آخر الأخبار

جرس إنذار أم رصاصة في الهواء؟ بيان غربي جديد يفرض عقوبات على إسرائيل

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في خطوة تكسر الشجب الأوروبي المعتاد، خرجت 6 دول غربية أمس الثلاثاء ببيان مشترك تضمن حزمة عقوبات على مستوطنين إسرائيليين وكيانات استيطانية، وامتدت لأول مرة لتشمل وزيرا يمثل ركيزة أساسية في الحكومة الإسرائيلية هو وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي حظرته باريس من دخول أراضيها إلى جانب 4 من قادة منظمات الاستيطان و21 مستوطنا من الضفة الغربية، في حين أعلنت لندن حزمة رابعة تستهدف 6 كيانات وفردا واحدا للتورط في تمويل وتمكين عنف المستوطنين.

وتأتي هذه العقوبات في لحظة بالغة الحساسية، تتقاطع فيها 3 مسارات إسرائيلية متصاعدة:


* عنف غير مسبوق من قبل المستوطنين في عموم الضفة برعاية رسمية من قبل وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو.
* خنق اقتصادي ممنهج للسلطة الفلسطينية عبر احتجاز أموال المقاصة وتقطيع شرايين بنوكها وبلوغ صرف الرواتب نسبا لا تتجاوز 50% في أفضل الأحوال.
* تسارع لافت في الاستيطان الذي يعزل القدس عن محيطها ويحول الضفة إلى مجموعة من الجزر المنعزلة.

وجاء البيان في أعقاب تحقيق أممي خلص إلى أن السلطات الإسرائيلية ضالعة "بشكل مباشر" في هجمات المستوطنين، وأن قوات الأمن الإسرائيلية كانت ترافقهم وتحميهم وهم يمارسون العنف.

غير أن قراءة الخبراء والباحثين لهذا البيان الغربي تتجاوز ظاهر النص، وتمتد إلى أن رؤية العقوبات في عيون بعضهم تمثل "جرس إنذار حقيقي" يكشف اتساع الفجوة بين تل أبيب وعواصم غربية كانت تاريخيا ركيزة لها، وقد تتحول إن جرى البناء عليها عربيا وإسلاميا إلى مقدمة لإجراءات أشد.

ومع ذلك فإن هناك آخرين يرونها مجرد "عقوبات شكلية" لا تلامس جوهر المشكلة، أي منظومة الاحتلال نفسها بحكومتها وجيشها وتمويلها للمستوطنات، بل قد تتحول إلى ذريعة أوروبية لمواصلة الدعم العسكري والاقتصادي تحت غطاء إجراءات رمزية ضد أفراد.

إعلان

وعلى الضفة الأخرى، كانت الاستجابة الإسرائيلية متوقعة وحادة؛ إذ رفضت الخارجية الإسرائيلية هذه الإجراءات ووصفتها "بالمشينة"، واتهمت الدول الموقّعة بالعجز عن مكافحة " معاداة السامية المتفشية" في بلدانها، واعتبرت العقوبات محاولة لفرض موقف سياسي يعارض "حق اليهود في العيش في أرض إسرائيل" تحت ستار "مكافحة العنف".

وبين أوروبا التي ترسل رسالة محسوبة، وإسرائيل التي تتعامل مع البيان كاعتداء على شرعيتها، ينفتح الأفق على سؤال جوهري: هل بدأ بالفعل تآكل الرصيد السياسي لإسرائيل في الغرب، أم أن ما يجري مجرد إيماءة دبلوماسية لا تكسر معادلة الإفلات من العقاب؟

مصدر الصورة خريطة تظهر نقاط الهدم والتدمير في الضفة الغربية حتى نهاية 2025 (الجزيرة)

التوقيت والخوف من انهيار السلطة

ثمة قاعدة تكاد تكون ثابتة في السلوك الأوروبي تجاه الملف الفلسطيني: "لا يتحرك إلا حين يقترب البيت من السقوط على ساكنيه". وهذه القاعدة هي التي تفسر -في جوهرها- توقيت هذا البيان وتركيبة موقعيه؛ فمعظمهم دول اعترفت بفلسطين أو تستعد للاعتراف بها، وتنظر إلى مشروع ضم الضفة الغربية بوصفه تهديدا لرؤيتها هي قبل أن يكون انتهاكا لحق فلسطيني، كما يقرأ ذلك مدير المؤسسة الفلسطينية الوطنية للإعلام إبراهيم المدهون.

وفي المسار نفسه تأتي قراءة الكاتب والمحلل السياسي الدكتور أحمد الحيلة. إذ إن ما حرك أوروبا ليس الضمير السياسي بل خشيتها من سقوط السلطة الفلسطينية تحت وطأة عنف المستوطنين والخنق الاقتصادي وعزل المدن والبلدات عن بعضها مما يحول الضفة إلى أرخبيل مفتت، وهي خشية مشروعة، لأن "انهيار السلطة لا يعني فراغا إداريا فقط، بل يمثل انفجارا يصب الزيت على نار مشتعلة من لبنان إلى إيران".

لكن هذه القراءة المتفائلة "باليقظة الأوروبية" يكسرها مدير مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات الدكتور محسن صالح حين يضع البيان في سياقه التاريخي الطويل؛ فهو ليس استثناء لكنه تكرار لخطاب تواظب أوروبا على ترداده منذ أكثر من 3 عقود من دون أن يمنع ذلك تضاعف عدد المستوطنين من 280 ألفا إلى أكثر من 900 ألف، ولا أن يحول دون تصويت الكنيست العام الماضي على الضم.

لكنه صالح يستدرك على هذا الرأي بأن هذا البيان يحمل جديدا هذه المرة، وهو التركيز على عنف المستوطنين، أي على "العرض" وليس على "الداء".

رسائل البيان: ضغط على إسرائيل وضبط للفلسطينيين

لا يُقرأ نص دبلوماسي بمعزل عن وظيفته المزدوجة؛ فالبيان -في عمقه- ليس موجها إلى إسرائيل وحدها، بل إلى الفلسطينيين أيضا، وإلى الجمهور الإسرائيلي قبل استحقاق سبتمبر/أيلول الانتخابي، وهذا التعدد في المرسَل إليهم هو ما يفسر سرّ غموض الرسالة وحدّتها في آن.

فعلى المستوى الإسرائيلي، يرى المدهون أن البيان يُسقط الذريعة التقليدية التي ظل يرددها الاحتلال بأن اعتداءات المستوطنين "تصرفات فردية"، ويضع القضاء الإسرائيلي نفسه تحت المجهر الدولي بعد أحكام منحت غطاء للاستيطان. ويضيف الحيلة طبقة أعمق مما سبق، إذ يقرأ البيان باعتباره إنذارا مزدوجا:

للحكومة بأن استمرار سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يعني مزيدا من العقوبات. للناخب الإسرائيلي بأن ثمن التطرف بات يحسب بعملة أوروبية.

إعلان

أما الرسالة الموجهة إلى الفلسطينيين فيلتقطها صالح بدقة؛ فالبيان -كما يراه- محاولة لإبقاء الوزيرين السابقين في "غرفة الانتظار" السياسية، وضبط سلوكهما كي لا يفلت عن السيطرة، فيما يُترك الاحتلال يتمدد على الأرض.

وحسب قوله، فإن هذه العقوبات تحولت من أداة ضغط إلى أداة لإدارة التوازن، وتُسجل موقفا أخلاقيا يبرّئ ضمير عواصم تواصل تسليح تل أبيب بـ19% من ترسانتها المستخدمة في حرب غزة.

مصدر الصورة صور أقمار صناعية للدمار في مخيم جنين شمال الضفة الغربية بداية العام الحالي (الجزيرة – بلانت)

عقوبات على الأفراد وليس المنظومة

ويرى المحللون أن نقطة الضعف البنيوية في البيان أنه يستهدف أفرادا وكيانات صغيرة من دون أن يقترب من المنظومة التي تنفذ وتمول وتحمي.

ويُلخص الحيلة هذه الفجوة في عبارة واحدة: "إسرائيل لا تُغيّر سياساتها إلا إذا دفعت أثمانا حقيقية"، والأثمان الحقيقية تكمن في الشراكة الاقتصادية الكبرى مع الاتحاد الأوروبي، وهي ورقة لم تُسحب بعد ولم يُلوَّح بها حتى.

ويرفع صالح على هذا جدار هذا التشخيص ارتفاعا أكبر؛ فالمشكلة عنده ليست في عشرات المستوطنين الذين شملتهم العقوبات، بل في حكومة كاملة وضعت الحسم والضم في صلب برنامجها، وفي جيش وأجهزة أمن تمول المستوطنات وتحمي عنفها، وفي كنيست شرّع الضم نفسه.

وحسب تشخيص مدير مركز الزيتونة، فإن معالجة الأعراض من غير الداء لا تنتج سوى مزيد من تكريس الأمر الواقع، الذي قد ينتهي بأوروبا إلى إصدار بيان "أسف" آخر على تسوية تاريخية لصالح الاستيطان.

ويأتي تحليل مستشار برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية يوست هيلترمان ليحوّل هذا التحليل النظري إلى قراءة سلوكية ملموسة؛ فالمستوطن المُدرَج اسمه في قائمة الحظر لا يكترث لمنعه من دخول دولة لم يكن يفكر في زيارتها من الأساس، في حين ترد الحكومة الإسرائيلية -بحكم تجاربها المتكررة- على كل عقوبة بمزيد من العقوبات الجماعية على الفلسطينيين:


* احتجاز جديد لأموال المقاصة.
* حواجز إضافية لا مبرر أمنيا لها.
* تضييق وخنق متواصلان حتى تنقلب العقوبة الأوروبية ضد من يُفترض أنها تحميهم.

اقتصاد الصمود.. بديل فلسطيني لمواجهة الخنق

إن أي بيان -مهما اشتد- لن ينقذ اقتصاد الضفة ما لم يتحرك الفلسطينيون أنفسهم لإعادة بنائه من الداخل.

إن الرؤية السابقة يطرحها الكاتب الفلسطيني أحمد الحيلة في سياق مفهوم "اقتصاد الصمود" بوصفه طوق نجاة"، ويصمم خريطة طريق يمكن أن تعزز هذه الرؤية من خلال:


* مراجعة سياسات السلطة لوقف التضخم الوظيفي.
* توجيه الموازنات نحو دعم صمود المواطن.
* إحياء الزراعة والصناعات التحويلية التي تخلى عنها الشباب رغم أنها العمود الفقري الطبيعي للاقتصاد.
* ويربط ذلك كله بشبكة أمان عربية وإسلامية تعوض ما يحتجزه سموتريتش، وبتحرك قضائي ينقل أسماء البيان من قوائم الحظر الأوروبية إلى ملفات المحكمة الجنائية الدولية.

ويُكمل المدهون الصورة من زاوية مختلفة، حين يُذكّر بأن المواقف الدولية تبقى مسكنات ما لم يرافقها أفق سياسي ينهي الاحتلال. فحتى الدعم الاقتصادي الأوروبي -الذي أعلنته لندن بـ10 ملايين جنيه إسترليني للسلطة بالتوازي مع البيان- يظل محدود الأثر إذا بقيت أدوات الخنق الإسرائيلية فاعلة.

ويفكك المستشار في مجموعة الأزمات هذه الأدوات؛ فإسرائيل تخنق الضفة بمسارين متوازيين:


* قيود الحركة عبر أكثر من ألف حاجز ونقطة تفتيش تمنع العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أعمالهم في الداخل الفلسطيني مما يمنع تدفق الأموال اللزمة لحركة الحياة.
* خنق مالي يقطع شرايين البنوك ويُحول الشيكل المتراكم في الضفة إلى أوراق نقدية بلا قيمة بعد أن رفض البنك المركزي الإسرائيلي تسلمها، لتصبح بلا فائدة لأن اقتصاد الضفة قائم على الاستيراد ولا يمكنها استخدام الشيكل لدفع قيمة الواردات للموردين الأجانب.
إعلان

وسقف ما يطرحه المجتمع الدولي اليوم لا يتجاوز العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي عودة إلى وضع كان سيئا أصلا. أما فك الارتهان البنيوي للاقتصاد الإسرائيلي، فمهمة بعيدة المدى لن تتحقق ما لم تترجمها أوروبا إلى عقوبات على السياسة لا على الأفراد، حسب ما قاله يوست هيلترمان.

حدود الموقف الأوروبي

ويبقى السؤال: لماذا يتوقف الفعل الأوروبي عند هذا الحد؟ وتكمن الإجابة في بنية القرار الأوروبي ذاته؛ فغياب الإجماع داخل الاتحاد دفع فرنسا إلى الانتقال من العمل الجماعي إلى تحالف وطني مصغر مع شركاء بعينهم، تمهيدا لاجتماع تستضيفه باريس في 12 يونيو/حزيران الجاري بمشاركة نحو 10 وزراء خارجية بالتزامن مع ذكرى "إعلان نيويورك" للدولة الفلسطينية.

وداخل هذا السقف المنخفض تكمن المفارقة الأكبر: حكومات تُعاقب مستوطنين، وفي الوقت نفسه تواصل تسليح من يحميهم.

ويلتقي صالح هنا مع هيلترمان في خلاصة واحدة، رغم تباعد زاويتي الرؤية: ما لم تُفرض عقوبات على المشروع الاستيطاني بوصفه سياسة دولة، فإن البيان سيظل -في أحسن أحواله- وثيقة لتبرئة الضمير الأوروبي، وليس أداة لتغيير السلوك الإسرائيلي.

والخلاصة.. يكشف البيان الأوروبي عن مفارقة عميقة؛ فهو من جهة يمثل جرس إنذار يُسجل تحولا في اللهجة الأوروبية تجاه إسرائيل، لكنه من جهة أخرى يبقى أسير سقفه الشكلي الذي يستهدف أفرادا وكيانات صغيرة من دون أن يقترب من منظومة الاحتلال نفسها أو من المظلة العسكرية والاقتصادية التي توفّرها أوروبا لإسرائيل.

ويبقى كل ذلك مرهونا بتحرك الفلسطينيين أنفسهم عربيا ودوليا لتعظيم أثر مثل هذا البيان عبر مسارات قانونية واقتصادية وسياسية متوازية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا