آخر الأخبار

على خطى تشنغ خه.. لماذا تكسر الصين سورها العظيم؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عندما أبحر البحار الصيني المسلم تشنغ خه بأسطوله في المحيط الهندي مطلع القرن الخامس عشر، كانت الصين إحدى القوى البحرية في العالم القديم. لكن تلك الرحلات توقفت بعد أن تبنت سلالة مينغ الحاكمة نزعة انعزالية، فأوقفت رحلاتها البحرية عبر المحيط الهندي، بل وسنت قوانين "حظر بحري" منعت الصينيين من الإبحار إلى الخارج. وعلى مدار قرون انشغلت الإمبراطورية الصينية بتأمين حدودها البرية الشاسعة في مواجهة المغول والقبائل القادمة من الشمال، وبدأت في مدِّ أسوار وتحصينات تشكل اليوم معظم ما يعرف بسور الصين العظيم.

أخذت الصين أيضا تتواءم مع التمدد البحري الأوروبي، الذي بدأ بتوغل البرتغاليين في شبه جزيرة ماكاو منتصف القرن السادس عشر (ولن يتخلوا عنها إلا عام 1999). ثم دب الوهن أكثر في الإمبراطورية الصينية على مدار القرون التالية، حتى لاحت في الأفق سفن الإمبراطورية البريطانية في منتصف القرن التاسع عشر، وانتزعت هونغ كونغ، وفرضت على الصين استيراد الأفيون.

"على مدار قرون انشغلت الإمبراطورية الصينية بتأمين حدودها البرية الشاسعة، وأدارت ظهرها للبحر"

بدأ بعدئذ ما يعرف بـ"قرن الإذلال"، الذي لن ينتهي إلا عام 1949، بحسب الرواية الرسمية الصينية، حين تأسست جمهورية الصين الشعبية بزعامة ماو تسي تونغ، بعد التخلص من الاستعمار، وبسط الحزب الشيوعي سيطرته على البلاد، وخروج القوميين إلى جزيرة تايوان حيث أسسوا دولة لهم هناك لا تزال العقدة الأبرز في الإستراتيجية الصينية وطموحاتها البحرية.

مصدر الصورة صينيون يشاهدون رسومات سفن الكنوز المختلفة للملاح الصيني الشهير تشنغ خه (الفرنسية)

لم تخض البحرية الصينية أي معركة بحرية منذ اشتباكها في عام 1988 مع سفن فيتنامية بسبب النزاع على إنشاء بكين مواقع مراقبة في شعاب فيري كروس المرجانية، وهي معركة مُنيَت فيها البحرية الفيتنامية بالهزيمة. ورغم دورها البحري المحدود عمليا والمحصور في محيطها الجغرافي، أصبح تنامي قدرات الصين البحرية منذ منتصف التسعينيات محل متابعة حثيثة في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 علم الأعصاب يجيبك.. لم يروج ترمب الخرافات؟ ولماذا يصدقه الناس؟
* list 2 of 2 عبد الله القلال.. "الفلاح" الذي ضرب النهضة والجيش في تونس بقبضة واحدة end of list
إعلان

إذ تصدر دائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي سنويا دراسة متجددة حول تحديث الأسطول الصيني وتداعياته على قدرات البحرية الأمريكية، بينما أنشأت كلية الحرب البحرية الأمريكية معهدا للدراسات البحرية الصينية عام 2006 لمتابعة تطور الإستراتيجية البحرية لبكين وقدراتها العسكرية. وفي المقابل، يتصاعد داخل الصين الاهتمام بدراسة القوة البحرية ودورها في مستقبل البلاد، ما يثير أسئلة حول الإستراتيجية البحرية للصين وأهدافها.

مصدر الصورة أفراد من البحرية الصينية خلال جولة داخل المتحف البحري لجيش التحرير الشعبي عام 2024 (الفرنسية)

قوة برية أم بحرية؟

تعد البحار أحد أهم مصادر الثروة والقوة، إذ توفر موارد متنوعة تشمل النفط والغاز والثروة السمكية والمعادن، كما تمثل الشريان الرئيسي للتجارة، إذ يُنقل عبرها الجزء الأكبر من البضائع والمواد الخام بين القارات. ولهذا ارتبطت الهيمنة على البحار تاريخيا بالهيمنة على العالم. فقد برزت البرتغال في القرن السادس عشر، ثم هولندا في القرن السابع عشر، ثم بريطانيا في القرنين الثامن والتاسع عشر، قبل أن تنتقل الزعامة البحرية إلى الولايات المتحدة في القرن العشرين. ومكن الترابط الذي وفَّرته المحيطات القوى الأوروبية من مد نفوذها إلى آسيا وأفريقيا والأمريكيتين، وفرض قواعد الملاحة التي تلبي مصالحها.

تختلف الدول في مستوى قوتها البحرية وفق نطاق قدرتها على العمل خارج سواحلها. فمعظم دول العالم تمتلك قوات بحرية ساحلية يقتصر نشاطها على حماية المياه الإقليمية. وهناك قوى بحرية إقليمية تستطيع العمل في البحار البعيدة عن سواحلها، كما هو الحال مع بريطانيا وفرنسا وروسيا. أما المستوى الأعلى فهو الهيمنة البحرية العالمية، ما يعني القدرة على الانتشار في مختلف المحيطات، وتأمين الملاحة في الممرات البحرية الرئيسية، وهو وضع الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة.

"تختلف الدول في مستوى قوتها البحرية وفق نطاق قدرتها على العمل خارج سواحلها"

من جهتها، تقع الصين عند ملتقى أوراسيا والمحيط الهادئ، وتجمع جغرافيا بين خصائص القوة البرية والقوة البحرية، إلا أن الحضارة الصينية تشكلت تاريخيا حول الزراعة والأنهار الكبرى، حيث وفرت الأراضي الخصبة والموارد المحلية قدرا كبيرا من الاكتفاء الذاتي، فلم تظهر حاجة ملحة إلى التوسع البحري أو البحث عن أسواق وموارد خارجية كما حدث لدى القوى البحرية الأوروبية.

مصدر الصورة تقع الصين عند ملتقى أوراسيا والمحيط الهادئ، وتجمع جغرافيا بين خصائص القوة البرية والقوة البحرية (الجزيرة)

أنتجت هذه البيئة عقلية سياسية واجتماعية تميل إلى الاستقرار والمحافظة والدفاع عن المجال الحيوي القائم. ولهذا ركزت الصين عبر تاريخها على حماية حدودها البرية ومواجهة التهديدات القادمة من الشمال والغرب، بينما ظل البحر في مرتبة ثانوية ضمن أولوياتها الإستراتيجية. وكان سور الصين العظيم التعبير الأوضح عن هذه العقلية الدفاعية، كما ساهم انتشار الفكر الكونفوشيوسي في ترسيخ قيم الاستقرار والنظام وتجنب الفوضى.

ورغم أن الصين عرفت فترات ازدهار بحري، خاصة خلال رحلات تشنغ خه، فقد ظلت الأنشطة البحرية الصينية مرتبطة بأهداف تجارية محدودة، بينما استمرت الدولة في توجيه اهتمامها نحو التحديات البرية. ونتيجة لذلك دخلت الصين العصر الحديث وهي تفتقر إلى التقاليد والمؤسسات والخبرات البحرية التي راكمتها القوى الغربية عبر قرون من الملاحة والاستكشاف.

"دخلت الصين العصر الحديث وهي تفتقر إلى التقاليد والمؤسسات والخبرات البحرية التي راكمتها القوى الغربية عبر قرون من الملاحة والاستكشاف"

وتنظر قطاعات كبيرة من النخبة الفكرية الصينية إلى هذا الإرث بوصفه أحد أسباب "قرن الإذلال". فمع حلول القرن التاسع عشر وجدت الصين نفسها في مواجهة قوى بحرية متفوقة فرضت حضورها على السواحل الصينية، بدءا من حروب الأفيون مع بريطانيا وصولا إلى التوسع الياباني في شرق آسيا. ومن هنا بدأ الاهتمام الصيني المتأخر بدراسة الإستراتيجية البحرية، وإن ظل لفترة طويلة محصورا في إطار الدفاع عن السواحل وحمايتها.

إعلان

المقدرات البحرية الصينية

تمتلك الصين نحو 3 ملايين كيلومتر مربع من المناطق البحرية الخاضعة لولايتها، وساحلا يمتد لأكثر من 32 ألف كيلومتر، من بينها 14 ألف كيلومتر من سواحل الجزر. وتحيط بها 4 بحار رئيسية هي بحر بوهاي والبحر الأصفر وبحر شرق الصين وبحر جنوب الصين. كما ترتبط مصالحها الاقتصادية والأمنية بغرب المحيط الهادئ. غير أن هذه المساحة البحرية لا تمنح الصين حرية حركة كاملة، إذ تواجه نزاعات إقليمية تشمل نحو 1.5 مليون كيلومتر مربع من المناطق البحرية، كما تصطدم بقيود جغرافية تفرضها "سلسلة الجزر الأولى" كما تعرف في الأدبيات الصينية.

وتعد هذه السلسلة، الممتدة من اليابان مرورا بتايوان والفلبين وصولا إلى إندونيسيا، أحد أهم التحديات الجيوسياسية التي تواجه الصين. فالساحل الصيني الطويل ينفتح على مجموعة من البحار شبه المغلقة التي يمكن عزلها أو حصارها خلال الأزمات، ما يدفع بكين إلى السعي لتأمين منافذ نحو المحيط الهادئ.

"الساحل الصيني الطويل ينفتح على مجموعة من البحار شبه المغلقة التي يمكن عزلها أو حصارها خلال الأزمات"

ومن هنا تكتسب تايوان أهميتها في التفكير الإستراتيجي الصيني، إذ تقع في قلب سلسلة الجزر الأولى وتشكل سواحلها الشرقية بوابة طبيعية نحو المحيط الهادئ. ولذلك تنظر بكين إلى قضية تايوان على أنها مسألة ترتبط بمستقبل الصين البحري مثلما تتعلق بوحدة الأراضي الصينية. ولذا يشدد "هو بوهو" الباحث في معهد أبحاث المحيطات بجامعة بكين في كتابه "القوة البحرية الصينية في القرن الحادي والعشرين" على أنه مهما بلغت قوة الصين البحرية من تقدم وقوة، فإذا لم تتمكن من حسم مصير تايوان، فإن أي طموحات بحرية ستتحول في نهاية المطاف إلى مجرد أوهام.

مصدر الصورة تنظر بكين إلى قضية تايوان على أنها مسألة ترتبط بمستقبل الصين البحري مثلما تتعلق بوحدة الأراضي الصينية (أسوشيتد برس)

ويحظى بحر جنوب الصين بأهمية مماثلة، إذ تبلغ مساحته نحو 3.5 ملايين كيلومتر مربع، ويعد أحد أهم الممرات التجارية حيث يستوعب بين ثلث إلى نصف حركة الشحن والملاحة البحرية العالمية، كما يحتوي على احتياطيات كبيرة من الطاقة والثروة السمكية، ويربط الصين بالمحيط الهندي والشرق الأوسط وأفريقيا. ولهذا تضع بكين السيادة على الجزر والشعاب المرجانية المتنازع عليها ببحر جنوب الصين، وأمن الممرات البحرية، وحماية الموارد الطبيعية، ضمن أولوياتها الإستراتيجية.

تزداد أهمية هذه الاعتبارات في ظل أن قلب النشاط الاقتصادي والتمركز الجغرافي يقع في المناطق الساحلية الشرقية من الصين، ومن ثم تفتقر بكين إلى العمق اللازم لحماية مقدراتها وأصولها. كما يعتمد الاقتصاد الصيني على التجارة البحرية، فالصين هي الشريك التجاري الأكبر لأكثر من 120 دولة، وتنقل أكثر من 90% من تجارتها الخارجية عبر البحر، كما تمر نحو 80% من واردات الصين النفطية عبر الممرات البحرية الممتدة من الخليج العربي وأفريقيا إلى شرق آسيا.

"الصين هي الشريك التجاري الأكبر لأكثر من 120 دولة، وتنقل أكثر من 90% من تجارتها الخارجية و80% من وارداتها النفطية عبر البحر"

وقد أدى هذا الاعتماد إلى بروز ما يعرف في الأدبيات الصينية بـ"معضلة ملقا"، أي الخشية من فرض الولايات المتحدة وقت الأزمات حصارا على الصين وإغلاقها مضيق ملقا أمام الملاحة الصينية، ما يؤدي إلى توقف تام لتجارتها الخارجية ووارداتها النفطية. ومن هنا أصبحت القوة البحرية بالنسبة للصين جزءا من منظومة الأمن القومي والتنمية الاقتصادية.

إن حماية خطوط الملاحة، وتأمين تدفق الطاقة، والحفاظ على حرية الوصول إلى الأسواق العالمية، كلها عوامل دفعت بكين إلى تبني رؤية بحرية أكثر طموحا. وفي هذا السياق اكتسبت مبادرة الحزام والطريق التي أعلن الرئيس شي جين بينغ عن شقها البحري عام 2013 أثناء زيارته إلى إندونيسيا أهمية كبيرة. إذ يهدف طريق الحرير البحري إلى إنشاء شبكة من الموانئ والبنى التحتية والعلاقات الاقتصادية الممتدة من بحر جنوب الصين إلى المحيط الهندي فالشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، بما يعزز أمن التجارة الصينية ويقلل من اعتمادها على عدد محدود من الممرات البحرية.

مصدر الصورة

مراحل تطور البحرية الصينية

يشير الباحث الصيني "إدوارد سينغ يو تشان " في كتابه "إستراتيجية الصين للأمن البحري" إلى أن بناء قوة بحرية كبرى يستغرق وقتا أطول بكثير من بناء القوات البرية والجوية، وهو ما يعبر عنه المثل الشائع: "عقود للقوات البرية، وقرون للقوات البحرية". ولذا عندما بدأت البحرية الأمريكية تطور قدراتها في نهاية القرن التاسع عشر، لم تتمكن من دخول نادي القوى البحرية سوى في عشرينيات القرن العشرين مستفيدةً من الحرب العالمية الأولى التي دمرت قدرات ألمانيا وجزءا من قدرات بريطانيا.

إعلان

عندما تأسست جمهورية الصين الشعبية عام 1949، كانت أولوية القيادة الشيوعية هي تثبيت السيطرة على البر الصيني وتأمين الحدود القارية. ولهذا أنشئت البحرية بوصفها قوة مساندة مهمتها حماية السواحل ومنع أي عمليات إنزال معادية. واقتصرت قدراتها على زوارق الدورية والطوربيد والسفن الصغيرة القادرة على العمل قرب الشاطئ، بينما استحوذت القوات البرية على النصيب الأكبر من الموارد والاهتمام.

ولم يتغير هذا الواقع كثيرا مع وصول دنغ شياو بينغ (1978-1992) إلى السلطة. فقد اعتبر أن الأولوية القصوى للصين تتمثل في التنمية الاقتصادية وتجنب الصراعات الخارجية، مستفيدا من تراجع التهديدات المحيطة بالصين بعد الانسحاب الأمريكي من فيتنام وانشغال الاتحاد السوفياتي بأزماته الداخلية، فتراجع الإنفاق العسكري الصيني في الثمانينيات. غير أن هذه المرحلة شهدت تطورا محوريا تمثل في تولي الأدميرال ليو هوا تشينغ منصب قائد البحرية الصينية بين عامي 1982 و1988، والذي عرف باسم "أبو البحرية الصينية الحديثة".

"يعرف الأدميرال ليو هوا تشينغ بأنه أبو البحرية الصينية الحديثة"

وقد أدرك ليو أن صعود الاقتصاد الصيني يجعل البحر أهم للأمن القومي، وطرح للمرة الأولى إستراتيجية "الدفاع النشط في البحار القريبة"، التي دعت إلى نقل نطاق الدفاع الصيني من الساحل إلى البحار المحيطة بالصين ضمن سلسلة الجزر الأولى لإنشاء منطقة عازلة لحماية البر ضمن نطاق 200 ميل بحري من الساحل، وهو ما يشمل البحر الأصفر وبحر شرق الصين وبحر جنوب الصين ومحيط تايوان وسلسلة جزر أوكيناوا وسبراتلي.

تمثلت أبرز توصيات ليو الرئيسية في ضرورة بناء حاملة طائرات بحلول عام 2000، وتطوير الغواصات، والسفن المزودة بصواريخ، كما رعى تأسيس مركز أبحاث المعدات البحرية عام 1984. ورغم أن الإمكانات التقنية والمالية للصين آنذاك لم تسمح بتحقيق هذه الطموحات، فإن أفكار ليو وضعت الأساس الذي بنيت عليه عملية التحديث البحري اللاحقة. فبدلا من الاكتفاء بردع أي هجوم على الساحل، نظرت بكين إلى البحار المجاورة باعتبارها مجالا حيويا يجب الدفاع عنه والسيطرة عليه.

ليو هوا تشينغ طرح للمرة الأولى إستراتيجية "الدفاع النشط في البحار القريبة" (الفرنسية)

في عام 1990، بعد أن تولى جيانغ زيمين رئاسة اللجنة العسكرية المركزية، طرح فكرة "بناء سور بحري عظيم للوطن". كانت الصين قد دخلت عقد التسعينيات وهي تشهد نموا اقتصاديا ضخما، بينما ظلت قدراتها البحرية محدودة مقارنة بحجم مصالحها المتنامية. وجاءت حادثة السفينة التجارية الصينية "ين هي" عام 1993 بمثابة جرس إنذار للقيادة في بكين. فقد اعترضت البحرية الأمريكية السفينة في المحيط الهندي بحجة نقل مواد مرتبطة بالأسلحة الكيميائية إلى إيران، وأخضعتها للتفتيش ومنعتها لعدة أسابيع من مواصلة رحلتها قبل أن يتبيَّن عدم صحة الاتهامات. ورغم أن الحادثة انتهت دون مواجهة، فإنها كشفت للصين ضعف قدرتها على حماية سفنها التجارية في أعالي البحار.

"حصلت البحرية على ثلث ميزانية الدفاع الصينية في منتصف التسعينيات، كما أطلقت برامج لتحديث الغواصات والمدمرات والصواريخ البحرية"

حلت الصدمة التالية مع أزمة مضيق تايوان عامي 1995 و1996. فبعد إجراء الصين تجارب صاروخية قرب تايوان، أرسلت الولايات المتحدة حاملتي الطائرات "نيميتز" و"إندبندنس" إلى المنطقة. وأدركت بكين أن قدرتها على فرض إرادتها في ملف تايوان ستظل محدودة طالما أنها عاجزة عن ردع القوة البحرية الأمريكية. وأكد الرئيس زيمين، الذي قاد البلاد بين عامي 1993 و2003، أن الصين "يجب أن تولي بناء الأسطول البحري أولوية قصوى لضمان الأمن البحري للدولة وتعزيز وحدة الوطن".

ومنذ ذلك الوقت اكتسب تحديث البحرية الصينية زخما غير مسبوق. فقد ارتفع الإنفاق العسكري، وحصلت البحرية على ثلث ميزانية الدفاع الصينية في منتصف التسعينيات، كما أطلقت برامج لتحديث الغواصات والمدمرات والصواريخ البحرية. واشترت الصين 4 غواصات من طراز "كيلو" الروسية عام 1994، وبدأت تطوير غواصات نووية جديدة من فئتي "جين" و"شانغ"، كما حصلت على مدمرات حديثة من روسيا لتعويض النقص في قدراتها البحرية.

غواصة روسية تقليدية من طراز كيلو تابعة للبحرية الصينية ترسو في مقر قيادة أسطول بحر الشمال الصيني عام 2000 (الفرنسية)

شهدت هذه المرحلة بدء مشروع حاملات الطائرات. ففي عام 1998 اشترت الصين السفينة السوفياتية السابقة "فارياغ" من أوكرانيا، وحولتها إلى حاملة طائرات بهدف اكتساب الخبرة التقنية والمعرفية اللازمة لبناء حاملات طائرات محلية في المستقبل. وبحلول نهاية عهد زيمين أصبحت البحرية الصينية تمتلك قدرات للعمل في مضيق تايوان وبحر جنوب الصين وبحر شرق الصين.

إعلان

مع بداية القرن الحادي والعشرين دخلت الصين مرحلة جديدة من صعودها الاقتصادي، حيث أصبحت ورشة العالم الصناعية وصارت التجارة الخارجية أحد أهم محركات نموها، وبدأ الحديث عن ضرورة حماية المصالح الصينية أينما وجدت، وتبلورت أطروحات تدعو إلى بناء "بحرية أعالي البحار" القادرة على الدفاع عن خطوط التجارة والطاقة وتأمين المصالح الخارجية للدولة.

"بحلول نهاية عهد هو جينتاو أصبحت البحرية الصينية قوة إقليمية قادرة على العمل في البحار المفتوحة"

وترافقت تلك التطورات مع طفرة في بناء السفن الحربية. ففي عهد "هو جينتاو"، الذي امتد بين عامي 2003 و2012، دشنت الصين 71 سفينة مصممة محليا، وشهدت الصناعات البحرية الصينية تقدما سمح لبكين بالاعتماد بصورة أكبر على الإنتاج المحلي بدلا من الاستيراد الخارجي الذي ساد في مرحلة التسعينيات. وفي عام 2008 قررت بكين إرسال قوة بحرية للمشاركة في عمليات مكافحة القرصنة قبالة السواحل الصومالية في خليج عدن. وكانت هذه المهمة الأولى من نوعها منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية التي تنفذ فيها عملية بحرية بعيدة، ما أتاح اكتساب خبرات عملية في الدعم اللوجستي والقيادة والسيطرة، وتأمين خطوط الملاحة التجارية في بيئة عملياتية حقيقية.

وبحلول نهاية عهد هو جينتاو أصبحت البحرية الصينية قوة إقليمية قادرة على العمل في البحار المفتوحة، وتملك حضورا في المحيط الهندي، وخبرة تشغيلية خارج نطاق سلسلة الجزر الأولى. كما أصبحت تمتلك قاعدة صناعية وبشرية تسمح لها بالانتقال إلى مرحلة أكثر طموحا، وهي مرحلة ستبدأ مع وصول "شي جين بينغ" إلى السلطة عام 2013، الذي اعتبر أن الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة بناء "قوة بحرية عظمى" قادرة على الدفاع عن المصالح الصينية وفرض حضور بكين في النظام الدولي، وذلك ضمن خطة لتحويل الجيش الصيني إلى قوة عالمية بحلول عام 2049 في الذكرى المئوية لانتصار الثورة وإعلان الجمهورية الشعبية.

في عهد "هو جينتاو" دشنت الصين 71 سفينة مصممة محليا (الفرنسية)

وتزامن ذلك مع تصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة التي أطلقت سياسة "إعادة التوازن نحو آسيا" وعززت تعاونها العسكري مع اليابان وأستراليا والهند وتايوان، كما أعلنت عن الحوار الأمني الرباعي، المعروف باسم "كواد"، مع أستراليا والهند واليابان، في تحرك يهدف لتطويق الصعود الصيني.

خلال العقد الأول من حكم "شي" شهدت البحرية الصينية أكبر عملية توسع في تاريخها الحديث. فقد دخلت الخدمة عشرات الغواصات والمدمرات والفرقاطات والسفن البرمائية الجديدة بمعدل بلغ 16.5 سفينة سنويا، ما جعل الصين تمتلك أكبر أسطول بحري في العالم من حيث عدد القطع، وبإجمالي 234 سفينة حربية مقابل 219 سفينة حربية تابعة للبحرية الأمريكية دون احتساب السفن المساعدة والداعمة، وفق بيانات دائرة أبحاث الكونغرس عام 2025.

"خلال العقد الأول من حكم شي شهدت البحرية الصينية أكبر عملية توسع في تاريخها الحديث"

وقد حذرت تقارير استخبارية أمريكية من أن قدرة بناء السفن الصينية تفوق نظيرتها الأمريكية بأكثر من 200 مرة. كما دخلت حاملة الطائرات "لياونينغ" الخدمة عام 2012، تلتها الحاملة محلية الصنع "شاندونغ"، ثم الحاملة الأحدث "فوجيان" المزودة بنظام إطلاق كهرومغناطيسي، عام 2025، بينما يجري العمل حاليا على بناء حاملة رابعة، ما يتيح لبكين الحفاظ على وجود فعال في مناطق غرب المحيط الهادئ وشمال المحيط الهندي، واحتواء القوات المعادية التي قد تسعى إلى حصار الصين.

حاملة الطائرات الصينية فوجيان خلال تجربة بحرية (أسوشيتد برس)

ومع ذلك، فإن امتلاك حاملات طائرات جديدة لا يعني امتلاك قوة حاملة فاعلة. فالحاملة تحتاج إلى مجموعة قتالية تضم مدمرات وفرقاطات وغواصات وسفن إمداد وطائرات إنذار مبكر، وكذلك شبكات قيادة وتحكم متطورة، كما تحتاج إلى عقود من الخبرة التشغيلية والتدريب. ولهذا لا تزال البحرية الصينية متأخرة عن نظيرتها الأمريكية في هذا المجال، إذ تمتلك واشنطن خبرة تراكمية تمتد لأكثر من ثمانية عقود في تشغيل حاملات الطائرات في مختلف أنحاء العالم.

وفي بحر جنوب الصين، شرعت بكين ابتداءً من عام 2013 في عمليات بناء جزر اصطناعية فوق عدد من الشعاب المرجانية المتنازع عليها مع جيرانها. وبنت فوق هذه الجزر مواقع عسكرية تضم مدارج للطائرات ومنظومات رادار وصواريخ ومرافئ بحرية. وخارجيا، أسست بكين أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي عام 2017، ما ربط بين الحضور العسكري الصيني في المحيط الهندي وبين المصالح الاقتصادية المتنامية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.

التنافس البحري الأمريكي الصيني

أصبح صعود البحرية الصينية طيلة العقدين الأخيرين أحد أهم ملفات التنافس الإستراتيجي بين بكين وواشنطن. فبينما ترى الصين أن تطوير قوتها البحرية ضرورة لحماية مصالحها الاقتصادية وأمنها القومي، تنظر الولايات المتحدة إلى هذا التطور بوصفه التحدي الأبرز للنظام البحري الذي قادته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعتبر أن الصين تعمل على بناء حزام عازل في غرب المحيط الهادئ وشمال المحيط الهندي خارج سلسلة الجزر الأولى.

وتعكس التصريحات الأمريكية حجم القلق المتزايد من هذا الصعود. فقد حذر الأدميرال فيليب ديفيدسون، قائد القيادة الأمريكية السابق لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، أمام الكونغرس عام 2021 من أن الصين تسارع خطواتها لتحدي المكانة الأمريكية وربما تجاوزها بحلول عام 2049. وكان قد أشار قبل ذلك إلى أن البحرية الصينية نفذت في ثلاثين شهرا فقط عمليات انتشار بحري عالمي تفوق ما نفذته على مدار العقود الثلاثة السابقة مجتمعة.

"تبلغ الحمولة الكلية للأسطول الصيني نحو 1.85 مليون طن أي أقل من نصف الحمولة الإجمالية للبحرية الأمريكية"

ورغم أن البحرية الصينية هي الأكبر عالميا من حيث عدد القطع البحرية، فإن المقارنة بين الأسطولين الصيني والأمريكي تكشف حقائق أخرى، إذ تبلغ إجمالي حمولة الأسطول الصيني نحو 1.85 مليون طن بحسب دائرة أبحاث الكونغرس، أي أقل من نصف الحمولة الإجمالية للبحرية الأمريكية. والحمولة هنا مهمة لأنها تشير إلى مدى الإبحار نظرا لقدرة السفن الأكبر على حمل المزيد من الوقود والذخائر. كما تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق في حاملات الطائرات والغواصات النووية والطرادات والمدمرات الثقيلة. وتبرز كذلك فجوة في القوة النارية؛ إذ تمتلك السفن السطحية الأمريكية أكثر من 9000 خلية إطلاق عمودي للصواريخ، مقارنة بنحو ألف خلية فقط لدى البحرية الصينية.

في المقابل، تستفيد الصين من ميزة جغرافية لا تستطيع الولايات المتحدة تعويضها بسهولة. فالقوات الصينية تعمل بالقرب من قواعدها البرية وتحظى بدعم من سلاح الجو والقوة الصاروخية، بينما تضطر القوات الأمريكية إلى العمل على مسافات بعيدة من أراضيها، والاعتماد على شبكة قواعد وحلفاء تمتد من اليابان وغوام إلى أستراليا والفلبين. ولهذا ركزت بكين على تطوير إستراتيجية "منع الوصول" التي تعتمد على الصواريخ الباليستية المضادة للسفن وصواريخ كروز والغواصات والألغام البحرية والحرب السيبرانية، بهدف رفع تكلفة أي تدخل أمريكي بالقرب من السواحل الصينية.

وفي مواجهة هذه التحديات، خصصت الولايات المتحدة نحو 60% من أسطولها للعمل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كما رفعت هدفها المستقبلي لحجم الأسطول إلى 381 سفينة حربية بحلول عام 2042، وشرعت في تطوير مفاهيم تشغيلية جديدة تعتمد على توزيع القوات واستخدام الأنظمة غير المأهولة لمواجهة القدرات الصينية المتنامية.

"يصعب على الولايات المتحدة فرض هيمنتها العسكرية المطلقة قرب السواحل الصينية، كما يصعب على الصين تحدي التفوق الأمريكي في المحيطات البعيدة"

وفي جوهر الأمر يدور التنافس بين البلدين على ميزان القوى في غرب المحيط الهادئ، حيث تمتلك الصين أفضلية داخل البحار القريبة من سواحلها، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بتفوق عالمي يعتمد على شبكة قواعد وتحالفات عبر مختلف القارات. ولهذا يصعب على الولايات المتحدة فرض هيمنتها العسكرية المطلقة قرب السواحل الصينية، كما يصعب على الصين تحدي التفوق الأمريكي في المحيطات البعيدة.

حدود القوة البحرية الصينية

رغم التقدم الكبير الذي حققته البحرية الصينية في العقود الثلاثة الأخيرة، فإن الطريق أمامها لا يزال طويلا قبل الوصول إلى مستوى الانتشار العالمي الذي تتمتع به البحرية الأمريكية. لكن الهدف الصيني لا يبدو منصبا على تكرار النموذج الأمريكي بقدر ما يرتبط ببناء قوة بحرية قادرة على حماية المصالح الصينية، وتأمين خطوط التجارة والطاقة، ومنع القوى المنافسة من استغلال التفوق البحري للضغط على بكين أو تهديدها.

وفي هذا السياق، نجحت الصين في بناء قوة بحرية وجوية وصاروخية متكاملة تمنحها القدرة على فرض كلفة مرتفعة على أي قوة تعمل بالقرب من سواحلها، كما عززت حضورها في البحار المحيطة بها، ووسعت نطاق نشاطها نحو المحيطين الهادئ والهندي.

غير أن الانتقال من وضع القوة البحرية الإقليمية إلى القوة البحرية العالمية يظل مشوبا بصعوبات ترتبط بعوامل الجغرافيا وقيود الوصول إلى المحيطات، ومحدودية شبكات القواعد والدعم اللوجستي الخارجية، والخبرة العملياتية المحدودة، وطبيعة البيئة الإستراتيجية المحيطة بالصين المليئة بالمنافسين، حيث تنظر قوى إقليمية عديدة مثل اليابان والهند وأستراليا وفيتنام والفلبين إلى تنامي القوة البحرية الصينية على أنه مصدر قلق أمني، وتسعى إلى بناء توازنات تحد من حرية حركة بكين.

ومن ثم فإن التحدي الأهم يتعلق بمدى قدرة الصين، بعد أن توجهت لبناء قوة بحرية، على تحقيق أهدافها دون الانزلاق إلى صراع عالمي يشبه ذلك الذي خاضته قوى كبرى في مراحل سابقة من التاريخ، وأدى إلى تدميرها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا