في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قصرة (نابلس)- تتشبث كِندا، ذات الأعوام الأربعة، بوالدتها كلما سمعت أصوات المستوطنين المحيطة بمنزلها المحاصر في منطقة رأس العين ببلدة قصرة جنوب نابلس.
وتعيش كندا وشقيقتها حور (عامان ونصف) حالة من الهلع والرعب منذ بدء الهجمات، وفق جدهما عبد الكريم حسان الذي يقول إن كندا أصبحت ترفض استخدام الحمام خوفا من تعرض المنزل لهجوم، بينما أصيبت حور بالزكام وارتفاع الحرارة والاستفراغ، واضطرت العائلة للتخفيف عنها ببعض الأعشاب المتاحة والمسكنات.
ويروي حسان -للجزيرة نت- أن العائلة حاولت الوصول بحور إلى الرعاية الطبية، كما حاولت مركبة إسعاف الوصول إلى المنزل، إلا أن الطريق كان مغلقا بسبب المستوطنين، وتم اعتراض المركبة، فيما لم يتدخل الجيش الإسرائيلي.
يضيف حسان أن الوضع النفسي للأطفال والنساء داخل المنازل المحاصرة يزداد صعوبة، إذ تظل الطفلتان متشبثتين بوالدتهما خوفا من الهجمات، فيما باءت محاولات نقلهما إلى داخل البلدة بالفشل بسبب الحصار.
وتخضع 3 منازل متجاورة على قمة الجبل لحصار مستمر منذ نحو 13 يوما، بعدما وضع مستوطنون خيمة أمام أحد المنازل، وأغلقوا الطريق المؤدي إليها، ومنعوا السكان من الدخول والخروج، فظلوا عالقين في الداخل يراقبون تحركات المستوطنين من النوافذ وكاميرات المراقبة.
ومنذ سنوات طويلة تتعرض قصرة لاعتداءات متكررة من المستوطنين، لكن وتيرة الاعتداءات تصاعدت بصورة ملحوظة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تجلس المسنة الفلسطينية عائشة أبو ريدة (80 عاما)، من بلدة قصرة، إلى جانب نجلها وفيق، تتابع عبر كاميرات المراقبة تحركات المستوطنين المحيطة بمنزل ابنها قصي المحاصر، كما تابعت وصول نجلها الثاني لؤي الاثنين الماضي إلى منزله المحاصر قادما من الولايات المتحدة الأمريكية التي يحمل جنسيتها.
ومنذ بدء الحصار، لم تتمكن عائشة من رؤية نجلها الآخر قصي وزوجته وأحفادها، المحاصرين داخل منزلهم.
لم تبدأ معاناة عائلة أبو ريدة مع بداية الحصار الأخير، بل تعود جذورها إلى 7 أشهر خلت، حين أقام مستوطنون بؤرة استيطانية على قمة جبل رأس العين، على مسافة لا تتجاوز 500 متر من منزل العائلة.
ويقول مالك أبو ريدة، الذي سبق وشارك في التناوب على حراسة منازل أقاربه المحاصرين، إن المحاصرين من أبناء عمومته اتخذوا منذ ذلك الحين قرارا جماعيا بالبقاء بشكل دائم في المنزل، خشية الاستيلاء عليه، من خلال تنسيق يومي يضمن عدم تركه خاليا ولو للحظة، مع محاولة التوفيق بين ذلك وبين حياتهم وأعمالهم.
ويوضح -في حديثه للجزيرة نت- أن عمه، صاحب المنزل المحاصر، وابنه هما الوحيدان اللذان بقيا في داخله، مشيرا إلى أن حمل عمه الجنسية الأمريكية لم يحل دون تعرضه للترهيب والتضييق.
في مكان آخر من البلدة، يروي زياد عودة، إمام وخطيب ومزارع من قصرة، فصلا آخر من المعاناة يبدأ من الأرض ولا ينتهي عند "عتبة البيت".
يقول عودة -للجزيرة نت- إن الكلمة الأدق لوصف ما لحق بعائلته ليست "التأثر" بل "التدمير"، بعدما صادر المستوطنون أكثر من 26 دونما (الدونم يساوي ألف متر مربع) من أراضي الزيتون التي تملكها عائلته.
ويقيس عودة حجم الخسارة بالأرقام؛ إذ كان ينتج سنويا نحو 25 تنكة من زيت الزيتون (العبوة الواحدة تتسع لنحو 16 كيلوغراما)، يحتفظ منها بـ7 أو 8 تنكات لتلبية احتياجات أسرته، ويبيع ما تبقى.
أما اليوم، فلم يعد قادرا على إنتاج أكثر من تنكتين، بعدما بسط المستوطنون سيطرة شبه كاملة على أرضه الواقعة ضمن المناطق المصنفة "ج"، وهي المناطق الخاضعة للإدارة المدنية والأمنية الإسرائيلية الكاملة بموجب اتفاقية أوسلو.
ويقول إن الخروج من قصرة أصبح "أصعب من السفر إلى الأردن أو السعودية"، بعدما بات الوصول إلى نابلس في كثير من الأحيان أكثر صعوبة، بسبب الانتشار العسكري والحواجز الإسرائيلية.
وتطرق المزارع الفلسطيني إلى انعدام الأمان حتى داخل منزله، مشيرا إلى أن سكنه في المنطقة الشمالية من البلدة جعله عرضة للاستهداف المستمر.
واستعاد حادثة اقتحام جيش الاحتلال منزله، حين احتُجز مع أفراد عائلته في غرفة واحدة، بينما خضع المنزل للتفتيش والتخريب، وسُرقت منه أموال ومصاغ ذهبي. وعندما حاول مراجعة الضابط المسؤول، هدده بإطلاق النار عليه فورا إذا تحرك من مكانه.
ولفت عودة إلى الدور الذي يؤديه المستوطنون والجيش في ترهيب سكان البلدة، موضحا أن بعض الجنود هم في الأصل مستوطنون. ودفعه ذلك إلى تركيب كاميرات مراقبة في محيط منزله تحسبا لأي اعتداء.
من موقعه رئيسا للمجلس المحلي، يضع عبد العظيم الوادي ما يجري في سياقه الأوسع. ويقول للجزيرة نت إن اليوم الـ13 من حصار المنازل الثلاثة في جبل رأس العين، غربي قصرة، يمضي، فيما يحتل الجبل -الذي يرتفع 930 مترا عن سطح البحر، ويمكن من قمته رؤية البحر المتوسط والأردن وجبال جرزيم وعيبال- مكانة خاصة في وجدان الأهالي، الذين اعتادوا اللجوء إليه طلبا للراحة النفسية.
ويؤكد الوادي أن للأهالي ارتباطا تاريخيا بنبع المياه في "رأس العين"، الذي كان يروي البلدة بأكملها قبل وصول شبكات المياه إليها عام 2014. ويوضح أن الجبل مصنف بالكامل ضمن مناطق "ب"، أي المناطق الخاضعة للإدارة المدنية الفلسطينية، فيما تبقى السيطرة الأمنية فيها لجيش الاحتلال بموجب اتفاقية أوسلو. كما يبعد الجبل نحو 3 آلاف متر عن أقرب بؤرة استيطانية، وهو ما يعزز، بحسب الوادي، حق الفلسطينيين في البناء والتعمير فيه.
ويحدد الوادي الجهات التي تقف خلف الحصار، موضحا أن أقرب مستوطنة هي "مجدليم"، التي تبعد نحو كيلومترين، بينما ينفذ الحصار فعليا مستوطنون قدموا من الجنوب، من بؤر "إيش كودش" و"كيدا" و"أحيا"، الممتدة من مستوطنتي "شيلو" و"شيفوت راحيل". ويحذر من توسع ما يصفه بـ"الاستيطان الرعوي" على تلال الجنوب.
ويستعرض الوادي حجم التضحيات التي قدمتها البلدة، مشيرا إلى ارتقاء 11 شهيدا منها، 8 منهم بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومصادرة مساحات واسعة من أراضي البلدة في مناطق "ج"، بينها رأس النخل والمعلقة والفرن وعكاشة. ويقول "من ليس لديه شهيد فلديه جريح أو أسير"، لافتا إلى أن الاعتداءات طالت حتى دور العبادة، إذ أُحرق مسجدا النورين والرحمة.
ما تعيشه قصرة ليس حالة استثنائية، بل جزء من مشهد أوسع تشهده الضفة الغربية. ووفق تقرير نصف سنوي صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية عن النصف الأول من عام 2026، بلغ إجمالي اعتداءات الاحتلال بمختلف أذرعه نحو 11 ألف اعتداء، كان للمستوطنين 3488 اعتداء منها.
وأسفرت هذه الاعتداءات خلال الفترة نفسها عن استشهاد 17 فلسطينيا على يد المستوطنين، إلى جانب إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة، واستيلاء الاحتلال على 4379 دونما من الأراضي الفلسطينية. وسجلت محافظات الخليل ورام الله والبيرة ونابلس، التي تقع فيها قصرة، أعلى معدلات الاعتداءات خلال هذه الفترة، بحسب التقرير.
وقبيل حصار جيش الاحتلال والمستوطنون للمنازل الثلاثة في رأس العين، اضطرت عائلة محمود الطوباسي أواخر يوليو/تموز إلى الهجرة وترك منزلها في بلدة جالود المجاورة بعد سلسلة اعتداءات وحصار استمر 3 أشهر.
فالاستيلاء والتهجير ليسا نمطا معزولا عن قصرة وجالود، بل يعكسان واقعا أوسع، إذ وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1430 اعتداء للمستوطنين منذ مطلع عام 2026 استهدفت نحو 260 تجمعا فلسطينيا وأدت إلى تهجير نحو 3800 فلسطيني، نصفهم تقريبا من الأطفال.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة