آخر الأخبار

حلف "الثلاثة الكبار".. كيف يعيد الاتفاق المشترك رسم خريطة الردع بالشرق الأوسط؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

فتحت اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان الباب أمام تساؤلات بشأن أبعادها الإستراتيجية، في ظل مشاركة شخصيات عسكرية وسياسية بارزة في مراسم التوقيع، وما قد تعكسه من ارتباط الاتفاقية بملفات إقليمية تتجاوز التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وفي مقدمتها مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

وفي هذا السياق، قال مدير مكتب الجزيرة في إسلام آباد عبد الرحمن مطر إن قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير حضر توقيع الاتفاقية، مشيرا إلى أنه يُعد المسؤول الباكستاني الأبرز المعني بملف المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ولا سيما ما يتعلق بجهود الوساطة التي تقودها إسلام آباد بين الجانبين.

وأشار مطر إلى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الباكستانية أكد أن الاتفاقية تستند إلى المصالح الإستراتيجية المشتركة للدول الثلاث، وهو ما يعكس، حسب قوله، طبيعة التفاهمات التي تجمع الرياض وأنقرة وإسلام آباد، رغم أن الاتفاقية الحالية تندرج في الإطار الدفاعي.

وأضاف أن الاتفاقية الدفاعية الثلاثية تختلف عن الاتفاقية الإستراتيجية الثنائية الموقعة سابقا بين باكستان والسعودية، موضحا أن الاتفاقية الثنائية كانت تتمتع بغطاء إستراتيجي أوسع يرتبط، وفق ما أعلنه مسؤولون باكستانيون في وقت سابق، بالقدرات النووية التي تمتلكها باكستان وإمكانية استخدامها في إطار الدفاع عن المملكة أو عن باكستان نفسها.

وتركز الاتفاقية الجديدة على مبدأ الدفاع المشترك بين الدول الثلاث، بحيث تلتزم السعودية وتركيا وباكستان بالدفاع عن أي دولة منها إذا تعرضت لهجوم مسلح، وهو ما يمنح الاتفاقية بعدا أمنيا جماعيا يتجاوز إطار التعاون الثنائي التقليدي.

إلى من تُوجه الرسائل؟

من جانبه، رأى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة قائد أعظم بإسلام آباد اشتياق أحمد أن الاتفاقية جاءت استجابة لما وصفه بحالة الفراغ التي تشهدها المنطقة، ولا سيما بعد التطورات الأخيرة، معتبرا أن السعودية كانت من أبرز الدول التي دفعت باتجاه بلورة هذا الإطار الدفاعي.

إعلان

وأوضح أحمد -خلال حديثه للجزيرة- أن الاعتماد السابق على المظلة الأمنية الأمريكية لم يعد كافيا، في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب استمرار التحديات المرتبطة بإيران وحلفائها، وعدم تحقيق سياسات التهدئة التي انتهجتها دول الخليج النتائج المرجوة، فضلا عن استمرار السياسات الإسرائيلية التي قال إنها تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

وكذلك، تحمل الاتفاقية رسالة موجهة إلى إسرائيل، مفادها أن هناك تكتلا إقليميا جديدا يسعى إلى وقف ما وصفه بالتجاوزات الإسرائيلية، مشيرا إلى أن العلاقات الوثيقة بين إسرائيل والهند تمثل أحد عناصر القلق بالنسبة لباكستان، في حين تنظر إسرائيل إلى تركيا باعتبارها أحد التحديات الإقليمية المتصاعدة.

وأشار أحمد إلى أن وجود باكستان ضمن الاتفاقية يمنح السعودية وتركيا، من وجهة نظره، مظلة ردع إضافية في ضوء امتلاك إسلام آباد قدرات نووية، موضحا أن هذه الرسالة تستهدف أيضا منع أي طرف من تجاوز الخطوط الحمراء في المنطقة.

ورأى أن الاتفاقية لا تخلو من تحديات، في مقدمتها العلاقة مع إيران، لكنه اعتبر أن باكستان تمتلك فرصة للقيام بدور دبلوماسي يخفف من حدة التوتر، كما يمكن أن يسهم في معالجة ملفات إقليمية، من بينها الأزمة اليمنية، في ظل ما تمثله المنشآت النفطية والبنية التحتية السعودية من أهمية إستراتيجية.

كيف تتكامل القدرات؟

بدوره، قال الخبير العسكري العميد إلياس حنا إن قوة الاتفاقية تنبع من تكامل القدرات التي تمتلكها الدول الثلاث، موضحا أن عناصر القوة العسكرية لا تقاس فقط بحجم الجيوش، وإنما أيضا بالقدرات السياسية والاقتصادية والمعلوماتية والجغرافية.

وأوضح حنا للجزيرة أن السعودية تمتلك إمكانات مالية وإنفاقا دفاعيا كبيرا، فيما تتميز تركيا بقاعدة صناعات عسكرية متطورة وصلت إلى إنتاج طائرات الجيل الخامس، بينما توفر باكستان عمقا بشريا وخبرة عسكرية إلى جانب امتلاكها قدرات نووية تشكل عامل ردع إستراتيجيا.

وأضاف أن التحالف الثلاثي قد يسهم في إعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي بعد التحولات التي شهدتها المنطقة، مع تراجع دور الفاعلين التقليديين وصعود تحالفات جديدة، معتبرا أن التكامل بين الثروة السعودية، والصناعة العسكرية التركية، والخبرة العسكرية والقدرات النووية الباكستانية، يمكن أن ينتج منظومة ردع أكثر فاعلية.

وأشار إلى أن هذه التحولات تتوافق مع ما وصفه بالمقاربة الأمريكية الجديدة، التي تقوم على تمكين الحلفاء الإقليميين من إدارة أمن مناطقهم، بدلا من الانخراط العسكري المباشر، معتبرا أن واشنطن لن تعارض مثل هذه الترتيبات، بل تنظر إليها باعتبارها جزءا من إعادة توزيع الأدوار في المنطقة.

وأوضح حنا أن الاتفاقية لا تزال في إطارها السياسي، لكنها مرشحة للتطور نحو مستويات أوسع من التعاون، تشمل التنسيق بين القيادات العسكرية، وتبادل الخبرات، وإقامة تدريبات مشتركة، وربما إنشاء آليات دفاع جماعي على غرار المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي.

وقد يمتد التعاون أيضا -حسب حنا- إلى التصنيع العسكري المشترك، وتطوير الصناعات الدفاعية، والاستفادة من الدروس التي أفرزتها الحروب الأخيرة، بما يعزز قدرة الدول الثلاث على الانتقال من الدفاع التقليدي إلى بناء قدرات ردع هجومية ودفاعية أكثر تكاملا.

إعلان

وأكد أن الاتفاقية تمثل في حد ذاتها عنصر ردع لأي جهة قد تفكر في استهداف إحدى الدول الأعضاء، حتى وإن لم تصل إلى مرحلة التدخل العسكري المباشر، مشيرا إلى أن الحد الأدنى المتوقع يتمثل في تعزيز التعاون العسكري، وتبادل المعلومات والخبرات، وتنسيق السياسات الدفاعية، بما يرسخ منظومة أمنية إقليمية جديدة قادرة على التعامل مع تحديات المرحلة المقبلة.

نقطة تحول

وبدوره، وصف الباحث والخبير الإستراتيجي مصطفى جينار الاتفاقية بأنها تمثل "نقطة تحول" في تاريخ الشرق الأوسط، معتبرا أنها ستسهم في إعادة تشكيل الهيكلية الأمنية القائمة وإحداث تغيير في ميزان القوى الإقليمي، بما يوفر آلية ردع في مواجهة أي اعتداءات أو سياسات توسعية تهدد استقرار المنطقة.

وأوضح جينار للجزيرة، أن الاتفاقية لا تقتصر على الجوانب العسكرية، بل تؤسس لإطار أوسع من التعاون الدفاعي بين الدول المشاركة، بما يعزز فرص تحقيق الأمن الجماعي وترسيخ الاستقرار الإقليمي.

وأضاف أن المقاربة التركية تجاه الاتفاقية تستند منذ البداية إلى تعزيز التنسيق مع الحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم قطر والسعودية وسوريا وباكستان، بهدف بناء قاعدة صلبة لتوسيع مجالات التعاون العسكري بين هذه الدول.

وأشار إلى أن أنقرة تنظر إلى هذا التنسيق باعتباره وسيلة لتوفير بيئة أكثر استقرارا في المنطقة، عبر تطوير آليات دفاع جماعي قادرة على مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة، دون أن يقتصر دورها على الردع العسكري فقط.

وخلص جينار إلى أن الاتفاقية تمثل، من وجهة النظر التركية، خطوة عملية نحو ترسيخ مفهوم الأمن الجماعي، وأنها يمكن أن تشكل أساسا لشبكة تعاون إقليمي أوسع تسهم في تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، من خلال تعزيز التنسيق بين الدول المتحالفة وتطوير قدراتها الدفاعية المشتركة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا