الاعتقاد بأن هذه المراكز ليست سوى واجهات غير رسمية للدولة، أو أنها تؤدي أدوارا بالنيابة عن مؤسسات الأمن القومي، لكن هذا التصوُّر يتجاهل طبيعة العلاقة بين الطرفين. فمراكز الفكر في العموم لا تخضع في عملها للبيت الأبيض أو وكالة الاستخبارات المركزية، وتتمتع باستقلال قانوني وإداري وتمويلي.

إعلان

على سبيل المثال، تأسست مؤسسة كارنيغي في سياق حركة السلام الأمريكية مطلع القرن العشرين، حين كان أندرو كارنيغي، الصناعي الذي راكم ثروة ضخمة من صناعة الصلب، أحد أبرز الداعمين لحركات السلام. وفي 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1910، بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين، أعلن تخصيص 10 مليون دولار على شكل سندات لإنشاء المؤسسة. واختار كارنيغي إيليهو روت، السيناتور عن نيويورك ووزير الحرب والخارجية الأسبق، ليكون أول رئيس للمؤسسة.

يصف دونالد أبيلسون مراكز الفكر في كتابه "هل تؤثر مراكز الفكر؟" بأنها جزء من مجتمع السياسات، ذلك الفضاء الذي يلتقي فيه المسؤولون الحكوميون والباحثون والدبلوماسيون والعسكريون والخبراء لتبادل الأفكار وصياغة البدائل قبل أن تتحول إلى سياسات عامة. أما توماس مِدفيتز فيرى في كتابه "مراكز التفكير في أمريكا" أن قوة هذه المؤسسات تنبع من تموضعها في موقع وسيط بين 4 حقول اجتماعية: الدولة والجامعة والإعلام والسوق. وهذا التموضع يسمح لها باستقطاب الشخصيات القادرة على التحرُّك بين هذه العوالم المختلفة، وفي مقدمتها كبار مسؤولي الأمن القومي.

"تنبع قوة المؤسسات الفكرية الأمريكية من تموضعها في موقع وسيط بين 4 حقول اجتماعية: الدولة والجامعة والإعلام والسوق"

ومن هذا المنظور، يُعَد انتقال مدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية أو مدير الاستخبارات الوطنية إلى مركز فكر أمرا طبيعيا، فهو لا ينقل معه ما اطَّلع عليه من معلومات سرية، إذ تمنعه القوانين من الإفصاح عنها، ويحمل نوعا آخر من المعرفة يتمثل في فهم آليات عمل دوائر صنع القرار، وكيفية بناء التقديرات وإدارة الأزمات، والقيود التي تحكم عملية صنع القرار السياسي. وهذه الخبرة لا تفقد قيمتها بخروجه من المنصب، بل تزداد أهميتها عندما تُترجم إلى دراسات وكتب وأوراق سياسات ومحاضرات، حيث تُسهِم في نقل الخبرة إلى جيل جديد من الباحثين وصناع القرار.

مصدر الصورة الرئيس الأمريكي ويليام هوارد تافت (وسط) وإلى يمينه أندرو كارنيغي، فيما يظهر إيليهو روت الثاني من اليمين (غيتي)

ويمكن النظر إلى مراكز الفكر بوصفها أحد مستودعات الذاكرة الإستراتيجية للدولة. ففي الولايات المتحدة تتغير الإدارات الرئاسية كل 4 أو 8 سنوات، ويغادر آلاف المسؤولين مواقعهم مع كل وافد جديد إلى البيت الأبيض، لكن التحديات الكبرى لا تتغير بذات الوتيرة، فملفات مثل الصين وروسيا والردع النووي والأمن السيبراني، لا تبدأ مع كل إدارة من نقطة الصفر، وتحتاج إلى تراكم في الخبرة والتحليل. ولو أقصيت هذه الخبرة من المجال العام بخروج أصحابها من مناصبهم، لفقدت الدولة جزءا مهما من قدرتها على التفكير الإستراتيجي.

ومن ثم، توفر مراكز الفكر إطارا مؤسسيا يتيح استمرار هذه الخبرة خارج البنية الرسمية للدولة. فهي تستوعب المسؤولين السابقين، وتتيح لهم مواصلة البحث والكتابة، وإدارة الحوارات المتخصصة، وتدريب الباحثين الشباب، وصياغة أوراق السياسات، وكذلك توفر لهم أدوات البحث العلمي ومناهجه، بما يساعدهم على تدوين خبراتهم وتحويلها إلى معرفة قابلة للتداول.

"توفر مراكز الفكر إطارا مؤسسيا يتيح استمرار هذه الخبرة خارج البنية الرسمية للدولة"

ولا يعني ما سبق انفصال مراكز الفكر عن مؤسسات الدولة، ولا ذوبانها فيها. فكثيرا ما تنشر هذه المؤسسات دراسات تنتقد السياسات الرسمية، أو تدعو إلى مراجعتها، أو تقدم بدائل تختلف عن توجهات الإدارة القائمة. ولذلك يمكن وصف العلاقة بين الجانبين بأنها علاقة اعتماد متبادل؛ إذ تحتاج الدولة إلى المعرفة التي تنتجها هذه المؤسسات، بينما تحتاج مراكز الفكر إلى الخبرة التنفيذية التي يحملها المسؤولون السابقون، وإلى قدرتهم على فهم لغة صناع القرار وآليات تفكيرهم.

إعلان

وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا تختار المؤسسات البحثية رؤساء أجهزة الاستخبارات لقيادتها، بينما تزخر الجامعات الأمريكية بباحثين يمتلكون سجلات علمية أكثر ثراء، وخبرة أطول في البحث والنشر؟ وما الذي يملكه هؤلاء ولا يستطيع غيرهم تقديمه؟

اختيار رؤساء أجهزة الاستخبارات لقيادة مراكز الفكر يثير تساؤلات حول أسباب تفضيلهم على الأكاديميين (الفرنسية)

لماذا تفضل مراكز الدراسات قادة الاستخبارات؟

للوهلة الأولى، قد يبدو أن تعيين هَينز وأمثالها يعود إلى المكانة المعنوية التي يتمتع بها المسؤولون السابقون، أو إلى رغبة المؤسسات البحثية في الاستفادة من أسمائهم اللامعة. ولكن هذا التفسير لا يصمد طويلا أمام معطيات أخرى. فمراكز الفكر الكبرى لا تعاني نقصا في الشخصيات المرموقة، كما أن قدرتها على استقطاب كبار الأكاديميين لا تقل عن قدرتها على استقطاب المسؤولين الحكوميين. ولو كان معيار الاختيار هو الإنتاج العلمي، لكان الأولى أن يتولى قيادتها أساتذة الجامعات أكثر من رؤساء أجهزة الاستخبارات.

ويكشف ذلك أن هذه المؤسسات تبحث عن نوع مختلف من رأس المال المهني، يتمثل في الخبرة التي يكتسبها المسؤول خلال سنوات عمله الحكومي. فمدير جهاز الاستخبارات، إلى جانب اطلاعه على المعلومات السرية، يراكم فهما عميقا لكيفية صنع السياسات، وآليات تفاعل المؤسسات المختلفة، وكيفية موازنة البدائل تحت ضغط الوقت، والقيود التي تفرضها السياسة والموارد على صانع القرار. وهذه الخبرة هي ثمرة الممارسة اليومية داخل أعلى مستويات الدولة.

ويؤكد مارك لوينثال، أحد أبرز منظري دراسات الاستخبارات، في كتابه "الاستخبارات: من السرية إلى السياسات"، على ضرورة التفريق بين المعلومات والاستخبارات، فالمعلومات مادة خام، أما الاستخبارات فهي نتاج عملية تحليل تهدف إلى مساعدة صانع القرار في فهم الواقع والاختيار بين البدائل. ومن هذا المنظور، لا يقتصر ما يكتسبه المسؤول الاستخباري خلال مسيرته المهنية على معرفة المعلومات السرية، فالأهم هو القدرة على تحويل كم هائل من البيانات المتناقضة إلى تقدير إستراتيجي يمكن الاعتماد عليه، فضلا عن بناء السيناريوهات، وقياس الاحتمالات، وتقدير المخاطر، والعمل في بيئة يسودها نقص المعلومات وعدم اليقين. وهذه المهارات ترافق صاحبها أينما انتقل، ولذلك تظل ذات قيمة كبيرة داخل مراكز الفكر، كما هي داخل مؤسسات الدولة.

"تمتد قيمة المسؤول الاستخباري السابق إلى شبكة العلاقات التي راكمها خلال عقود من العمل"

كذلك تمتد قيمة المسؤول الاستخباري السابق إلى شبكة العلاقات التي راكمها خلال عقود من العمل. فمراكز الفكر المعنية بالأمن القومي تؤثر في السياسات بقدرتها على التواصل مع صناع القرار، واستقطاب الخبراء، وفهم الأولويات التي تشغل المؤسسات الحكومية. ومن ثم، فوجود مدير سابق لجهاز استخبارات على رأس عملها، يمنحها رصيدا إضافيا من الثقة والمصداقية داخل مجتمع الأمن القومي، ويعزز قدرتها على الوصول إلى دوائر صنع القرار والتفاعل معها.

كتاب "الاستخبارات: من السرية إلى السياسات" لمارك لوينثال (الجزيرة)

هل هي ظاهرة أمريكية؟

قد يوحي تركيز الأمثلة السابقة على الولايات المتحدة بأن انتقال قادة أجهزة الاستخبارات إلى مراكز الفكر يمثل خصوصية فرضتها كثافة هذه المؤسسات في واشنطن، أو طبيعة تداول السلطة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ولكن النظر إلى تجارب دول أخرى يكشف أن الظاهرة أكثر انتشارا، وإن اختلفت صورها من دولة إلى أخرى.

وتقدم بريطانيا المثال الأقرب إلى الحالة الأمريكية، وإن كان أكثر ارتباطا بالجامعات والمؤسسات البحثية. فقد صار انتقال كبار مسؤولي جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6) إلى العمل البحثي والأكاديمي مسارا مألوفا خلال العقود الأخيرة. ويبرز في هذا السياق السير جون ساورز، الذي تولى رئاسة الجهاز بين عامي 2009 و2014، ثم انضم بعد تقاعده إلى المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) والمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، وواصل الكتابة وإلقاء المحاضرات والمشاركة في النقاشات المتعلقة بالأمن الدولي والجغرافيا السياسية.

كما انتقل ريتشارد ديرلوف، الرئيس الأسبق للجهاز، إلى جامعة كامبريدج، حيث تولى رئاسة مبادرة كامبريدج الأمنية التي تهدف إلى الربط بين الحكومة والأكاديميا وقطاع الأعمال في قضايا الأمن والاستخبارات. بينما أصبح نايجل إنكستر، المدير السابق للعمليات والاستخبارات في الجهاز، أحد أبرز الباحثين في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، متخصصا في قضايا الصين والأمن السيبراني والتنافس بين القوى الكبرى.

إعلان

ولا تختلف التجربة البريطانية كثيرا عن نظيرتها الأمريكية، فالمؤسسات البحثية الكبرى مثل تشاتام هاوس والمعهد الملكي والمعهد الدولي طوَّرت عبر عقود علاقات وثيقة مع وزارتيْ الخارجية والدفاع، وأجهزة الاستخبارات، وتستقطب بصورة منتظمة مسؤولين سابقين في هذه المؤسسات للاستفادة من خبراتهم العملية وشبكات علاقاتهم.

ريتشارد ديرلوف الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني عام 2008 (الفرنسية)

أما التجربة الإسرائيلية، فتكشف مستوى أكبر من التشابك بين المؤسستين الأمنية والبحثية. ويُعد رؤوفين شيلواح، أول رئيس للموساد، من أوائل من طرحوا فكرة إنشاء مؤسسة بحثية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط، مستلهما تجربة المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) في بريطانيا. وتجسدت هذه الفكرة في معهد شيلواح، الذي تأسس مقره عام 1959 داخل شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وحظي برعاية "الجمعية الإسرائيلية للدراسات الشرقية"، ثم اتخذ عام 1983 اسم مركز موشيه دايان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، وجمع منذ بداياته بين الباحثين الأكاديميين وخبراء المؤسسة الأمنية، واضطلع في مراحله الأولى ببعض الدراسات ذات الطابع السري قبل أن يتحول إلى مؤسسة أكاديمية.

وتتجلى العلاقة بين الاستخبارات والإنتاج البحثي بصورة أبرز في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، الذي يعد اليوم أبرز مركز تفكير متخصص في قضايا الأمن والإستراتيجية في إسرائيل. ويرجع تأسيسه إلى حرب أكتوبر 1973، حين خلص عدد من القادة إلى الحاجة إلى مؤسسة بحثية مستقلة تراجع الفرضيات التي تبني عليها أجهزة الاستخبارات والمؤسسة العسكرية تقديراتها الإستراتيجية. ومن ثم تأسس عام 1978 مركز جافي للدراسات الإستراتيجية بقيادة اللواء احتياط أهارون ياريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، قبل أن يتطور عام 2006 إلى معهد دراسات الأمن القومي، مع توسيع نطاق اهتمامه ليشمل مختلف أبعاد الأمن القومي الإسرائيلي.

"لا تنظر الدول إلى الخبرة الاستخبارية على أنها مورد ينتهي بانتهاء الخدمة"

ولعل ما يميز هذا المعهد هو العلاقة الوثيقة التي تربطه بقيادات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فمنذ تأسيسه تعاقب على قيادته عدد من رؤساء شعبة الاستخبارات العسكرية، بدءا من مؤسسه أهارون ياريف، ثم عاموس يادلين، الذي تولَّى رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية قبل إدارة المعهد بين عامي 2011 و2021، وصولا إلى تامير هيمان، الرئيس السابق للشعبة، والذي يقود المعهد منذ عام 2024. كما يضم المعهد عشرات الجنرالات المتقاعدين، وضباط الاستخبارات السابقين، والدبلوماسيين، وكبار المسؤولين الأمنيين، ما جعله أحد أهم المنصات التي تواصل من خلالها النخبة الأمنية الإسرائيلية الإسهام في النقاشات الإستراتيجية وصنع السياسات بعد مغادرة الخدمة.

وتكشف المقارنة بين الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل أن هذه الدول لا تنظر إلى الخبرة الاستخبارية على أنها مورد ينتهي بانتهاء الخدمة، بل تراها بمثابة رأس مال ينبغي الحفاظ عليه، وإعادة توظيفه في إنتاج المعرفة، وتدريب الأجيال الجديدة، وإثراء النقاشات التي تسبق صناعة القرار.

عاموس يادلين الجنرال الإسرائيلي المتقاعد والمدير التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي عام 2020 (الفرنسية)

خلاصات مستفادة

لقد تشكَّل في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ما يمكن وصفه بمجتمع الأمن القومي خلال النصف قرن الأخير، وهو فضاء مؤسسي تتفاعل داخله أجهزة الاستخبارات والجامعات ومراكز الفكر ووسائل الإعلام والمؤسسات الاستشارية، في عملية نشطة لإنتاج المعرفة الإستراتيجية وتداولها. وضمن هذا الإطار، لا يعني انتقال المسؤول من الجهاز الاستخباري إلى مركز الدراسات أو العكس خروجا من مجتمع الأمن القومي.

ويوضح تعيين أفريل هينز، ومن سبقوها، أن الرصيد الأهم الذي يحمله قادة الاستخبارات بعد مغادرة مناصبهم يتمثل في الخبرة المؤسسية التي راكموها عبر سنوات من المشاركة في صنع القرار، وإدارة الأزمات، وبناء التقديرات، والتعامل مع بيئة يغلب عليها عدم اليقين. وفي المقابل تستمد مراكز الدراسات جانبا مهما من تأثيرها من قدرتها على الجمع بين البحث العلمي والخبرة التنفيذية، وبين الاستقلال الفكري والقرب من دوائر صنع القرار. وكلما نجحت في الحفاظ على هذا التوازن، ازدادت قدرتها على إنتاج معرفة قابلة للتطبيق، دون أن تتحول إلى مجرد صدى للسياسات الرسمية.

ومن ثم، تفسر هذه العلاقة استمرار ظاهرة "الباب الدوار" بين الحكومات ومراكز الفكر في عدد من الدول الغربية، كما تكشف جانبا من الطريقة التي تدير بها هذه الدول خبراتها البشرية، وتحولها إلى معرفة قابلة للتداول والتعليم والنقد، بدلا من أن تنتهي بخروج أصحابها من الخدمة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا