بدأت "اتفاقيات أبراهام" عام 2020 بين إسرائيل ودول عربية، كمسار دبلوماسي برعاية أمريكية، غير أن تداعياتها تجاوزت البُعد السياسي والاقتصادي المتمثل في السياحة والتبادل التجاري. وبحسب ما كشفت عنه صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، فقد تُرجمت تداعيات هذه الاتفاقيات ميدانياً في منطقة الصحراء الغربية، متحولة إلى تنسيق أمني وعسكري مباشر.
وفي هذا السياق، تُطرح الطائرات المسيّرة الإسرائيلية الصنع، ولا سيما تلك المنتجة من قبل شركة BlueBird Aero Systems، كأحد العوامل التي يُعتقد أنها أسهمت في تعزيز القدرات التكنولوجية والنوعية ضمن المنظومة العسكرية المغربية في مواجهة جبهة البوليساريو.
وعلى مدى نحو خمسة عقود، ظل النزاع في الصحراء الغربية محكوماً بميدان مستقر نسبياً. فمن جهة، يفرض المغرب سيطرة فعلية على الجزء الأكبر من الإقليم، معتمداً على منظومة دفاعية تمتد عبر الجدار الرملي المحصّن.
ومن جهة أخرى، تتمركز جبهة البوليساريو في مخيمات تندوف داخل الأراضي الجزائرية، حيث تدير عملياتها العسكرية والسياسية.
وبحسب تقارير إعلامية، استفادت الجبهة من دعم جزائري متعدد الأبعاد، مالي وعسكري ودبلوماسي، في إطار مقاربة تعتبرها الجزائر جزءاً من توازن استراتيجي إقليمي مع المغرب.
وتعتمد جبهة البوليساريو في نمط عملياتها العسكرية على استراتيجية "الكر والفر" (الهجمات الخاطفة والمحدودة) ضد المواقع المغربية، تليها انسحابات فورية نحو عمق الصحراء، مستفيدة في ذلك من اتساع المدى الجغرافي وصعوبة الرصد والتتبع.
وفي المقابل، نجح الجدار الدفاعي المغربي في توفير منظومة تحصين أمنت المواقع الاستراتيجية، إلا أن طبيعة المعركة الميدانية ظلت محكومة بسياق دفاعي واستنزافي متبادل بين الطرفين.
غير أن إدخال تقنيات عسكرية حديثة، يُشار إلى أن بعضها مرتبط بالتعاونات الدفاعية الجديدة، ساهم في إعادة تشكيل جزء من المعادلة الميدانية، عبر تعزيز قدرات الرصد والاستهداف الدقيق وتقليص هامش الحركة التقليدي داخل هذا النمط من الحرب غير المتكافئة.
شكّل مقتل القائد العسكري البارز في جبهة البوليساريو، لحبيب محمد عبد العزيز حدثاً تزامن مع تصاعد النقاش حول التحولات الجارية في طبيعة الاشتباك داخل المنطقة.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسبانية، فقد أفادت تقارير بوقوع غارة جوية نُسبت إلى المغرب باستخدام طائرة مسيّرة في منطقة تقع شرق الجدار الرملي الممتد على نحو 2700 كيلومتر، والذي أنشأته الرباط في ثمانينيات القرن الماضي بهدف الحد من هجمات جبهة البوليساريو.
وفي السياق ذاته، ذكرت جبهة البوليساريو أن لحبيب محمد عبد العزيز، البالغ من العمر 37 عاماً، قُتل أثناء استعداداته لتنفيذ عملية استهدفت منظومة الدفاع المغربية في الصحراء الغربية، وفق روايتها للواقعة.
وكان لحبيب محمد عبد العزيز يُعدّ من أبرز القادة العملياتيين داخل جبهة البوليساريو، ويمتلك خبرة ميدانية طويلة، ما يجعل خسارته، وفق تقديرات متداولة، صعبة التعويض على المستوى التنظيمي والعملياتي.
وتشير روايات إعلامية وتحليلية إلى أن العملية نُفذت بواسطة طائرة مسيّرة انتحارية من إنتاج شركة "BlueBird Aero Systems" الإسرائيلية.
وذكرت "يديعوت أحرونوت" أنه كان تأثير لهذه الأنظمة في الحرب الدائرة في أوكرانيا. ويقوم المبدأ العسكري لهذه المنظومات على فكرة بسيطة، وهي طائرة صغيرة تحلّق بشكل دائري فوق منطقة الهدف، بينما يتولى مشغّلون على الأرض توجيهها عبر أنظمة رؤية بصرية عالية الدقة باتجاه الهدف، قبل أن تنقضّ لتسليم حمولتها المتفجرة بدقة كبيرة.
وغالبًا ما يتم تنفيذ الضربة دون أي إنذار مسبق، ما يحرم الهدف من أي فرصة للنجاة.
وفي هذا السياق، شكّل الهجوم الذي أودى بحياة عبد العزيز نموذجًا لضربة موجهة، نتيجة دمج تقنيات الطائرات الإسرائيلية مع منظومة استخباراتية متقدمة ومتكاملة.
في المقابل، يرى محللون عسكريون أن انتشار تقنيات الاستطلاع الجوي منخفض التكلفة والأنظمة ذاتية التوجيه ساهم في إعادة تشكيل أنماط المراقبة والاستهداف في مثل هذه البيئات.
ويُنظر إلى هذا التطور على أنه يقلص تدريجياً من أهمية الامتداد الجغرافي والتضاريس كعامل يوفر الحماية التقليدية أو ما يُعرف بـ"الملاذات الآمنة" في سياق الحروب غير المتكافئة.
في ظل التطورات الجارية، تشير تقديرات وتحليلات إلى أن القيادات الميدانية في جبهة البوليساريو تعمل ضمن بيئة عمليات أكثر تعقيداً، إذ بات نموذج القيادة التقليدي القائم على الحركة الميدانية والاتصالات المباشرة أكثر عرضة للمخاطر المرتبطة بتطور أدوات الرصد والاستهداف الحديثة.
ونتيجة لذلك، تفرض هذه المستجدات قيوداً إضافية على أساليب إدارة العمليات وأنماط الانتشار الميداني.
وبناءً على هذه المعطيات، ترى صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن الجزائر باتت تواجه معادلة إقليمية أربكت حساباتها التقليدية.
فقد استند التصور الاستراتيجي الجزائري لفترات طويلة إلى فرضية استمرار النزاع في الصحراء الغربية ضمن حدود "حرب منخفضة الكثافة"، وهي بيئة استنزافية كان يُعتقد تاريخياً أنه يصعب فيها توظيف التفوق التكنولوجي بشكل مباشر أو حاسم لترجيح كفة طرف على الآخر.
كما يُنظر إلى هذا التحول على أنه قد يرفع من مستوى الضغط العملياتي على جبهة البوليساريو، ويحد من هامش المناورة التقليدي.
وفي المقابل، تبقى هذه التقديرات محل جدل واسع، إذ لا تتفق جميع التحليلات على حجم التأثير أو طبيعته، كما أن الصورة الكاملة للصراع ما تزال مرتبطة بعوامل سياسية وإقليمية تتجاوز البعد العسكري والتقني وحده.
المصدر:
يورو نيوز