آخر الأخبار

مصادر لـ”الحرة”: الرياض تتجاهل تحقيقات بغداد بشأن المسيرات | الحرة

شارك

قالت مصادر حكومية عراقية لـ”الحرة” أن السعودية لم توافق، حتى الآن، على استقبال وفد عراقي كان يعتزم زيارة الرياض لعرض نتائج التحقيقات في هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ قالت المملكة إنها انطلقت من الأراضي العراقية خلال التصعيد الإقليمي الأخير.

وقالت المصادر، وهي ضمن المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي، إن بغداد أبلغت الرياض برغبتها في إرسال وفد أمني ودبلوماسي رفيع المستوى لمناقشة ما توصلت إليه التحقيقات، لكن الجانب السعودي لم يحدد موعدا للزيارة ولم يرد رسميا على الطلب العراقي.

وتكشف هذه الخطوة عن توتر مكتوم بين بغداد والرياض بعد هجمات استهدفت السعودية ودولا خليجية أخرى خلال الحرب التي اندلعت في 28 فبراير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وتقول السلطات السعودية إن بعض الهجمات نُفذت بطائرات مسيرة وصواريخ انطلقت من داخل الأراضي العراقية، فيما تحاول الحكومة العراقية احتواء التداعيات الإقليمية لهذه الاتهامات من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة المدعومة من إيران.

وتواصلت “الحرة” مع مسؤول في السفارة السعودية في بغداد، لكنه قال: “لست مخولا بالتصريح بهذا الشأن”.

وكان رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي ، قد وجّه في 21 مايو بكشف ملابسات “لاعتداءات الإجرامية” التي طالت السعودية والإمارات، وأعلن تشكيل لجنة تحقيقية رفيعة لإجراء تحقيقات مشتركة مع السلطات السعودية والإماراتية.

من وجهة نظر الرياض، لا تقتصر المشكلة على الهجوم الأخير أو على هوية الجهة التي نفذته، بل تتعلق، أولا، بوجود بيئة أمنية تسمح بانطلاق مثل هذه العمليات من الأراضي العراقية.

وقالت مصادر في وزارة الخارجية العراقية لـ”الحرة” إن الموقف السعودي “لا يرتبط بالجوانب البروتوكولية أو الفنية للزيارة بقدر ما يعكس حالة من عدم الرضا عن آلية التعامل العراقية مع الملف”.

ووفقا لهذه المصادر، ترى الرياض أن بغداد ركزت خلال الفترة الماضية على طلب الأدلة الفنية والإحداثيات المتعلقة بالهجمات، في حين تعتبر السعودية أن المسؤولية الأساسية تقع على السلطات العراقية في تحديد الجهات التي استخدمت الأراضي العراقية لتنفيذ تلك العمليات، واتخاذ إجراءات واضحة بحق المتورطين.

وظهر هذا التباين في مقابلة أجرتها “الحرة” الشهر الماضي مع مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، الذي لم يقلل من مخاوف تلك الدول، لكنه تحدث بلغة حذرة عن “عتب” و”زعل بين الأشقاء”، مؤكدا أن بغداد طلبت منها تزويدها بالأدلة والإحداثيات الدقيقة لتحديد المسؤولين عن الهجمات.

لكن اللافت في حديث الأعرجي كان إقراره بأن السلطات العراقية اعتقلت بالفعل أشخاصا يشتبه بتورطهم في هذه الهجمات، وأن التحقيقات ما زالت مستمرة. وفي المقابل، قال إن دول الخليج لم تقدم، حتى الآن، أدلة تساعد بغداد على استكمال المسار الأمني والقانوني.

يقول مسؤول أمني عراقي سابق، قابلته “الحرة” في بغداد في 31 مايو، إن دوائر القرار في السعودية تنظر إلى الملف من زاوية السيادة والمسؤولية الأمنية، لا من زاوية تبادل الأدلة الفنية فقط.

وعمل المسؤول، الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن اسمه، في حكومة محمد شياع السوداني التي انتهت ولايتها قبل نحو شهر. وبحسب تقديره، ترى الرياض أن انطلاق هجمات من الأراضي العراقية باتجاه دولة مجاورة يفرض على بغداد، قبل أي شيء آخر، اتخاذ إجراءات مباشرة لكشف الجهات المنفذة ومنع تكرار مثل هذه الحوادث، بصرف النظر عن طبيعة الأدلة التي يمكن أن تقدمها الدولة المتضررة.

وتتزايد داخل بعض العواصم الخليجية شكوك بشأن قدرة الدولة العراقية على فرض سيطرتها الكاملة على الملف الأمني، خصوصا في ظل استمرار نفوذ فصائل مسلحة موالية لإيران، وامتلاكها هامش حركة واسعا في عدد من المناطق.

وخلال السنوات الماضية، تعرضت السعودية لهجمات وتهديدات مشابهة، بعضها ارتبط بالحرب في اليمن وبعضها الآخر بالتصعيد الإقليمي الأوسع. ولذلك، تبدو الرياض أكثر ميلا إلى التعامل مع أي تهديد ينطلق من دولة مجاورة بوصفه جزءا من معادلة أمنها القومي، لا حادثا معزولا يمكن احتواؤه بتحقيق تقني محدود.

يقول عزيز الربيعي وهو الأمين العام لتيار الخط الوطني خلال مقابلة مع “الحرة”: “في تقديري، أن أي تحفظ سعودي على استقبال وفد عراقي للتحقيق في هذه الحوادث يعكس بالدرجة الأولى مستوى القلق المتراكم لدى دول المنطقة من استمرار ظاهرة السلاح الخارج عن إطار الدولة، وما يرافقها من تساؤلات حول الجهة القادرة فعليا على ضبط القرار الأمني ومنع تكرار الاعتداءات”.

ويضيف: “نرفض أي تحرك مسلح خارج إطار المؤسسات الدستورية والقانونية، لأن حماية السيادة العراقية تبدأ من حصر السلاح بيد الدولة، وتمكين مؤسساتها من إدارة الملفين الأمني والعسكري بصورة كاملة”.

يأتي الموقف الحالي في سياق إقليمي معقد أعقب المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإيران، وهي مواجهة دفعت العديد من الدول العربية إلى إعادة تقييم المخاطر الأمنية المرتبطة بنشاط الجماعات المسلحة غير الخاضعة بشكل كامل لسلطة الدول. وتنظر بعض العواصم الخليجية إلى العراق بوصفه إحدى الساحات الأكثر إثارة للقلق في المعادلة الإقليمية، نظرا لتداخل النفوذ المحلي والإقليمي على أراضيه.

يقول المحلل السياسي العراقي نبيل العزاوي لـ”الحرة”: إن “المعلومات تفيد حتى الآن بأن الرياض لا تريد أو لا ترغب في استقبال وفد عراقي للتحقيق. هذا الرفض، وراؤه غايات سياسية، لذا فإن الأمور تحتاج إلى تبيان للحقائق من الجانب السعودي”.

ويضيف: “العراق يريد كذلك معرفة الجهة التي تقف وراء الهجمات، وبالتالي يجب أن يكون هناك تعاون بين الطرفين. وبهذه الطريقة (أي غياب التعاون)، أعتقد أنه ستكون هناك إشكالية جديدة، والعراق لا يريد ذلك”.

ربما لا تسعى الرياض إلى التصعيد مع بغداد أو إغلاق قنوات التواصل معها، لكنها تريد إيصال رسالة مفادها أن المرحلة الحالية تتطلب إجراءات عملية ونتائج ملموسة على الأرض قبل الانتقال إلى مرحلة النقاشات السياسية أو الفنية.

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة إذا ما أُخذت في الاعتبار الاستثمارات الخليجية المتنامية في العراق خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى المشاريع المشتركة. فدول الخليج تنظر إلى استقرار العراق بوصفه مصلحة استراتيجية مشتركة، لكنها في الوقت ذاته تربط توسيع التعاون الاقتصادي بوجود بيئة أمنية مستقرة وقابلة للتنبؤ، ولا زالت تعتبر العراق جزءا من حلفاء إيران وساحة لممارسة نفوذ طهران.

تؤكد الحكومة العراقية أنها تعاملت مع القضية بجدية منذ اللحظات الأولى، إذ أدانت الهجمات وشكلت لجان تحقيق مختصة، كما أعلنت استعدادها للتعاون مع الدول المعنية وتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية للوصول إلى نتائج دقيقة تستند إلى معطيات فنية وقانونية موثقة.

لكن هذا التحدي الذي يواجه بغداد لا يتعلق فقط بإجراء التحقيقات، بل بإقناع شركائها الإقليميين بأن الدولة العراقية تمتلك القدرة والإرادة الكافيتين لمنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلا. وهو تحدٍ يرتبط بصورة الدولة العراقية ومكانتها الإقليمية بقدر ارتباطه بالحادثة الأمنية نفسها.

أما فيما يتعلق بالإمارات، فتشير ذات المصادر الدبلوماسية العراقية إلى أن الاتصالات ما زالت مستمرة، إلا أن المؤشرات الأولية توحي بأن أبوظبي قد تتبنى مقاربة قريبة من الموقف السعودي، رغم عدم صدور موقف نهائي.

يقول الباحث في الشؤون الإقليمية مصطفى فحص لـ”الحرة”: “من الصعب جدا أن تستعيد الرياض ثقتها بوعود الحكومات العراقية. فهذه الثقة تراجعت تدريجيا مع تعاقب الحكومات، وبقيت محدودة رغم فترات من الاستقرار النسبي، نتيجة استمرار الشكوك حول قدرة الدولة على فرض قرارها الأمني والسيادي بشكل كامل”.

ويضيف: “كشفت الحرب، وما رافقها من أحداث في الأيام الأخيرة من عمر الحكومة العراقية السابقة، حجم العجز في كبح نشاط الفصائل المسلحة أو ضبط قراراتها. كما يمكن النظر إلى الهجمات التي وقعت خلال المرحلة الانتقالية بين الحكومتين باعتبارها رسائل واضحة مفادها أن قرار هذه الفصائل لا يخضع بالكامل لسلطة الدولة، الأمر الذي وضع الحكومة الجديدة منذ يومها الأول أمام اختبار سعودي صعب، ضمن معادلة مغلقة لا تترك الكثير من هامش المناورة”.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا