باتت الهدنة التي صمدت بين السعودية والحوثيين منذ عام 2022 تبدو عملياً في حكم المنتهية، مع عودة الهجمات المتبادلة بين الجانبين وتصاعد المؤشرات إلى احتمال استئناف المواجهة العسكرية، في ظل تبادل الاتهامات والضربات التي تعد الأولى من نوعها منذ سنوات، وتحذيرات محللين من دخول النزاع مرحلة جديدة.
أعلن الحوثيون، الإثنين، استهداف مطار أبها في جنوب السعودية بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في أول هجوم على المملكة منذ سنوات. وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع إن العملية جاءت رداً على ما وصفه باستهداف السعودية مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفداً حوثياً عائداً من تشييع المرشد الايراني الراحل علي خامنئي.
كما حذّر سريع شركات الطيران من التحليق في الأجواء السعودية "قبل رفع الحصار عن مطار صنعاء".
في المقابل، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية أن الدفاعات الجوية اعترضت تهديداً بصواريخ باليستية أطلقتها جماعة أنصار الله "الحوثيين" باتجاه المنطقة الجنوبية من المملكة.
وقال مصدر خليجي مطّلع لوكالة فرانس برس إن " الجيش السعودي سيرد بكل قوة وبلا هوادة على الهجوم على مطار أبها المدني"، مؤكداً أن "الأعيان المدنية السعودية خط أحمر".
ورأى الباحث في مركز تشاتام هاوس في لندن، فاريا المسلمي، أن التطورات الأخيرة تمثل تحولاً خطيراً، قائلاً: "أعتقد أن الأمر لا يستهان به"، مضيفاً أن الهجمات "وضعت نهاية رسمية للهدنة" التي استمرت فعلياً رغم انتهاء مدتها.
وأشار إلى أنه يتوقع تكثيف الضربات السعودية ضد الحوثيين، مضيفاً: "لن أفاجأ إذا رد الحوثيون في البحر الأحمر".
من جهته، قال محمد الباشا، من شركة "باشا ريبورت" الاستشارية للمخاطر ومقرها الولايات المتحدة، إن الاتصالات بين الجانبين لم تتوقف رغم التصعيد العسكري.
وأضاف لوكالة فرانس برس: "استمرت المناقشات بشأن ملف اليمن من دون انقطاع منذ هذه الجولة الأخيرة من التصعيد"، مشيراً إلى أن الطرفين كانا يستعدان في الوقت نفسه لاحتمال العودة إلى الحرب إذا انهارت المحادثات.
وكانت حدة التوتر قد ارتفعت خلال الأيام الماضية بعدما اتهم الحوثيون السعودية باستهداف طائرة إيرانية في صنعاء أثناء هبوطها وإقلاعها، بينما كانت تقل الوفد المتجه إلى تشييع خامنئي.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس اتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط مع تجدّد تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران، إذ تبدو طهران أكثر ميلاً، عبر حلفائها الحوثيين، إلى تحدي السيطرة التي يفرضها التحالف بقيادة السعودية على الأجواء اليمنية، من خلال تشغيل رحلات مباشرة بين طهران وصنعاء من دون طلب إذن مسبق.
ولأكثر من عشر سنوات، كانت أي طائرة تدخل المجال الجوي اليمني تحتاج إلى تصريح من التحالف الذي يدعم الحكومة اليمنية.
وخلال الأشهر الماضية، حذر الحوثيون من أنهم سيتخذون إجراءات حازمة إذا تعرضت قواتهم للاستهداف في إطار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
ورغم تنفيذهم هجمات على سفن قالوا إنها مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر خلال الحرب في غزة، فإنهم امتنعوا عن استهداف أهداف في الخليج، وبقوا إلى حد كبير خارج دائرة المواجهة الأميركية الإيرانية المباشرة.
وقبل إعلانهم مسؤوليتهم عن الهجمات الأخيرة، نشر الحوثيون مقطع فيديو دعائياً تضمن صوراً التقطتها الأقمار الصناعية لمطارات وموانئ سعودية مع تحديد مواقعها، متوعدين بالرد.
ويقول محللون إن الجماعة، انطلاقاً من مناطق سيطرتها المطلة على البحر الأحمر، تمتلك القدرة على تعطيل حركة الملاحة البحرية واستهداف منشآت تصدير النفط السعودية على الساحل، والتي تضخ ملايين البراميل يومياً إلى الأسواق العالمية.
ويرى مراقبون أن أي تصعيد في البحر الأحمر قد تكون له انعكاسات اقتصادية واسعة، لا سيما بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الإثنين، إعادة فرض الحصار على الموانئ الإيرانية، عقب تجدد تبادل الضربات مع طهران، وهو ما ساهم بالفعل في ارتفاع أسعار النفط العالمية.
ويسيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء منذ عام 2014 بعدما شنوا هجوماً على القوات الحكومية تطور إلى حرب سيطروا خلالها على مساحات واسعة من البلاد، قبل أن يتدخل تحالف عسكري بقيادة السعودية دعماً للحكومة، ليتحول النزاع إلى حرب مدمرة.
وفي عام 2022، توصل الطرفان إلى هدنة لمدة ستة أشهر، لكنها استمرت عملياً حتى بعد انتهاء مدتها، وتعززت عقب الاتفاق الإيراني السعودي الذي أُعلن في آذار/مارس 2023 بعد سنوات من القطيعة.
وساهمت الهدنة في وقف حرب أودت بحياة عشرات الآلاف وتسببت في أزمة إنسانية واسعة، لكنها لم تؤدِ إلى إنهاء سيطرة الحوثيين على المناطق التي يسيطرون عليها.
المصدر:
يورو نيوز