في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
سيحتاج مايك روجرز -مرشح الحزب الجمهوري عن ولاية ميشيغان- إلى اختبار قواعده الانتخابية، بعد قراره التخلي عن الحملة الإعلانية المدعومة من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أ يباك)، وهو ما يشكل ضربة جديدة لهذه المنظمة وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
ووفق المعلومات التي نشرها موقع أكسيوس الأمريكي، تحدث روجرز مع رئيس "أيباك" مايكل توشين في لوس أنجلوس الأسبوع الماضي، قبل أن توقف المنظمة في اليوم التالي بث إعلان فيديو كان يستهدف منافسه الديمقراطي عبدول السيد، المعروف بانتقاده الشديد لإسرائيل، رغم إنفاقها أكثر من 30 مليون دولار في الحملة.
ورغم دعمه القوي لإسرائيل، تُفسَّر خطوة روجرز بمخاوف من أن يشكل الدعم العلني لـ"أيباك" نقطة ضعف في انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، حيث يخوض روجرز الانتخابات في ولاية متأرجحة ( ميشيغان) تضم إحدى أكبر الجاليات العربية الأمريكية في البلاد، مما يدفعه إلى توخي الحذر في تعامله مع إسرائيل وغزة.
وأظهرت نتائج استطلاع رأي أجرته "فوكس نيوز" مؤخرا أن 55% من ناخبي ميشيغان يعارضون استمرار المساعدات الأمريكية لإسرائيل. ويقول متابعون إن هذا التوتر غير المسبوق يبرز مدى تراجع مكانة "أيباك" السياسية وسط غضب الناخبين من الحرب في غزة، وهو سياق دفع عبدول السيد وغيره إلى انتهاج تكتيكات معاكسة أضعفت كثيرا من النفوذ التقليدي لجماعات الضغط.
ويبرز هذا خاصة في ميل المرشحين المستقلين إلى الاستقطاب المباشر للناخبين والتشهير بالإنفاق المالي الضخم بوصفه دليلا على نفوذ المال السياسي الفدرالي لجمع التعاطف الشعبي.
سبق أن أنفقت المنظمة ملايين الدولارات لدعم المرشحة المعتدلة هيلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي في ميشيغان. لكن المرشح التقدمي عبدول السيد فاز في نهاية المطاف في الانتخابات التمهيدية، فيما وُصف بأنه سباق حاسم للحزب.
وقد جعل السيد من "أيباك" محورا أساسيا لحملته الانتخابية التمهيدية الناجحة، مستخدما إنفاق المجموعة ضده لتصوير منافسته الديمقراطية هايلي ستيفنز على أنها خاضعة لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
وفي حملته، وصف السيد إسرائيل بأنها "دولة مارقة"، واتهمها بارتكاب الإبادة الجماعية والفصل العنصري، لكنه تفادى الإجابة عما إذا كان لإسرائيل الحق في الوجود كدولة يهودية.
ووفق موقع بوليتيكو، ضخت لجان العمل السياسي "سوبر باك" أكثر من 5 ملايين دولار في الأسابيع الأخيرة لدعم إعلانات مؤيدة لميليسا هيرنانديز، وأخرى تهاجم عائشة وهاب في انتخابات الكونغرس بكاليفورنيا للفوز بمقعد إريك سوالويل المستقيل.
وتشمل هذه النفقات بحسب المصدر نفسه 1.2 مليون دولار من مشروع الديمقراطية المتحدة، المدعوم من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك"، و2.1 مليون دولار من لجنة أمريكا الجريئة "بولد أمريكا باك".
مع أن "أيباك" قامت بتوسيع إنفاقها السياسي بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، حيث ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن المنظمة ضاعفت إنفاقها ليصل إلى 67.2 مليون دولار، إلا أنها مُنيت بسلسلة من الهزائم البارزة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.
ويشير ملاحظون إلى أن الهزائم المتتالية لا تعكس فقط تراجعا في نفوذ جماعات الضغط، بل هي مؤشر على تحول بنيوي في المشهد السياسي الأمريكي، مع انتقال هذه الجماعات من مرحلة "الهيمنة التوافقية غير المعلنة" إلى مرحلة "الاستقطاب والمواجهة المباشرة".
ويتجلى هذا التغيير على الأقل عبر مسارين متوازيين:
لكن أبعد من ذلك، فإنه يُنظر إلى تراجع هيمنة هذه الجماعات بوصفه نتاجا طبيعيا لسلسلة من الأسباب العميقة من بينها أساسا اتساع الفجوة بين الأجيال عرقيا ومعرفيا، وهو ما أسهم في ظهور جيل يفكر خارج القوالب القديمة، بجانب التغيرات التقنية المتلاحقة التي عصفت بنفوذ واحتكار الإعلام التقليدي المؤيد لإسرائيل، فضلا عن التصدعات الحزبية بشأن أولويات السياسة الخارجية.
تشير التحولات إلى تراجع تدريجي للتفوق المطلق للعرق الأبيض التقليدي من أصول الأنجلوساكسون والجرمان، لصالح الأمريكيين ذوي الأصول الهسبانية والآسيوية والأفريقية، وهم أقل ارتباطا عاطفيا بالسرديات المرافقة لتأسيس إسرائيل.
ووفقا لمركز "بيو" للأبحاث -الذي يتخذ من واشنطن مقرا له- يحمل 60% من الأمريكيين اليوم صورة سلبية عن إسرائيل، لا ترتبط فقط باستنزاف أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتمويل حملاتها العسكرية التي لا تنتهي، وإنما ترتبط أيضا بالسقوط الأخلاقي والقيمي لتلك الصراعات الموجهة لقتل الأطفال والنساء والمدنيين العزل.
وشهدت مدن وجامعات أمريكية بارزة اعتصامات ومظاهرات نددت بجرائم الحرب الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، مما عكس تحولا ملحوظا في المزاج العام، خصوصا بين فئة الشباب الأمريكي، حيث أظهرت استطلاعات ونقاشات عامة تصاعد الانتقادات لإسرائيل وتراجع مستويات التعاطف التقليدي معها مقارنة بالسنوات السابقة.
ووفقا لـ"معهد الدراسات الإستراتيجية"، فإن تراجع شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة يمس عدة مجموعات دينية "فكل من الكاثوليك والبروتستانت والمسيحيين الإنجيليين البيض الذين تقل أعمارهم عن 50 عاما يصرحون جميعا بأن لديهم رأيا سلبيا تجاه إسرائيل".
ويتوقع مركز "بيو" أنه مع اختفاء الأجيال التي وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية تدريجيا "من المحتمل أن يتفاقم هذا التحول المعادي لإسرائيل، ويتزايد عدد الذين يربطون إسرائيل بنزعة عسكرية عدوانية".
يعتمد الناخبون الشباب في الولايات المتحدة في الغالب على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية لتشكيل مواقفهم السياسية بدل وسائل الإعلام التقليدية التي تحتكرها رؤوس أموال ترتبط بجماعات الضغط الداعمة لإسرائيل.
وقد اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن التأثير المتصاعد لوسائل التواصل الاجتماعي أدى دورا محوريا في تغيير صورة إسرائيل أثناء الحرب على قطاع غزة، لا سيما بين الشباب الأمريكي من الجمهوريين والديمقراطيين، واصفا هذه المنصات بأنها "جبهة حرب" قائمة بحد ذاتها.
وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قال خلال مقابلة أجرتها معه شبكة "ريل أمريكا فويس" الأمريكية إن "أكبر تغيير رأيته خلال ربع قرن ما حدث لإسرائيل واليهود، فقد كان لديهم أقوى لوبي في واشنطن".
وهاجم ترمب زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، الذي يُعَد من أبرز السياسيين اليهود في تاريخ الولايات المتحدة، متهما إياه بالتخلي عن مواقفه السابقة المؤيدة لإسرائيل.
وقال ترمب "انظروا إلى مجلس النواب وإلى أشخاص مثل شومر، لقد أصبح فلسطينيا".
واجه الحزب الديمقراطي انقساما غير مسبوق بشأن حدود الدعم لإسرائيل وأولويات السياسة الخارجية بعد حرب غزة، من ذلك ظهور مواقف متشددة لربط الدعم العسكري بشروط صارمة.
ولكن النقاش امتد أيضا إلى مطالب بمراجعات لأولويات السياسة الخارجية الأمريكية، مثل الحد من التورط العسكري في الشرق الأوسط واستنزاف الموارد المالية لتمويل حروب لا تخص الأمريكيين.
وأظهرت إحصاءات نشرها "معهد الدراسات الإستراتيجية" الذي يتخذ من واشنطن مقرا له، بالتعاون مع "مركز بيو للأبحاث" أن 80% من الديمقراطيين لديهم رأي سلبي إلى حد ما أو سلبي للغاية تجاه إسرائيل، مقابل 41% من الجمهوريين.
وبين الناخبين الشباب المقربين من الحزب الديمقراطي، تبدو الآراء السلبية أكثر حدة، إذ أعرب 85% من الفئة العمرية (18-29 عاما) و83% من الفئة العمرية (30-49 عاما) عن رأي سلبي تجاه إسرائيل.
ووفق تحليلات قدمها برونو ملكي، وهو محلل سياسي ومختص في الاستطلاعات، وميشيل فياض، وهو محلل جيوإستراتيجي، فإن هذه الفجوات لا تشير إلى توقع انهيار مفاجئ للتحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بقدر ما تحذر من استمرار التآكل التدريجي للإجماع بين الحزبين، مما قد يدفع ببلوغ العتبة الحرجة في اليوم الذي يظهر فيه مرشح رئاسي يقدر أن تأييده لإسرائيل سيفقده أصواتا أكثر، لا سيما في ميشيغان أو بنسلفانيا، وهو سيناريو من شأنه أن يهدد وضع إسرائيل في جدول الأولويات الأمريكية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة