توجه الناخبون في الجزائر ، صباح الخميس، إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء المجلس الشعبي الوطني (البرلمان)، في استحقاق تشريعي يُعدّ من أبرز المحطات السياسية في البلاد، كونه يأتي بعد سلسلة من الإصلاحات الدستورية والقانونية التي شملت النظام السياسي والانتخابي في أكبر بلد عربي وإفريقي من حيث المساحة.
وتُعد هذه الانتخابات الأولى التي تُجرى عقب التعديل الدستوري الصادر في مارس/آذار 2026، وما رافقه من تعديل لقانون الانتخابات وإصدار قانون عضوي جديد للأحزاب السياسية، وهو ما أحدث تغييرات في تنظيم العملية الانتخابية وتوزيع الصلاحيات والإطار القانوني للعمل الحزبي.
وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها في مختلف الولايات (المحافظات) الجزائرية منذ الساعة الثامنة صباحاً بالتوقيت المحلي، على أن تستمر العملية إلى غاية السابعة مساء، وسط متابعة إعلامية ورسمية.
ويشارك في هذا الاستحقاق أكثر من 24 مليون ناخب لاختيار 407 نواب في ثاني انتخابات تشريعية بعد الحراك الشعبي لعام 2019، في سياق سياسي تعتبره السلطات مرحلة ترسيخ مؤسسات الدولة، بينما تترقب مختلف الأطراف السياسية نسبة المشاركة وتركيبة البرلمان المقبل الذي سيقود المرحلة التشريعية الجديدة لمدة خمس سنوات.
تشهد هذه الانتخابات تراجعاً واضحاً في زخم السباق نحو البرلمان مقارنة بالاستحقاق السابق. فقد انخفض إجمالي المرشّحين بشكل لافت من أكثر من 25 ألف مرشح في اقتراع 2021 إلى نحو 10 آلاف مترشح فقط في الانتخابات الحالية، ما يعكس تقلصاً في مستوى الإقبال على الترشح.
كما سُجل تراجع كبير في عدد القوائم الانتخابية المسجّلة، حيث تم تقديم 852 قائمة فقط في هذا الاستحقاق، مقابل حوالي 2490 قائمة في انتخابات 2021، أي بانخفاض يتجاوز 65 بالمئة. ويعكس هذا التراجع تغيّراً في ديناميكية الترشح مقارنة بالاستحقاقات السابقة.
أما القوائم المستقلة، فقد عرفت بدورها انخفاضاً حاداً، إذ تراجع عددها من أكثر من 1200 قائمة في انتخابات 2021 إلى 125 قائمة فقط في الاستحقاق الحالي، ما يشير إلى تقلص حضور هذا النمط من الترشح بشكل واضح داخل المشهد الانتخابي.
وتُعد الانتخابات التشريعية في الجزائر استحقاقاً يختار فيه المواطنون أعضاء المجلس الشعبي الوطني ، وهو "الغرفة السفلى" في البرلمان، الذي يتولى مهام سنّ القوانين ومناقشة مشاريع الحكومة والمصادقة على الميزانية، إلى جانب مراقبة العمل الحكومي عبر الآليات البرلمانية مثل الأسئلة ولجان التحقيق، مع صلاحية منح الثقة أو سحبها وفق ما ينص عليه الدستور.
وتمتد العهدة البرلمانية لخمس سنوات قابلة للتجديد، ما لم يتم حلّ المجلس قبل انتهاء مدته وفق الحالات التي يحددها الدستور، فيما يتكون المجلس من 407 مقاعد موزعة على 77 دائرة انتخابية، تشمل 69 دائرة داخل البلاد و8 دوائر مخصصة للجالية الجزائرية في الخارج بحسب التوزيع السكاني. ولا ينص القانون الانتخابي على إلزامية التصويت، ما يجعل المشاركة في الاقتراع حقاً اختيارياً وليس واجباً قانونياً، وهو ما يجعل نسب الإقبال مؤشراً سياسياً مهماً في كل استحقاق انتخابي.
ويعتمد نظام التصويت على التمثيل النسبي وفق القوائم، مع اعتماد صيغة “القائمة المفتوحة” التي تسمح للناخب باختيار قائمة واحدة مع إمكانية منح أصوات تفضيلية لمرشحين داخلها، دون السماح بالمزج بين مرشحين من قوائم مختلفة.
وقد تم إدخال هذا النظام لأول مرة بموجب إصلاحات 2021، وتم الإبقاء عليه في انتخابات 2026 مع تعديلات أعادت للأحزاب صلاحية ترتيب مرشحيها داخل القوائم.
ويعتمد احتساب النتائج على التمثيل النسبي، حيث توزع المقاعد بحسب نسبة الأصوات التي تحصل عليها كل قائمة في الدائرة الانتخابية، مع استبعاد القوائم التي لم تتجاوز عتبة 5 في المئة من الأصوات الصحيحة. وبعد توزيع المقاعد الأساسية، تُمنح المقاعد المتبقية وفق طريقة "الباقي الأقوى"، أي القوائم التي تحصل على أكبر عدد من الأصوات غير المستغلة بعد عملية القسمة الأولية.
ويشرف على العملية الانتخابية تنظيمياً ورقابياً السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وهي هيئة أُنشئت سنة 2019 وتولت منذ ذلك الحين إدارة مختلف الاستحقاقات الانتخابية، من التحضير إلى إعلان النتائج الأولية، بعدما انتقلت هذه الصلاحيات من وزارة الداخلية.
ورافقت هذه الانتخابات تعديلات قانونية جديدة شملت قانون الأحزاب السياسية وقانون الانتخابات، حيث نص قانون الأحزاب على تحديد عهدات رؤساء الأحزاب بولايتين فقط، وإلزام الأحزاب بالمشاركة في الانتخابات تحت طائلة الحل في حال الغياب عن استحقاقين متتاليين، إلى جانب تشديد شروط التأسيس والتمثيل الجغرافي ومنع انتقال النواب بين الأحزاب خلال العهدة البرلمانية.
كما تضمن قانون الانتخابات اشتراط مؤهلات جامعية لثلث مرشحي القوائم، وتخصيص حصة للشباب والنساء، وتخفيف شروط التوقيعات المطلوبة لإيداع الترشيحات، في إطار ما تعتبره السلطات إصلاحاً للحياة السياسية وتعزيزاً للتمثيل.
وأثارت المادة 200 من قانون الانتخابات نقاشاً واسعاً، إذ أنها تحدد شروط الترشح مثل الجنسية الجزائرية وبلوغ سن 25 عاماً وتسوية الوضعية الضريبية وعدم صدور أحكام جنائية مانعة، إلا أن الجدل يتركز حول بند يمنع الترشح لمن يُشتبه في ارتباطه بأوساط المال والأعمال المشبوهة أو التأثير على إرادة الناخبين، وهو بندٌ يعتبره مؤيدوه وسيلة لمحاربة المال السياسي، بينما ترى فيه أطراف معارضة نصاً فضفاضاً يسمح بتأويلات واسعة قد تؤدي إلى إقصاء مرشحين خصوصا ممثلين عن الحراك الذي أطاح بنظام الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
كما تنطبق أحكام مشابهة على الانتخابات المحلية بموجب المادة 184، مع اختلاف سنّ الترشح، وقد أدى تطبيق هذه المواد إلى استبعاد عدد كبير من الترشيحات في استحقاقات سابقة.
وتتنافس في هذه الانتخابات أحزاب الموالاة والمعارضة إلى جانب قوائم مستقلة، حيث تضم كتلة الموالاة أحزاباً أبرزها جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة البناء الوطني وجبهة المستقبل، فيما تضم المعارضة أحزاباً مثل حركة مجتمع السلم وجبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال وجبهة العدالة والتنمية وجيل جديد، مع عودة بعض هذه التشكيلات إلى التنافس بعد مقاطعة انتخابات 2021. وتشير المعطيات إلى تسجيل مشاركة واسعة للأحزاب مقابل تراجع عدد القوائم المستقلة مقارنة بالاستحقاقات السابقة.
ومن أبرز الأحزاب التي عادت إلى المنافسة في هذا الاستحقاق جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال، وهي قوى ذات حضور تاريخي في الحياة السياسية الجزائرية.
وقد اعتُبر انخراط هذه الأحزاب مجدداً في السباق الانتخابي مؤشراً على تحوّل في موقفها من المشاركة، بعد أن فضّلت بعضها المقاطعة في استحقاقات سابقة بسبب تحفظات سياسية وتنظيمية.
وتُعد هذه العودة جزءاً من إعادة ترتيب المشهد الحزبي، حيث تسعى هذه التشكيلات إلى استعادة مواقعها داخل المؤسسات المنتخبة، بعد أن تراجع تمثيلها في السنوات الأخيرة لصالح أحزاب الموالاة والقوائم المستقلة.
كما تراهن على إعادة تعبئة قواعدها الانتخابية التقليدية في ظل منافسة سياسية متزايدة التعقيد، فيما تبقى هذه العودة محاطة بتحديات تتعلق بقدرتها على استعادة نفس الزخم الذي كانت تتمتع به سابقاً، خاصة في ظل تغير قواعد اللعبة الانتخابية واعتماد نظام القوائم المفتوحة وتراجع نسب الترشح المستقل والقيود التنظيمية الجديدة التي فرضها الإطار القانوني المعدل.
المصدر:
يورو نيوز