آخر الأخبار

الجغرافيا تضيق بالنازحين.. كيف ترسم أوامر الإخلاء الإسرائيلية خريطة جنوب لبنان؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

من صور إلى صيدا، لم تعد حركة السكان في جنوب لبنان تقاس فقط بعدد السيارات العالقة على الطرق، بل بخريطة تتسع فيها الإنذارات وتضيق معها المساحات التي يمكن للنازحين الوصول إليها.

ففي كل إنذار إسرائيلي جديد، يتحول جزء آخر من الجنوب إلى منطقة طاردة، وتدفع عائلات إضافية شمالا، نحو بلدات ومدن باتت هي نفسها تحت ضغط النزوح.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ماذا يحدث شمال الخط الأزرق في لبنان؟ أقمار اصطناعية تكشف تحركات جيش الاحتلال
* list 2 of 2 كيف غيّر التصعيد بين إيران وإسرائيل خريطة سماء المنطقة؟ end of list

وتُظهر خريطة تفاعلية حللتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أن الأيام العشرة الأولى من يونيو/حزيران الجاري شهدت موجة مكثفة من أوامر الإخلاء الإسرائيلية، طالت نحو 45 نقطة جغرافية بين مدن وبلدات وقرى ومخيمات للاجئين، في نمطين رئيسيين هما إخلاء باتجاه شمال نهر الزهراني، أو الابتعاد كيلومترا واحدا عن مناطق سكنية محددة نحو أراض مفتوحة.

ولا تقف الصورة عند حدود الإنذار، فصور أقمار صناعية التقطتها شركة "إيرباص" بين 4 يناير/كانون الثاني و4 يونيو/حزيران 2026 ترصد آثار دمار في مدينة صور ومخيم البص ومحيط الموقع الأثري.

بينما تعكس الشهادات الميدانية من صيدا وحارة صيدا وجها آخر للأزمة بمراكز إيواء ممتلئة، وبلدات كانت تُعد أكثر أمنا تستقبل موجات جديدة من النازحين، ثم تصبح بدورها على خط التهديد أو الضغط.

وبين الخريطة والصور الفضائية وحركة النزوح على الأرض، يبدو جنوب لبنان أمام مشهد مكاني خانق في إنذارات تتوسع جنوبا وشرقا، وسكان يتحركون شمالا، ومدن تستقبل فوق طاقتها، في أزمة لم تعد إنسانية فقط، بل جغرافية أيضا.

مصدر الصورة التوزيع الجغرافي لإنذارات الإخلاء الإسرائيلية في جنوب لبنان بين 1 و10 يونيو/حزيران 2026 (وحدة المصادر المفتوحة-الجزيرة)

شمال الزهراني.. خط نجاة مزدحم

تركز النمط الأول من أوامر الإخلاء في 9 يونيو/حزيران الجاري، حين طالت الإنذارات مدينة صور الساحلية ومحيطها، إلى جانب طوق من المخيمات والتجمعات السكانية القريبة، بينها الرشيدية والبص والبرج الشمالي وشبريحا وجل البحر وزقوق المفدي والمعشوق والحوش ونبعا، فضلا عن بلدات وقرى توزعت على عدة أقضية.

إعلان

ففي قضاء صور، شملت الإنذارات مناطق في صور والعباسية والبرج الشمالي وعين بعال، حيث دُعي السكان إلى مغادرة مناطقهم والتوجه شمال نهر الزهراني، ومع اتساع الإنذار، تحولت الطرق المؤدية شمالا إلى مسارات نزوح مكتظة، في مشهد عكسه زحام المركبات الفارة من صور باتجاه صيدا.

ولم تقف الإنذارات عند قضاء صور. ففي نطاق صيدا والزهراني، طالت أوامر الإخلاء بلدات وقرى عدة، بينها مغدوشة وأرزي والخرايب ومزرعة كوثرية الرز والزرارية وأنصارية وبابلية والصرفند وقعقعية الصنوبر والبيسارية وتفاحتا والسكسكية والمروانية والنجارية والعدوسية وخربة بصل والعاقبية وصنيبر.

وامتدت رقعة الإنذارات إلى النبطية وإقليم التفاح، حيث شملت بلدة جرجوع، وإلى قضاء جزين حيث طالت كفر حونة وعرمتى وسجد، إضافة إلى بلدة مشغرة في البقاع الغربي.

كيلومتر إلى المجهول

أما النمط الثاني من الإنذارات فبدا أكثر التباسا للسكان، إذ لم يدفعهم إلى منطقة محددة شمالا، بل طلب منهم الابتعاد الفوري عن النطاق السكني المبني مسافة لا تقل عن كيلومتر واحد باتجاه أراض مفتوحة.

وبرز هذا النمط بشكل حاد في أيام الأول والثالث والخامس والعاشر من يونيو/حزيران الجاري، وشمل في نطاق صيدا والزهراني بلدات الغسانية وبنعفول وعزة وعنقون وأركي وعرنايا.

وفي نطاق النبطية وإقليم التفاح، طالت أوامر التراجع بلدات حومين الفوقا وعربصاليم ورومين وكفر فيلا وجباع، بينما شملت في قضاء جزين بلدة مليخ.

وتكشف هذه الأوامر عن مأزق مكاني إضافي، فالسكان لا يغادرون منازلهم إلى وجهة آمنة واضحة، بل يُدفعون إلى مساحات مفتوحة قريبة، في ظل استمرار التهديد واتساع رقعة الإنذارات، ما يجعل قرار البقاء أو المغادرة أكثر قسوة وتعقيدا.

تحذير شامل جنوب الزهراني

وبموازاة الإنذارات المحددة للبلدات والقرى، وسّع الجيش الإسرائيلي دائرة التحذير لتشمل مناطق أوسع في الجنوب اللبناني، إذ نشر المتحدث باسمه إنذارا عاجلا حذر فيه السكان من التوجه إلى المناطق الواقعة جنوبي نهر الزهراني.

ويمنح هذا التحذير العام بعدا أوسع للأوامر المحلية المتلاحقة، إذ لا يتعامل مع بلدة أو حي بعينه، بل مع مساحة جنوبية كاملة بوصفها منطقة خطر، وبهذا المعنى، يصبح الزهراني فاصلا في الجغرافيا اليومية للسكان، بين جنوب تتسع فيه التحذيرات وشمال تتراكم فيه موجات النزوح.

وتُظهر الخريطة أن هذا التحذير الشامل جاء مكملا لمسار متدرج من الإنذارات، بدأ من نقاط محددة ثم اتسع إلى بلدات ومخيمات ومحاور نزوح، بما زاد الضغط على صيدا ومحيطها والمناطق الواقعة إلى الشمال من النهر.

صور تحت الإنذار.. دمار في مدينة صور

لا تقف قراءة المشهد عند الخريطة. فصور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركة "إيرباص" بين 4 يناير/كانون الثاني و4 يونيو/حزيران 2026 ترصد آثار دمار في مدينة صور ومحيطها، بما في ذلك مخيم البص للاجئين الفلسطينيين وأحياء قريبة من الموقع الأثري في المدينة.

وتُظهر المقارنات البصرية تغيرات واضحة في عدد من المباني والممتلكات المدنية، مع آثار أضرار ودمار في مناطق مأهولة. ولا تكشف الصور وحدها تفاصيل كل ضربة أو توقيتها، لكنها توثق تحولا عمرانيا في مناطق تزامن ذكرها مع موجات الإنذار والنزوح.

إعلان

وتكتسب صور أهمية إضافية لأنها تربط بين مسارين في المشهد نفسه، مسار إنذارات يدفع السكان إلى الخروج، ومسار دمار يترك خلفهم أحياء ومخيمات ومباني مدنية متضررة.

صيدا وحارة صيدا.. مدن تستقبل فوق طاقتها

تتقاطع بيانات الخريطة والصور الفضائية مع شهادات ميدانية من صيدا ومحيطها، حيث لم تعد المدينة محطة عبور فقط، بل تحوّلت إلى مساحة ضغط سكاني متزايد مع كل موجة إنذار جديدة.

وفي جولة أعدها الصحفي بسام فقيه للجزيرة مباشر، أشار التقرير إلى أن بلدة عنقون القريبة من صيدا، والتي كانت تُعد سابقا منطقة أكثر أمنا، شهدت نزوحا جديدا بعد تلقيها تهديدات، رغم أنها كانت تحتضن مركزين للإيواء يضمان أكثر من 2800 نازح.

ودفع ذلك عددا من السكان إلى الانتقال نحو حارة صيدا والمدينة، بينما واصل آخرون طريقهم باتجاه بيروت، في مسار يعكس تقلص الخيارات أمام النازحين كلما اتسعت دائرة الإنذارات.

وبحسب مصطفى الزين رئيس بلدية حارة صيدا، فإن عدد النازحين داخل النطاق البلدي الصغير بات يتراوح بين 38 و40 ألف نازح، ما دفع السلطات المحلية والمتطوعين إلى اتخاذ تدابير استثنائية، بينها إغلاق شوارع كاملة لإنشاء نقاط إقامة مؤقتة مثل مركز الكرامة، لاستقبال عائلات لم تجد مأوى.

أزمة نزوح تتجاوز مراكز الإيواء

وتأتي هذه التطورات ضمن أزمة نزوح أوسع وثقتها الحكومة اللبنانية. فبحسب تقرير صادر عن رئاسة مجلس الوزراء بعنوان "الاستجابة الوطنية الشاملة للحكومة اللبنانية عن الحرب والنزوح الداخلي"، اضطر نحو مليون شخص إلى مغادرة منازلهم، خصوصا من الجنوب والنبطية والضاحية الجنوبية لبيروت، باتجاه مناطق أكثر أمنا.

ويوضح التقرير أنه في ذروة الأزمة بلغ عدد النازحين 141 ألفا و440 شخصا داخل 692 مركز إيواء، استمر تشغيل 631 منها حتى نهاية مايو/أيار، واستقبلت أكثر من 127 ألف نازح.

كما شكلت المدارس والمؤسسات التربوية أكثر من نصف مراكز الإيواء، وهو ما ضاعف الضغط على القطاع التعليمي، وربط أزمة النزوح مباشرة بالخدمات المحلية والبلديات والمدارس والمجتمعات المستقبلة.

الجنوب على خريطة تضيق

وبين خريطة الإنذارات وصور الدمار وحركة النزوح شمالا، يبدو جنوب لبنان أمام مشهد مكاني خانق حيث مناطق تتسع فيها أوامر الإخلاء، وطرق تدفع السكان نحو صيدا وبيروت، ومساحات آمنة تتقلص مع كل إنذار جديد.

ولا تقول الخريطة وحدها كل شيء، لكنها تكشف اتجاها واضحا وهو أن النزوح لم يعد حركة طارئة من بلدة إلى أخرى، بل أصبح مسارا جغرافيا متدرجا، يدفع السكان من الجنوب الأعمق إلى محاور استقبال مزدحمة، في أزمة لم تعد إنسانية فقط، بل أزمة مكان أيضا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا