وأشار المحللان نيك روبيرتسون وتيم ليستر، إلى أنه خلال الأسبوع الماضي، واجهت المملكة هجمات صاروخية من الحوثيين في اليمن، وهجمات بطائرات مسيرة من ميليشيات موالية لإيران في العراق، فضلا عن تهديدات متجددة من طهران. وفي وقت مبكر من صباح الأربعاء، أصبح واضحا أن خيار ضبط النفس لم يعد متاحا، بعد أن شنت مقاتلات سعودية -بالتنسيق مع طائرات أمريكية- ضربات في شرق العراق.
ويشير التحليل إلى أن المخاطر المترتبة على الانخراط في صراع أوسع نطاقا "جسيمة" وقد تكون "باهظة التكلفة" بالنسبة للرياض، التي ركزت خلال العقد الماضي على الانفتاح أمام الاستثمارات الأجنبية والتحول إلى قوة اقتصادية إقليمية، مما دفعها إلى تبني سياسة تهدئة مع إيران أثمرت عن اتفاق توسطت فيه الصين عام 2023. وهذه الاستراتيجية باتت الآن في حالة حرجة، إذ تجد السعودية نفسها في مواجهة خصوم لا يمكن التنبؤ بتصرفاتهم، ويتقنون فنون الحرب غير المتكافئة من ثلاث جهات مختلفة.
ورغم إنفاق المملكة عشرات المليارات من الدولارات لتحديث جيشها وشراء أنظمة دفاع صاروخي متطورة، إلا أنها تواجه تحديات مرتبطة بمساحتها الشاسعة وضرورة حماية سواحلها ومنشآتها النفطية الموزعة جغرافيا.
وفي عطلة نهاية الأسبوع، أطلق الحوثيون صواريخ استهدفت مجمعين نفطيين سعوديين على ساحل البحر الأحمر، مما تسبب في أضرار جسيمة في منشأة جازان القريبة من الحدود مع اليمن، وذلك عقب هجمات استهدفت ناقلتين سعوديتين في البحر الأحمر، بعد أن أعلنت الجماعة فرض حصار على حركة الملاحة السعودية العابرة لمضيق باب المندب.
وتخطط المملكة لزيادة صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر إلى نحو 9 ملايين برميل يوميا خلال السنوات الثلاث المقبلة، غير أن ناقلات النفط المغادرة من مدينة ينبع إلى الأسواق الآسيوية تضطر للمرور عبر مضيق باب المندب، مما يجعل نحو ثلاثة أرباع الصادرات التي تمر عبر البحر الأحمر عرضة لعرقلة الحوثيين.
وقد أمضت المملكة سبع سنوات في محاولات لم تكلل بالنجاح لإزاحة الحوثيين من شمال اليمن، وأدت الحرب إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وفي عام 2022، تم التوصل إلى هدنة لم تتحول إلى سلام دائم.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، اتهم الحوثيون الرياض بقصف مطار صنعاء لمنع هبوط رحلة مباشرة قادمة من طهران، مما أدى إلى موجة جديدة من العنف بلغت ذروتها في الهجمات الصاروخية الأخيرة.
ويرى المحللون أن الرد السعودي في الوقت الراهن سيقتصر على الغارات الجوية، حيث تمتلك القوات الجوية السعودية قدرات متطورة في رصد وتتبع التهديدات العسكرية المتفرقة، مع وجود احتمال لاستمالة الحوثيين بالمال، إذ دأبوا على المطالبة بسيولة نقدية لسداد رواتب الموظفين العموميين وعناصر الميليشيا.
وفي جنوب العراق، شنت ميليشيات موالية لإيران هجومين بطائرات مسيرة استهدفا بنية تحتية سعودية والعاصمة الرياض، وردت المملكة بـ"ضربات دقيقة وموجهة" ضد ميليشيات في شرق العراق، مؤكدة أنها "لا تسعى إلى التصعيد، لكنها سترد على أي عدوان تتعرض له"، في خط أحمر جديد.
وتواجه المملكة خيارا صعبا بحسب التحليل: إما الرد المباشر والانجرار إلى أتون الحرب، أو غض الطرف مما قد يعزز جرأة النظام الإيراني. وتواجه الرياض تداعيات اقتصادية كبيرة، حيث سجلت في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري أكبر عجز ربع سنوي لها منذ عام 2018، نتيجة لزيادة الإنفاق وتأثير الحرب على الاقتصاد. ورغم أن ارتفاع الإيرادات الناجم عن صعود أسعار النفط قد ساهم في تعويض جزء من هذا العجز، إلا أن أي اضطراب إضافي في إنتاج النفط وتصديره سيعرض هذا المكسب للخطر.
وفي نهاية المطاف، تجد السعودية نفسها في قلب منطقة تبدو أكثر تهديدا مما كانت عليه في 28 فبراير، وهو اليوم الذي اندلعت فيه الحرب. ويشعر المسؤولون السعوديون بالذهول جراء التقلبات الحادة في سياسات الرئيس ترامب تجاه إيران وغزة، مع قلق متزايد من احتمال ترك المملكة وحيدة لمواجهة إيران بمجرد أن يفتر الاهتمام الأمريكي بالمنطقة.
ودفعت هذه التطورات الرياض إلى اتخاذ قرار حاسم، بعد أن أدركت أن هناك حداً أقصى لما يمكنها تحمله من إجراءات عقابية قبل أن تضطر إلى الرد، وسط مخاوف من أن تؤدي هذه التطورات إلى مزيد من التصعيد في المنطقة، خاصة مع تعقيد المشهد العراقي وتشابكه مع الصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران، مما يضع الحكومة العراقية في موقف صعب بين الحفاظ على علاقاتها مع الجانبين وحماية سيادتها الوطنية.
وفي هذا السياق، يبقى الأمل معقودا على نجاح الجهود الدبلوماسية في احتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية أوسع، خاصة مع استمرار التنسيق السعودي الأمريكي في مواجهة التهديدات المشتركة، مع بقاء الرياض ملتزمة بحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية.
وقد أعربت عدة دول خليجية وعربية عن تضامنها مع السعودية، فيما أكدت بغداد تمسكها بسيادتها ورفضها أن تكون أرضها منطلقا لأي عدوان، مع استمرار التنسيق مع المجتمع الدولي لحل الخلافات بالطرق الدبلوماسية. وقد حذّر المراقبون من أن استمرار هذه الهجمات قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، خاصة مع تعقيد المشهد العراقي الداخلي وتشابكه مع الصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران، مما يضع الحكومة العراقية في موقف صعب بين نارين: الحفاظ على علاقاتها الطيبة مع الجانبين وحماية سيادتها الوطنية.
المصدر: RT + سي إن إن
المصدر:
روسيا اليوم