على أرضٍ في سفوح جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، حيث بدأت الحياة تعود إليه تدريجيا، بعد سنوات طويلة من القصف والعمليات العسكرية، يقف الشاب إسماعيل بركات لساعات يطرق على حجارة بيضاء استخرجها من جوف الأرض ضمن عملية منظمة تنتج الحجارة المستخدمة في أعمال البناء.
وفي مشهد مألوف من الجبل، حيث اعتاد الأهالي على تقطيع حجارته بحثا عن مصدر رزق في ظل شح فرص العمل، عاد العشرات من العمال إلى مزاولة تلك المهنة الشاقة لتأمين قوت عائلاتهم بعد رحلة لجوء طويلة.
في حديث خاص لـ"سوريا الآن"، يقول العامل بركات، بينما يمسح العرق عن وجهه: "أغلب شباب جبل الزاوية كانوا يعملون في ذات مهنة الحجر في لبنان، وبعد التحرير عدنا إلى بلادنا، نقطع الحجر ومن ثم نبيعه، وفي ذات الوقت هناك فائدة للأرض وفائدة للعمال".
ويشير بركات إلى أن هذه المهنة أصبحت مصدر رزق رئيسيا للعديد من العائلات التي وجدت في الحجر الأبيض بديلا عن فرص العمل النادرة في المنطقة.
يصف إبراهيم بركات وهو عامل آخر في ذات الموقع، قساوة العمل قائلا لـ"سوريا الآن": "شوب وبس؟.. عم تطلع روحنا"، مؤكدا أن العمال يضطرون لقضاء ساعات من العمل في وقت الظهيرة، حيث تبلغ درجات الحرارة ذروتها، وأن الهدف الوحيد الذي يدفعهم للاستمرار هو "إطعام أولادنا".
أما عن الجانب التقني للمهنة، فيذهب جميل شبيب رفقة مراسل "سوريا الآن" في جولة داخل المقلع، موضحا المراحل التي تمر بها قطعة الحجر حتى تصبح جاهزة لأعمال البناء.
يقول شبيب لـ"سوريا الآن": "نحفر عبر الكمبريسة (الكمبروسر) بعمق متر و80 سنتيمترا في الأرض، ونضع مادة البارود ونفجرها لتخرج الحجارة إلى السطح، وبعدها نستخدم الباكر لتكسير الحجارة وتصغير حجمها لتكون مهيأة للعمل اليدوي".
وبعد أن تتوقف الآلات عن العمل، يبدأ الفن اليدوي، ويوضح شبيب أن العمال يتولون تقطيع الحجارة عبر "المهدّة (المطرقة)"، حتى تأخذ شكلا مربعا، مع تنسيق الحواف والجوانب وتقليل السماكة، لتصبح جاهزة للاستخدام ضمن أعمال البناء.
وهذه المرحلة اليدوية رغم مشقتها إلا أنها تتطلب دقة ومهارة، وهي ما يمنح الحجر قيمته ويميزه عن غيره من مواد البناء، وتسهم في رفع أو خفض جودته وبالتالي سعره.
في تقدير للعائد المادي، يذكر شبيب أن العامل الواحد قادر على إنتاج ما بين 50 إلى 60 حجرا يوميا، يتراوح سعر كل منها بين 40 و90 سنتا أمريكيا، وذلك بحسب نقاء الحجر وجودته.
ورغم أن الأرباح قد تبدو متواضعة، إلا أنها تشكل دخلا ثابتا لعائلات بأكملها في منطقة تعاني من شح فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة.
ويوضح شبيب أن هذه الحجارة البيضاء تشهد إقبالا متزايدا من قبل الأهالي لاستخدامها في أعمال البناء، باعتبارها أكثر متانة وجودة من البلوك الإسمنتي، ما يضمن استمرار الطلب عليها.
المصدر:
الجزيرة