في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في مايو/أيار 2025، وبينما كانت سماء كشمير تضج بأزيز الطائرات في تصعيد عسكري غير مسبوق منذ سنوات، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ليعلن بأسلوبه الصادم أنه نجح في منع الانزلاق إلى "حرب نووية" بين الهند وباكستان عبر تهديد الطرفين بـ"رسوم جمركية مدمرة". وتباهى ترمب حينها بلعب دور "الوسيط"، وهو دور لم تقبله نيودلهي في تاريخ علاقتها بإسلام أباد، ومن ثم نفت أن وساطة واشنطن كانت السبب في وقف إطلاق النار، مما أغضب إدارة ترمب.
لم يكن هذا الحدث مجرد أزمة عابرة، بل نموذجا مصغرا لطبيعة العلاقات الأمريكية الهندية على مر عقود، فلطالما تنافرت حسابات السياسة الهندية مع المصالح الأمريكية في جنوب آسيا. ولعل ولايتي ترمب، على وجه التحديد، قد كشفتا الكثير من الحقائق التي ضيقت مساحة الشراكة بين الطرفين، في ظل عدم ثقة هندية حيال التوجهات الأمريكية الجديدة. فتارة تفرض إدارة ترمب جمارك بنسب مرتفعة على الهند لشرائها النفط الروسي، وتارة أخرى تفرض واشنطن سياسات متشددة في ملف الهجرة، انخفض على إثرها عدد الهنود العاملين في الولايات المتحدة.
"لطالما تنافرت حسابات السياسة الهندية مع المصالح الأمريكية في جنوب آسيا"
بيد أن أن هذا "التحالف الذي لا يكتمل" لم يتعثر فقط في ظل إدارة ترمب، بل هو تجسيد لعلاقة معقدة لها جذور قديمة. وبينما كان الانفتاح الأمريكي على بكين في نهايات الحرب الباردة التحول الأهم في أزمة الثقة الأمريكية الهندية، فإن زيارة ترمب الأخيرة إلى الصين، وما تداولته بعض وسائل الإعلام عن صفقة أمريكية صينية، لم يزد تلك الأزمة إلا رسوخا. هذا الإرث للعلاقات الأمريكية الهندية يثبت أن جغرافيا المصالح المشتركة لا تزال تتحطم عند صخرة "الاستقلال الإستراتيجي" الهندي.
في عام 1942، عندما كانت صيحات الحركة الوطنية الهندية "اخرجوا من الهند" تدوي في جنوب آسيا، لاحت في الأفق بارقة أمل بدعم أمريكي لتطلعات الهنود. لكن سرعان ما وجد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت نفسه أمام مفترق طرق، إما أن يناصر طموحات الهند الوليدة أو يشد أزر الحليف البريطاني المنهك في خضم الحرب العالمية الثانية. في النهاية، وبعد تردد، اختار روزفلت البريطانيين، ليغرس بذلك بذرة مرارة في الذاكرة الوطنية الهندية قبل أن تبزغ شمس دولتها المستقلة.
ولم يتردد أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال، جواهر لال نهرو، في اتهام واشنطن بالسعي لاحتلال مكانة بريطانيا الاستعمارية في جنوب آسيا، وتقويض الدور الريادي الطبيعي للهند في المنطقة. ومع ذلك لم تدخر الإدارات الأمريكية المتعاقبة جهدا في محاولة استمالة نيودلهي للتحالف معها في مواجهة الاتحاد السوفياتي، متذرعة بأن الهند، كدولة ديمقراطية، خصم طبيعي للسوفيات.
"لم يتردد أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال، جواهر لال نهرو، في اتهام واشنطن بالسعي لاحتلال مكانة بريطانيا الاستعمارية في جنوب آسيا"
مع انقضاء الأربعينيات وصعود الصين الشيوعية، أخذت واشنطن تحذر من تمدد "الشيوعية الصينية" في آسيا، لكن تحذيرها قوبل بحياد هندي أثار استياء واشنطن، نتيجة رغبة نهرو في صياغة سياسة عدم انحياز في آسيا قائمة على التعاون الهندي الصيني. سرعان ما وجد الهنود أنفسهم في مواجهة سياسية مع أمريكا، حين أدرجت واشنطن باكستان، عدو الهند، ضمن شبكة أحلافها العسكرية (مثل حلف بغداد ومنظمة معاهدة جنوب شرق آسيا) في منتصف الخمسينيات، وهو ما عَدَّته نيودلهي محاولة أمريكية لخلق توازن مصطنع بين الهند وباكستان، لا يستند إلى أي مبرر موضوعي، مما دفع الهند مرغمة إلى سباق تسلح لتجاري الدعم العسكري الأمريكي المتزايد لباكستان.
ورغم ما سبق، لم يتخلَّ الساسة الأمريكيون عن رغبتهم في شراكة ما مع الديمقراطية الهندية. ففي عام 1958، قدَّم السيناتور الديمقراطي (الرئيس لاحقا) جون كينيدي والجمهوري شيرمان كوبر مشروع قانون لزيادة المساعدات التنموية للهند، من منطلق أن دعم الولايات المتحدة لديمقراطية ناشئة في وجه المد الشيوعي أمر حيوي. ويشير دينيس كوكس في كتابه "الهند والولايات المتحدة: ديمقراطيات متباعدة" إلى أن "المساعدات الأمريكية تضاعفت بشكل ملحوظ في الولاية الثانية للرئيس دوايت أيزنهاور، وارتفعت من نحو 400 مليون دولار في عام 1957 إلى رقم قياسي بلغ 822 مليون دولار في عام 1960".
"صُدِمَت الهند في عام 1962 باندلاع الحرب مع الصين في أقصى الشمال الشرقي، وهي حرب انتهت بهزيمة هندية"
صُدِمَت الهند في عام 1962 باندلاع الحرب مع الصين في أقصى الشمال الشرقي، وهي حرب مُنيَت فيها بهزيمة دفعتها لإعادة النظر في رؤيتها لإمكانية التعاون الهندي الصيني، ومن ثم تبلور تعاون استخباري محدود بين واشنطن ودلهي في منتصف الستينيات. غير أن "التنافر الإستراتيجي" بين الأمريكيين والهنود سرعان ما عاد إلى الواجهة من جديد في أوائل السبعينيات، مع صعود هنري كيسنجر مستشاراً للأمن القومي في إدارة نيكسون ثم وزيرا للخارجية. فقد رأى كيسنجر إمكانية الانفتاح على الصين لموازنة النفوذ السوفياتي، ومصلحة أمريكية في إحداث تباعد بين روسيا والصين، ومن ثم زار الصين سرا عبر باكستان في عام 1971.
في العام نفسه، اندلعت الحرب بين الهند وباكستان على مصير باكستان الشرقية (التي أصبحت بنغلادش في العام ذاته). وقد شنَّت الهند عمليات عسكرية واسعة لترجيح كفة انفصال البنغال إلى شرقها عن باكستان إلى غربها، في أكبر انتصار إستراتيجي لها في الحرب الباردة. في تلك اللحظة، اختارت واشنطن الانحياز لحليفها الباكستاني، وأرسلت إدارة نيكسون حاملة الطائرات "إنتربرايز" إلى خليج البنغال، مع تبرير رسمي بأن الهدف ردع الهند عن مهاجمة باكستان ذاتها. وقد رسخت تلك الحرب لدى الهند قناعة مفادها أن واشنطن غير معنية بشراكة حقيقية مع الهند، وأن مصالحها باتت تتمحور حول التقارب مع الصين والشراكة الإستراتيجية المفيدة مع باكستان، وهما الخصمان الرئيسيان للهنود.
مع بوادر نهاية الحرب الباردة وتدهور الاتحاد السوفياتي في الثمانينيات، بدأت الهند تنفتح تدريجياً على الولايات المتحدة، لكنها لم تتخل عن روابطها الراسخة مع موسكو، ولا عن خياراتها الإستراتيجية في جوارها المباشر، حيث رفضت نيودلهي التعاون مع واشنطن بشأن النظام الإسلامي الجديد آنذاك في إيران، وحافظت على العلاقات الودية مع النظام العسكري في ميانمار. وقد زار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الهند في عام 2000 في زيارة هي الأطول في تاريخ البلدين، والأولى منذ نهاية الحرب الباردة. وفي خطاب أمام البرلمان الهندي، أشاد كلينتون بالديمقراطية الهندية.
"زار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الهند في عام 2000 في زيارة هي الأطول في تاريخ البلدين، والأولى منذ نهاية الحرب الباردة"
في عام 2001، وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، شهدت العلاقات الهندية الأمريكية انعطافة نقلتها من مربع التنسيق المحدود إلى فضاء الشراكة الدفاعية، حيث أبدت الهند مرونة جيوسياسية عالية بتوفير التسهيلات العسكرية للعمليات الأمريكية في أفغانستان. وقد دأبت إدارتا جورج بوش الابن وباراك أوباما بعدئذ على وصف واشنطن ونيودلهي بـ"أقدم وأكبر الديمقراطيات في العالم"، مشددين على علاقاتهما التاريخية، رغم البرود الذي طغى عليها فعلياً في الحرب الباردة.
وفي عام 2005، أبرمت إدارة بوش الابن اتفاقا تاريخياً للتعاون في مجال التكنولوجيا النووية المدنية مع الهند في عام 2005، في نقطة تحول مهمة بين البلدين، إذ كانت واشنطن تمتنع عن الاعتراف بالبرنامجين النوويين الهندي والباكستاني، رغبة منها في التأكيد على حظر انتشار السلاح النووي خارج نطاق القوى الخمس الكبرى. غير أن اتفاق 2005 مع دلهي فتح الباب ضمنياً أمام الإقرار بمكانة الهند كقوة نووية.
ولكن منذ صعود حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، المحسوب على حزب "بهارتيا جاناتا" والحركة القومية الهندوسية عام 2014، تضاءلت الدعاية الأمريكية المستمرة عن العلاقات الهندية الأمريكية بوصفها قائمة على المبادئ الديمقراطية المشتركة. فقد شهدت "أكبر ديمقراطية في العالم" تصاعدا مقلقا في العنف ضد الأقليات، وبخاصة الأقلية المسلمة، بتحريض من سياسيين بارزين في الحزب الحاكم، كما شهدت تآكلا للقيم الدستورية والمؤسسية في الهند.
رغم هذه الانتكاسات، واصلت إدارة الرئيس جو بايدن جهودها لتعزيز العلاقات مع الهند، مستندة بقوة إلى القيم المشتركة المفترضة بين البلدين. تزامن ذلك مع سياسات هندية حافظت على علاقاتها مع المجلس العسكري، الذي أطاح بحكومة ميانمار الديمقراطية في عام 2021، وباعت له أسلحة. كما لعبت نيودلهي دورا فاعلا في التكتلات متعددة الأطراف، التي تحاول موازنة الولايات المتحدة، مثل مجموعة بريكس.
"الهند لا تزال أكبر زبون للسلاح الروسي في العالم، وأحد أهم المشترين للنفط من موسكو"
كما استمرت العلاقة التاريخية الوطيدة بين موسكو ودلهي طيلة تلك السنوات. إذ إن الهند لا تزال أكبر مشترٍ للسلاح الروسي في العالم، وأحد أهم المشترين للنفط الروسي. قبل الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، مضت الهند قدما في شراء منظومات الدفاع الجوي الروسية "إس-400″، متجاهلة تهديدات العقوبات الأمريكية. ومنذ غزو أوكرانيا، امتنعت الهند عن التصويت على جميع القرارات الحاسمة في الأمم المتحدة، ورفضت أي قيود اقتصادية على روسيا، بل وزادت من وارداتها النفطية الروسية.
"يصبح الطفل هنا مواطنا على الفور، ثم يجلبون العائلة بأكملها من الصين أو الهند أو أي مكان آخر بائس على هذا الكوكب"
بهذه التغريدة التي أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نشرها قبل أشهر، تحول تصريح المعلق السياسي الأمريكي المحافظ "مايكل سافاج" إلى شرارة أشعلت فتيل أزمة في العلاقة الهندية الأمريكية، التي شهدت اضطراباً بدخول ترمب إلى البيت الأبيض لأول مرة في يناير/كانون الثاني 2017، قبل أن تشهد تحسنا ملحوظا بفضل التقارب الشخصي بين ترمب ومودي، غير أن هذا التقارب الشخصي لم يفلح في تمهيد "المطبات الكبرى" التي أعاقت اكتمال حلم التحالف بين البلدين.
فقد أطلق ترمب العنان لحملة شرسة ضد الهجرة، مستهدفا بحدة برنامج تأشيرة العمل المؤقت (H-1B)، الذي يمثل شريان حياة لآلاف المتخصصين الهنود في قطاع التكنولوجيا. واستأنف هذه الحملة مع عودته الثانية إلى الرئاسة في عام 2025، ففي ذلك العام وحده، رُحِّل أكثر من 3800 هندي من الولايات المتحدة، وهو الرقم الأعلى منذ سنوات. ورغم فداحة المشهد، التزمت حكومة مودي الصمت المطبق، لكن التوتر المكتوم أخذ يؤثر ببطء على الشراكة الجديدة نسبيا. وقد أعلنت الهند أنها تؤيد حرية التنقل القانونية وتثني مواطنيها عن العبور غير القانوني عبر الحدود، في محاولة لتهدئة الأجواء والحفاظ على خطوط التواصل مفتوحة مع الإدارة الأمريكية الجديدة.
ولكن خلف الكواليس كان التنافر يختمر ببطء. إن الهند بكتلتها البشرية التي تتجاوز المليار، بخلاف حلفاء أمريكا التقليديين، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، لا يمكن أن تكون مجرد قاعدة عسكرية أو شريك أمني، بل هي "قارة بشرية" تعتمد في صعودها الاقتصادي على أسواق مفتوحة وتكنولوجيا رخيصة، والأهم على تصدير كفاءاتها البشرية.
"بينما كانت الهند تسعى لتوسيع نطاق حركتها الاقتصادية والسياسية، كانت إدارة ترمب تعمل على تضييق المساحات أمام المهاجرين والمنتجات الأجنبية"
وقد اصطدمت هذه الاحتياجات التنموية الحيوية مباشرة بسياسات ترمب الحمائية، ورؤيته "النفعية" للتحالفات الأمريكية. بمعنى آخر وبينما كانت الهند تسعى لتوسيع مساحات حركتها الاقتصادية والسياسية، كانت إدارة ترمب تعمل على تضييق المساحات أمام المهاجرين والمنتجات الأجنبية، ولم يقتصر تأثير ذلك على علاقاتها مع خصومها مثل الصين، وشركائها الذين لم تترسخ الشراكة معهم بعد مثل الهند، بل امتد إلى حلفائها الراسخين مثل كندا وأوروبا.
لم تكن العلاقات الهندية الأمريكية قبل فترة ترمب الثانية خالية من التصدعات. فقد تزايدت خلال عهد بايدن المخاوف بشأن التورط المزعوم للحكومة الهندية في محاولات اغتيال معارضين سياسين هنود في كندا والولايات المتحدة في عام 2023. وفي المقابل، سادت مزاعم في نيودلهي بأن واشنطن كانت تسعى لتقويض حكومة مودي. وفي عام 2024، ارتفعت أصوات هندية تتحدث عن "أياد أجنبية" لعبت دورا في تأجيج انتفاضة بنغلادش، التي أطاحت بالحكومة الصديقة للهند بقيادة رئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة واجد.
مع ذلك، وفي الفترة نفسها، حصلت الهند على تعاون في جوانب عدة مع الأمريكيين. فقد استمر التعاون الدفاعي والاستخباري، وعزز البلدان جهودهما في مجال الأمن البحري عبر اتفاقيات جديدة، وسط حديث عن دور للهند في السياسة الأمريكية لاحتواء الصين وتطويقها. كما نما حجم التجارة الثنائية وبلغ نحو 130 مليار دولار في عام 2024. وشملت أهم صادرات الهند إلى أمريكا الأدوية وقطع غيار السيارات والأجهزة الكهربائية والأحجار الكريمة، ومن ثم تدفقت الدولارات إلى الهند.
مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، رحبت حكومة مودي بهذه العودة وسط توقعات بإعادة ضبط العلاقة عن طريق التواصل الشخصي بين مودي وترمب. كان هذا الترحيب متجذراً في اعتقاد هندي راسخ بأن ترمب ومودي يتقاسمان وجهات نظر عالمية متشابهة كقادة شعبويين قوميين، لا سيما أن كليهما يعتبر الصين والإسلام "المتطرف" تهديدين وجوديين. كان هذا الرهان هو ما خفف من حدة الاحتكاكات الأولية بشأن حملة ترمب على المهاجرين.
"الود الشخصي بين ترمب ومودي لم يصمد طويلا أمام عواصف سياسات ترمب الاقتصادية"
بيد أن الود الشخصي لم يدم طويلا أمام عواصف سياسات ترمب الاقتصادية. ففي أبريل/نيسان 2025، صدم ترمب العالم بفرض تعريفات جمركية عالمية، واعتقدت الهند حينها أنها في مأمن، قبل أن يشملها ترمب بعد بضعة أشهر، بل وضعها في مصاف الدول التي نالت الجمارك الأعلى على الإطلاق. ثم بدأ الهجوم على الهند في 30 يوليو/تموز، عندما أعلن ترمب أن اقتصاد الهند "ميت". ثم في أغسطس/آب 2025، فرضت إدارة ترمب على الهند رسوما جمركية بنسبة 25% بسبب شرائها النفط الروسي، بالإضافة إلى رسوم جمركية متبادلة بنسبة 25% كانت واشنطن قد فرضتها سابقا على الهند بسبب تحقيقها فائضا تجاريا مع الولايات المتحدة.
أثارت هذه الرسوم غضبا واسعا في الهند لعدة أسباب. أولها أنها أُعلِن عنها في وقت كانت فيه الهند والولايات المتحدة تجريان محادثات بشأن اتفاقية تجارية. وثانيها أن الرسوم المفروضة على الهند بسبب شرائها النفط الروسي عُدَّت باهظة وغير عادلة. وقد جعلت الرسوم الجمركية التراكمية البالغة 50% الهند من أكثر الدول التي فرضت عليها الولايات المتحدة رسوما جمركية على الإطلاق.
لم يتوان ترمب في تجاهل المصالح الهندية السياسية والإستراتيجية. فقد ظل يكرر تصريحاته بأنه تدخل لوقف الحرب بين الهند وباكستان، رغم ما أثاره ذلك من غضب عارم في نيودلهي، لأنه يتعارض مع موقف الهند التاريخي، الذي يصر على تسوية الخلافات مع باكستان ثنائيا دون اللجوء للوسطاء. وقد نفت الهند مرارا وتكرارا أي دور للولايات المتحدة في وقف القتال مع باكستان، مؤكدة روايتها بأن مكالمة هاتفية من مسؤول عسكري باكستاني رفيع المستوى إلى نظيره الهندي هي التي أدت إلى وقف إطلاق النار. ومع ذلك، أصر ترمب على موقفه، وتوقع أن تدعمه الهند للفوز بجائزة نوبل للسلام، كما فعلت باكستان. وقد أدى ذلك إلى توتر العلاقات بين ترمب ومودي، كاشفا عن طبقات أعمق من التناقضات السياسية التي طالما حكمت هذه العلاقة المعقدة، أكثر من أي مصالح جيوسياسية مشتركة.
في الحقيقة، وضعت فترة ترمب الثانية حدا لما كان يعرف بـ "الإيثار الإستراتيجي" الأمريكي تجاه الهند. ففي الإدارات السابقة، كانت واشنطن مستعدة للتغاضي عن الخلافات التجارية أو تقارب الهند مع روسيا، معتبرة العلاقة استثمارا طويل الأمد لموازنة نفوذ الصين. ولذا، دأب الكونغرس باستمرار على استثناء الهند من عقوبات شراء السلاح أو النفط الروسي. أما ترمب، فقد ضيق هذا الهامش؛ إذ لم تعد الولايات المتحدة تقدم صفقات تفضيلية، بل أصبحت تتوقع تنازلات تجارية ملموسة وفتحا للأسواق مقابل التعاون الدفاعي مع الهند.
"وضعت فترة ترمب الثانية حدا لما كان يعرف بالإيثار الإستراتيجي الأمريكي تجاه الهند"
من جهة أخرى، وبخلاف حلفاء أمريكا التقليديين في آسيا، الذين قد يرضخون للإملاءات الأمريكية لضمان الحماية النووية، فإن الهند دولة ذات سيادة كاملة تمتلك ثاني أكبر جيش في العالم بعدد الجنود وترسانة نووية مستقلة. وهذا الوضع يجعل خيار "الانحناء في وجه العاصفة" لاحتواء ضغوط ترمب أمرا غير مجدٍ سياسيا، لأن تكلفته الداخلية في الهند ستكون باهظة، وتمس عقيدة الاستقلال الإستراتيجي التي لم تتغير بتبدل الأحزاب الحاكمة والقادة في دلهي.
ولذا بدأت الهند التفاعل الدبلوماسي متعدد الأطراف مع القوى الأخرى بالفعل. فقد فتحت باب التعاون مع أوروبا وبريطانيا، تحت ذريعة "تقليل المخاطر" للتعامل مع تقلبات إدارة ترمب؛ حيث تعتبر دلهي أوروبا الآن شريكا مهما سياسيا واقتصاديا، لا سيما أن بروكسل تسعى هي الأخرى إلى تعزيز استقلاليتها بدلا من الاعتماد الكامل على واشنطن.
ولكن في الوقت نفسه، تتبنى الهند سياسة "الإيثار التكتيكي"، وهي تقديم تنازلات إجرائية (مثل سحب بعض القوانين الضريبية التي تضررت منها الشركات الأمريكية) لامتصاص غضب ترمب وتجنب المواجهة العلنية معه، مع الاستمرار في بناء قدراتها المحلية، حيث تدرك الهند أن التكنولوجيا الأمريكية لا تزال "لا غنى عنها"، لكنها تسعى إلى الحصول عليها دون أن تفقد "بوصلتها الإستراتيجية".
بحفاوة بالغة، استُقبِل الرئيس الأمريكي ترمب في العاصمة الصينية بكين يوم 17 مايو/أيار 2026، وكان في انتظاره حرس شرف بعرض مبهر، ومأدبة عشاء رسمية، ودعوة استثنائية لدخول المجمع الحصري الذي يعيش ويعمل فيه قادة الحزب الشيوعي الصيني. كانت أروقة بكين تشهد أيضاً حضوراً لافتاً لعمالقة التكنولوجيا الأمريكيين، مثل إيلون ماسك وجين-سون هوانغ (الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا)، في إشارة إلى الأجندة الاقتصادية الثقيلة التي شملت ملفات الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والسيارات الكهربائية، إلى جانب ملفات جيوسياسية حساسة مثل تايوان وإيران.
لم يكن هذا المشهد الاحتفالي في بكين مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل كان استعادة لسيناريوهات تاريخية لطالما أرقت صانع القرار في نيودلهي؛ حيث كانت رغبة واشنطن في التقارب مع الصين دائماً واحدة من أبرز العوامل التي تؤدي إلى برود العلاقات الهندية الأمريكية. كما حدث في السبعينيات حين أقدم الرئيس الأمريكي نيكسون على تطبيع العلاقات مع الصين بوساطة باكستانية.
"كانت رغبة واشنطن في التقارب مع الصين دائما واحدة من أبرز العوامل التي تؤدي إلى برود العلاقات الهندية الأمريكية"
إلا أن التحدي الصيني كان قد عاد منذ عقدين يؤرق الهند وأمريكا ويقربهما. فمنذ عام 2008، قفزت صادرات الدفاع الأمريكية للهند إلى 20 مليار دولار، وأصبحت الهند تنظر إلى أمريكا مصدرا للتكنولوجيا المتقدمة والأسلحة يزاحم روسيا ويعزز تنوع مصادرها التسليحية. وفي عام 2017، أعادت الهند والولايات المتحدة، مع اليابان وأستراليا، إحياء الحوار الأمني الرباعي (كواد) لمواجهة طموحات الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وشكَّل اشتباك "وادي غلوان" الحدودي بين الصين والهند في عام 2020، الذي أسفر عن مقتل عشرات الجنود على الجانبين، نقطة تحول أقنعت المترددين في نيودلهي بضرورة توطيد العلاقات مع واشنطن لمواجهة "المطامع" الصينية في تخوم الهيمالايا.
لكن مع عودة ترمب الثانية، وبينما كان مودي يدشن مشروع "فيكست بهارَت"، الذي يعني باللغة الهندية "الهند المتقدمة"، ويهدف إلى تحويل الهند إلى قوة كبرى بحلول عام 2047، مستندا إلى نشوة انتصار انتخابي في عام 2024، جاءت "مغامرات" ترمب العسكرية لتقلب الطاولة رأسا على عقب. ففي غضون أسابيع، تحولت الهند من مرشح للاستفادة من عودة ترمب إلى ضحية لتقلباته، حيث خنقت الحرب في إيران مضيق هرمز، شريان الطاقة الأساسي للهند.
ترمب بصحبة الرئيس الصيني شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى في بكين (أسوشيتد برس)تزيد هذه التحولات جميعا من حسابات المخاطر الهندية، التي اعتمدت منذ عام 2000 تقريبا على استمرار الاحتكاك بين واشنطن وبكين، مما جعل دلهي "ثقلا موازنا" حيويا. بالإضافة إلى ذلك، يهدد هذا التقارب الأمريكي الصيني بتقويض ميزة سلاسل الإمداد العالمية، التي استفادت منها الهند مؤخرا.
فأي اتفاق يخفف التعريفات الجمركية أو القيود التكنولوجية سيعيد المزايا التنافسية للمصانع الصينية، مما يؤدي إلى هروب الاستثمارات من الهند. كما تخشى دلهي من تراجع الضغوط الأمريكية على محور الصين-باكستان، فقد تتغاضى واشنطن عن الدعم العسكري الصيني لإسلام آباد مقابل تنازلات تجارية من بكين.
لكن التطور الأخطر بالنسبة للهند هو تقارب ترمب مع باكستان نفسها، خصم الهند الإستراتيجي الذي يلعب الآن دور الوسيط مع طهران؛ إذ إن إسلام آباد بالنسبة لإدارة ترمب شريك قادر على تقديم "نتائج ملموسة وفورية" في مناطق متعددة مثل الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ومتطلبات باكستان ليست مثل القوى الكبرى ذات التعداد السكاني الضخم، ولذا عاد اهتمام واشنطن القديم بشراكتها الإستراتيجية مع باكستان، الدولة التي أثببت أنها تملك المرونة التي تفتقر إليها القوى الإقليمية الأكبر.
"التطور الأخطر بالنسبة للهند هو تقارب ترمب مع باكستان نفسها"
ورغم أن الصين تستحوذ اليوم على أكثر من 70% من واردات السلاح الباكستانية، وتعد حليفا وثيقا لإسلام آباد في صراعها مع الهند، فإن الولايات المتحدة لا تزال تتمسك بباكستان حليفا رئيسيا من خارج الناتو (Major Non-NATO Ally)، وهو وضع تتمتع به إسلام أباد منذ عام 2004. هذه المفارقة، تضعف تموضع الهند الجيوسياسي في إستراتيجية واشنطن لاحتواء الصين؛ إذ تثبت الحالة الباكستانية أن الارتباط الإستراتيجي بخصم (مثل الصين) لا يمنع بالضرورة التحول إلى "شريك وظيفي" لا غنى عنه للخصم الآخر.
في المحصلة، يظل من الصعب على العلاقات الهندية الأمريكية أن تكسر سقف "الشراكة المعقدة"؛ إذ إن التاريخ وبنية النظام الدولي ومتطلبات الهند بوصفها قوة كبرى في آسيا تحول دون ذلك. والعقدة الأساسية هنا تكمن في موقف نيودلهي الصارم، فهي غير معنية بتقديم "تنازلات جيوسياسية أو تجارية" تحيلها إلى مجرد أداة لتطويق بكين. وإذا كانت الهند تمثل شريكا أثقل من أن ينضوي تحت مظلة ترمب الضيقة وإملاءاته، فإن باكستان تظل لاعبا أمنيا ووظيفيا لا تملك واشنطن رفاهية التخلي عنه، ويستطيع أن يجد لنفسه مكانا بسهولة في حسابات ترمب.
إن الرهان على أن الصراع الجيوسياسي بين واشنطن وبكين يقود حتماً إلى دخول دلهي في فلك التحالفات الأمريكية، هو رهان قاصر يغفل تاريخاً ممتداً من التناقض بين الديمقراطيتين الأكبر في العالم، رغم تقاطع مصالحهما الجيوسياسية في مرات عديدة، وهو تقاطع لم يكن كافياً كي يتبلور تحالف إستراتيجي كامل بين واشنطن ودلهي.
فالتفضيل الأمريكي التقليدي للشركاء "الوظيفيين" القابلين للتوجيه، يصطدم مباشرة بإصرار الهند على صون عقيدة "الاستقلال الإستراتيجي"؛ فالهند لا تتحرك بوصفها "تابعا أمنيا" يتلقى التوجيهات مقابل الحماية، بل كدولة ضخمة متمسكة بتحالفاتها المتعددة، من بريكس إلى موسكو، ومن الشراكة المفتوحة مع واشنطن إلى التحالفات مع خصوم الصين الآسيويين، في إعلاء لاستقلال قرارها المطلق، وهو خط أحمر لا يقبل المساومة في دلهي، سواء حكمها نهرو أو مودي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة