غراهام أرنولد، الستيني الأسترالي، الذي يدير المنتخب العراقي منذ أشهر وصعد معه إلى نهائيات كأس العالم، لم يعد مديرا فنيا فقط للمنتخب بل يلعب دور الأب للفريق. فقد أدرك أرنولد أن لاعبي المنتخب العراقي يرزحون تحت ضغط نفسي كبير، وتثقلهم تراكمات من الأفكار السلبية التي خلّفتها الحروب المتعاقبة. وعلى الرغم من أن نحو نصفهم وُلدوا في المهجر، فإن إرث عائلاتهم ما يزال يحيط بهم ويؤثر فيهم
قًبِل أرنولد التحدي، وذهب إلى العراق رغم تحفظ أهله وأصدقائه، فقد حذّره الأصدقاء والأقارب من بلد يُنظر إليه في الغرب غالبًا على أنه مرتبط بالحروب والعنف والأزمات. لكن أرنولد تجاهل هذه التحذيرات وسافر إلى بغداد. ويقول: "أنا هنا منذ 10 أو 12 شهرًا، وكل ذلك غير صحيح".
وأضاف في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، أنه اختار العيش في العراق رغم أن عقده لا يُلزمه بذلك، لأنه أراد أن يفهم ثقافة اللاعبين: "لا يمكنني أن أجعلهم أستراليين. كان عليّ أن أندمج في ثقافتهم، وإلا لما تأهلنا" لنهائيات كأس العالم 2026.
حين حط المنتخب العراقي الرحال في البطولة، التي تقام في أمريكا وكندا والمكسيك، وقع حظه في مجموعة صعبة، تضم فرنسا والسنغال والنرويج. المباراة الأولى أمام منتخب النرويج قدم فيها أداءً جيدا، ولعب بندية كبيرة خصوصا في الشوط الأول، وحين تقدم المنتخب النرويجي بهدف عاد المنتخب العراقي وعدل النتيجة، في إشارة يفهما المتخصصون في الرياضة إلى أن التراجع لم يكن في حسابات الفريق.
لم يظهر أي خوف من جانب عناصر المنتخب خلال اللقاء، لكن النتيجة انتهت بأربعة أهداف لهدف لصالح النرويج سجل إيرلينغ هالاند هدفين في اللقاء. والنتيجة لم يكن سببها ضعف الفريق نفسيا، بل الأخطاء الفردية في خط الدفاع.
يقول المدرب الأسترالي غراهام أرنولد إن شغف الجماهير العراقية بكرة القدم هائل: "إنهم مهووسون بها". لكن هذا الشغف كان سلاحًا ذا حدين، إذ تسبب في ضغط نفسي كبير على اللاعبين. (أرشيف: 9/12/2025)صورة من: Noushad Thekkayil/NurPhoto/picture allianceفي مواجهة منتخب "الديوك" اليوم الاثنين (22 يونيو/حزيران)، تبدو مهمة المنتخب العراقي صعبة، لكنها ليست مستحيلة. إذ يلتقي العراق بفرنسا، بطلة العالم 2018 ووصيفة مونديال قطر 2022، في مباراة تتطلب تركيزًا عاليًا. ويزخر المنتخب الفرنسي بنجوم يمتلكون خبرة كبيرة، يقود هجومهم كل من ديمبلي وأوليسيه ومبابي، ما دفع المدرب أرنولد لأن يتساءل مازحًا عمّا إذا كان بإمكانه إشراك ثلاثة حراس مرمى في آنٍ واحد!
يقول أرنولد إن شغف الجماهير العراقية بكرة القدم هائل: "إنهم مهووسون بها". لكن هذا الشغف كان سلاحًا ذا حدين، إذ تسبب في ضغط نفسي كبير على اللاعبين الذين "كانوا يأتون إلى المعسكر برؤوس منخفضة، مثقلين بالمسؤولية. لقد عانوا من نوبات هلع".
بعد التأهل، تحرر اللاعبون من هذا الضغط. وفي المباريات التي كانت تقام على أرض الملاعب العراقية كان الجمهور يتفاعل بقوة مع المنتخب، ولذا يعاني عناصر المنتخب ليس من ضغط الفريق الخصم بل بالدرجة الأولى من ضغط الجماهير، التي تطالبه بتحقيق نتائج إيجابية.
هناك بعض اللاعبين الذين لديهم القدرة على تحويل الضغط الجماهيري الهائل إلى حافز إيجابي، بل يطالبون الجماهير بالتشجيع أكثر، فيما يعاني آخرون من الضغط فيتراجع مستواهم خصوصا في المباريات الكبيرة.
يعتمد بعض المحللين الرياضيين، خصوصاً في قنوات عراقية، خطاباً سلبيا عند تقييم فرص المنتخب العراقي، فيصوّرون التأهل للدور التالي كأمر شبه مستحيل قبل انطلاق المباريات. مثل هذا الطرح لا يؤثر على الجمهور فقط، بل ينعكس سلباً على نفسية اللاعبين وثقتهم وأدائهم، فهو يكرّس شعوراً مسبقاً بالخسارة.
ويرى خبراء في مجال الكرة أن كرة القدم لا تُحسم بالتوقعات ولا بالفوارق النظرية، بل بالإرادة والانضباط تكتيكيا في الملعب وفي الحفاظ على العقلية القتالية. فالتفوق الحقيقي لا يكمن في القدرات البدنية المتقاربة بين الجميع، بل في طريقة توظيفها داخل الملعب، إذ حتى الفرق الأضعف على الورق قادرة على فرض نفسها إذا لعبت بتنظيم وثقة وضغط فعال.
منتهب فرنسا أحد المرشحين لنيل لقب البطولة. صورة من اللقاء أمام السنغال واحتفال مبابي مع زملائه بالتسجيل في شباك "أسود التيرانغا". 16 يونيو/ حزيران 2026. صورة من: Dylan Martinez/REUTERSأشار أحد المعلقين الرياضيين على إحدى القنوات الرياضية خلال مباراة لمنتخب عربي أمام منتخب أوروبي، إلى ضرورة تغلب المنتخبات العربية على "الهشاشة الشخصية"، بحسب وصفه، عند مواجهة المنتخبات ذات التأريخ الطويل في كرة القدم والقوية. مثل هذه "الهشاشة" لم تظهر عند المنتخب المغربي ، المدجج بلاعبين يصولون ويجولون في الملاعب الأوروبية ولديهم احتكاك مباشر مع كبار لاعبي المنتخبات والأندية العالمية، فتعادل المغرب أمام البرازيل بهدف لمثله، وفاز على اسكتلندا بهدف نظيف. والأمر نفسه ينطبق على المنتخب المصري الذي تعادل مع بلجيكا بهدف لمثله وهزم منتخب نيوزلندا بثلاثة أهداف لهدف محققا فوزه التاريخي الأول في كأس العالم. ويقود منتخب الفراعنة أفضل مهاجمي البريميرليغ الإنكليزي على مدى أعوام مع ليفربول محمد صلاح ، بجانب أسماء شابة تلعب بأندية أوروبية وكذلك محلية.
بيد أن المباريات تُحسم بالأداء والأفكار المطبقة ميدانياً، لا بالأسماء أو التوقعات، كما أن الثقة والانضباط الذهني والهدوء النفسي عوامل قادرة على تحويل أي مواجهة إلى صراع متكافئ مهما كانت الفوارق المسبقة. وخير دليل على ذلك مباراة المنتخب الإيراني أمام منتخب بلجيكا القوي، إذ تصدى منتخب إيران لنظيره البلجيكي فغير موازين القوى بعد طرد أحد لاعبي منتخب بلجيكا وخطف منه نقطة تعادل مهمة، لم يكن المنتخب الإيراني في اللقاء قويا فنيا بل كان صلبا نفسيا ولم يتراجع تحت هجمات خط الهجوم البلجيكي.
في عالم الرياضة، كثيرًا ما تنجح الفرق أو الأفراد الذين يُنظر إليهم على أنهم "الأضعف" أو الأقل حظًا في قلب التوقعات وتحقيق انتصارات مفاجئة. وتُعرف هذه الظاهرة بمصطلح "الأندردوغ" (Underdog) ، حيث تخفق الفرق المرشحة للفوز، بينما يتألق منافسون لم يكن يُحسب لهم حساب .
ويرى خبراء أن أحد أسباب ذلك هو أن الفرق غير المرشحة لا تعاني من ضغط كبير لتحقيق الفوز، ما يمنحها حرية أكبر للمخاطرة واتخاذ قرارات جريئة. كما أنها تلعب بدافع استغلال الفرصة النادرة، خصوصًا في بطولات كبرى مثل كأس العالم التي لا تتكرر إلا كل أربع سنوات، أو حتى أكثر، كما في حالة المنتخب العراقي، الذي غاب 40 عاما. هذا الشعور يجعلها تقدم أداءً قويًا دون خوف، لأنها ببساطة لا تملك الكثير لتخسره .
إلى جانب ذلك، يظهر في الفرق "الأضعف" قادة غير متوقعين، يتسمون بالمرونة وسرعة التكيّف، ويصغون لزملائهم ويخلقون بيئة تساعد الجميع على تقديم أفضل ما لديهم. في المقابل، تعاني الفرق المرشحة من ضغط هائل، إذ تخشى الفشل، وقد تقع في فخ الثقة الزائدة، ما يؤثر سلبًا على أدائها. وبينما يركز "الأندردوغ" على اغتنام الفرصة، تظل الفرق الكبرى أسيرة التوقعات، وهو ما قد يحسم النتيجة في اللحظات الحاسمة.
منذ توليه المهمة في مايو 2025، أصبح أرنولد أكثر من مجرد مدرب. فهم العقلية العربية والعراقية في توزيع الأدوار داخل الأسرة، فقال للاعبين: "أنا أبوكم وأنتم أبنائي". وأردف بالقول إن الجهاز الفني يمثل "الأعمام" وأن الفريق هو "عائلة" واحدة.
لاحظ أرنولد في البداية انقسام اللاعبين إلى مجموعات منفصلة على طاولات مختلفة، فقام بتغيير ذلك فورًا: جمعهم على طاولة واحدة لتعزيز الوحدة. وقال: "كان من الرائع أن نرى هذا الترابط بين لاعبين وُلدوا ونشأوا في أماكن مختلفة حول العالم". لأن تشكيلة منتخب العراق تضم لاعبين يعيشون في المهجر بل لا يجيد بعضهم اللغة العربية وآخرون يعيشون في العراق وكثير منهم عرفوا الحروب ونتائجها المريرة، مثل مهاجم المنتخب أيمن حسين.
وبسبب ظروف العراق، وُلد العديد من اللاعبين في الخارج، مثل ألمانيا والسويد. وكان التحدي هو الجمع بين ثقافتين مختلفتين داخل الفريق. وجد أرنولد حلًا مبتكرًا لمشكلة اللغة في الملعب: اللاعبون الناطقون بالإنجليزية على الجهة اليسرى، اللاعبون الناطقون بالعربية على الجهة اليمنى، اللاعبون ثنائيو اللغة في الوسط لربط الجانبين.
ونظرًا للوضع السياسي والحروب، كان اللاعبون يتابعون الأخبار باستمرار خوفًا على عائلاتهم. لذلك فرض أرنولد حظرًا على وسائل التواصل الاجتماعي طوال المعسكرات. وقال: "كان هناك الكثير من السلبية والأخبار الكاذبة التي تؤثر في عقولهم. ربما كان هذا أهم تغيير قمت به". وأشاد اللاعب علي الحمادي بمدربه قائلًا: "سيدخل التاريخ كأحد الأساطير".
لم يحقق غراهام أرنولد النجاح فقط من الناحية الفنية، بل لعب دورًا نفسيًا وإنسانيًا كبيرًا، فحوّل فريقًا يعاني من الضغط والانقسام إلى عائلة متماسكة. وبغض النظر عن نتيجة اللقاءات القادمة، منتخب العراق بإمكانه قلب النتائج فعلا إن ظهرت فيه روح الأزمات من جديد، يقول الخبير الكروي الدكتور كاظم العبادي لـ DW عربية: "منتخب العراق منتخب الأزمات، يظهر معدنه في أوقات الشدة". ويضيف أن الضغط النفسي قد يكون عاملا إيجابيا، مع فريق صعد لكأس العالم قبل أربعين عاما حين لم يكن يسمح له باللعب على أرضه بسبب الحرب، وفي عام 2007 فاز ببطولة أمم آسيا رغم أن البلاد كان تعاني من حرب طائفية، فتغلب المنتخب المتعدد الطوائف على الظروف وخطف اللقب. ويتابع أن النجاح لا يعتمد فقط على المهارة أو الخبرة، بل على العقلية الإيجابية والقدرة على المخاطرة والثقة بالنفس في اللحظات الصعبة. وغالبًا ما يفوز من يؤمن بقدرته على النجاح، وليس فقط من يُتوقع أن يفوز.
تحرير: صلاح شرارة.
المصدر:
DW