آخر الأخبار

ترمب يملك الحزب.. لكن هل يملك الوقت؟

شارك

لا يحتاج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اليوم إلى برهان جديد على أنه ما زال يفرض سطوته على الحزب الجمهوري؛ فخصومه داخل الحزب يدركون ذلك قبل الديمقراطيين، غير أن قبضته، على شدتها، تصطدم الآن بخصم لا يصلح معه التهديد ولا تنفع ضده الانتخابات التمهيدية ألا وهو الوقت.

فالرئيس الأمريكي لا يزال قادرا على معاقبة الخارجين عليه، وإسقاط خصومه في السباقات الداخلية، ودفع معظم الجمهوريين إلى الاحتماء باسمه.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 بين نصوص القانون وواقع السلاح.. لماذا تفشل اتفاقات وقف إطلاق النار؟
* list 2 of 3 أوروبا ضد التقنية الأمريكية.. قوانين جديدة لفرض السيادة
* list 3 of 3 ناسا تكشف خطتها الجريئة لبناء قاعدة دائمة على القمر بحلول عام 2036 end of list

لكن اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ثم انتخابات عام 2028، ينقل نفوذه إلى اختبار أشد تعقيدا؛ إذ لا تكفي السيطرة على الحزب لضمان الفوز برئاسة البلاد، ولا يبقى الخوف أداة طيعة كما كان حين يتحول ترمب تدريجيا إلى رئيس تقترب ولايته من نهايتها، لا مرشحا يَعِد بالعودة.

السيطرة لا تكفي

في حوار نشرته صحيفة نيويورك تايمز ضمن برنامج بودكاست عزرا كلاين، يطرح المذيع فرضية لافتة: ترمب لا يبدو منشغلا -بالمعنى التقليدي- بالفوز في انتخابات التجديد النصفي بقدر انشغاله بإحكام قبضته على الحزب الجمهوري.

فالحزب، في هذه القراءة، ليس مجرد أداة انتخابية، بل قاعدة الحماية والنفوذ التي يريد ترمب أن تبقى في يده حتى بعد الرئاسة.

وتظهر هذه المفارقة في سلوكه السياسي، فلو كان ترمب يتحرك فقط بمنطق توسيع الأغلبية، لكان أقرب إلى الوسط، وأكثر حرصا على تهدئة الملفات التي تثير غضب الناخبين، وأشد ميلا إلى حماية الجمهوريين الأقدر على الفوز في الولايات والدوائر الهشة.

لكنه، بدل ذلك، يخوض معارك تطهير داخلية: يدعم كين باكستون ضد جون كورنين في تكساس، ويساعد على إسقاط توماس ماسي، ويعاقب بيل كاسيدي، ويهاجم براين فيتزباتريك، أحد الجمهوريين القلائل في دائرة صوتت لكامالا هاريس.

وليست دلالة ذلك أن ترمب فقد قوته، بل أن قوته تعمل في مسار أضيق: إخضاع الحزب لا توسيعه، فالانتخابات التمهيدية تمنحه الساحة الأوضح لتعليم الجمهوريين أن الخروج عليه، حتى من اليمين، قد يحرق مستقبلا سياسيا كاملا.

إعلان

وينقل حوار نيويورك تايمز عن الخبير الجمهوري ليام دونوفان أن ترمب هبط في عدد من استطلاعات الرأي دون عتبة 40%، وأنه أكثر تراجعًا في هذه المرحلة من ولايته الثانية مما كان عليه في المرحلة المقابلة من ولايته الأولى.

ويرى دونوفان أن بعض عناصر الائتلاف الجمهوري باتت تشعر بخيبة أو فتور؛ فمنهم من يتشكك في الحروب والتورط الخارجي، ومنهم من يغضبه ارتفاع كلفة المعيشة أو الرسوم الجمركية أو المسار العام للإدارة.

مصدر الصورة مع اقتراب 2028، يطرح مستقبل الحزب الجمهوري سؤالا عن قدرة أي وريث لترمب على جمع تناقضات ماغا (أسوشيتد برس)

الخوف يتراجع

تقول مجلة إيكونوميست إن بعض الجمهوريين بدؤوا يتحسسون مساحة أوسع لمعارضة ترمب. فقد كشف الغضب من صندوق بقيمة 1.8 مليار دولار لتعويض من تسميهم إدارة ترمب ضحايا "تسييس القضاء" حدود الانضباط داخل الحزب؛ إذ وصفه ميتش ماكونيل بأنه "غبي تماما وخاطئ أخلاقيا"، بينما سماه توم تيليس "صندوق دفع للبلطجية".

وتصف المجلة هؤلاء المتمردين الجدد بأنهم جمهوريون لم يعد لديهم الكثير ليخسروه: بعضهم متقاعد أو مهزوم أو محصن محليا، وبعضهم لم تعد القاعدة الترمبية قادرة على تهديد مستقبله السياسي بالسطوة نفسها.

ومن بينهم ماكونيل وتيليس وكورنين وكاسيدي؛ ولكل منهم حسابه القديم أو الجديد مع ترمب. بعضهم خسر فرصة البقاء، وبعضهم اختار التقاعد، وبعضهم سيغادر قريبا وفي يده وقت قصير قد يتحول إلى مساحة للعرقلة أو تصفية الحساب.

ولا تكمن خطورة هذا التمرد في اتساعه فحسب، بل في توقيته، فترمب لا يحتاج إلى انتفاضة جمهورية شاملة كي تتعثر أجندته؛ ويكفيه عدد محدود من الأصوات المتمردة في مجلس شيوخ ضيق الحسابات.

وبحسب إيكونوميست، أسهم هذا التململ في إرباك مشروع ضخم لإنفاذ الهجرة بقيمة 70 مليار دولار، كما دفع بعض الجمهوريين إلى مراجعة بنود مرتبطة بصندوق "مكافحة تسييس العدالة" ومشروع قاعة الرقص في البيت الأبيض.

مصدر الصورة تحولت إيران من ساحة لإعلان القوة إلى عبء تفاوضي وانتخابي، مع استمرار الخلاف حول هرمز والبرنامج النووي (رويترز)

إيران عبء انتخابي

لم تعد حرب إيران ملفا خارجيا منفصلا عن معركة الوقت، فهي تختبر قدرة ترمب على ادعاء النصر، ومنع الكلفة من الوصول إلى الناخب الأمريكي، وضبط الانقسام داخل اليمين بين صقور يريدون ضغطا أكبر، وتيار "أمريكا أولا" يخشى التورط في حرب طويلة.

وفي تقرير لمجلة نيوزويك ، كتبت إيلي كوك أن الضربات الأمريكية الأخيرة على جنوب إيران جاءت بينما كانت محادثات السلام لا تزال جارية، واستهدفت أنظمة صواريخ ومسيّرات ومعدات زرع ألغام مرتبطة بقدرة طهران على التحكم في مضيق هرمز.

ونقلت عن أندرياس كريغ، من كينغز كوليدج لندن، قوله إن توقيت الضربات يجعلها تكتيكًا تفاوضيًا، أو "دبلوماسية قسرية"، لا ضرورة ميدانية فقط.

لكن الدبلوماسية القسرية لا تمنح ترمب نصرا انتخابيا صافيا، فالمحادثات مع إيران لم تُحسم، والخلافات باقية بشأن البرنامج النووي ومضيق هرمز، وأي تصعيد جديد يمكن أن يتحول سريعًا إلى ارتفاع في أسعار الطاقة والغذاء واضطراب في الأسواق.

وحين سُئل ترمب، في المقطع الذي استحضره عزرا كلاين، عن مدى تأثير أوضاع الأمريكيين المالية في قراره بشأن إيران، نفى أن تكون عاملا مؤثرا، قائلًا إن ما يشغله وحده هو منع طهران من امتلاك سلاح نووي، ومثل هذا الجواب قد يرضي الصقور، لكنه يمنح الخصوم مادة انتخابية جاهزة لربط الحرب بجيب الناخب.

إعلان

وفي تعليق نشرته صحيفة إندبندنت البريطانية، ترى آن ماكلروي أن مخاوف ترمب من انتخابات التجديد النصفي دفعته إلى البحث عن اتفاق مع إيران، فالحرب التي بدأت بضجيج واسع، وبوعد تقويض قوة طهران، انتهت إلى محاولة تمديد هدنة هشة لوقف رسمي للأعمال العدائية لمدة 60 يوما.

وتنقل ماكلروي عن جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق لترمب، قوله إن الرئيس افتقر بالكامل إلى إستراتيجية للخروج من الحرب. وبحسبها، بلغت كلفة الأعمال القتالية، وفق تقديرات البنتاغون، 29 مليار دولار، فيما شعر المستهلكون بأثر ارتفاع أسعار الوقود، ولم تبقَ سوى أشهر قليلة على انتخابات التجديد النصفي. ولذلك بدا ترمب، في قراءتها، باحثا عن مخرج سياسي لا عن نصر كامل.

الأخطر على ترمب أن حرب إيران لا توحد اليمين كما قد يتمنى. فالصقور يهاجمون أي صفقة يرونها رخوة، بينما يتململ تيار انعزالي أو شعبوي من استمرار الحرب. ومع مرور الوقت، لا يعود السؤال: هل يستطيع ترمب ضرب إيران؟ بل هل يستطيع جعل هذه الحرب تخدمه سياسيا قبل أن تستنزفه؟

خطاب أقل تحفظا

وفي تقرير لوليام فايلانكورت عن بودكاست "طفح كيلي" (I’ve Had It)، تنقل صحيفة ديلي بيست الأمريكية عن المقدمة جينيفر ويلش قولها إن ترمب دخل ما وصفته بـ"مرحلة اعترافات الساعة الأخيرة"، لأنه لم يعد يبذل جهدًا كبيرًا في إخفاء دوافعه السياسية أو تلطيفها.

واستشهدت بتصريحه في منتدى استثماري في ميامي بأنه يحب صحبة "الخاسرين" لأنها تجعله يشعر بشكل أفضل، وبحديثه عن عدم اكتراثه بأوضاع الأمريكيين المالية عند إدارة ملف إيران.

وتفتح هذه القراءة نافذة على صورة ترمب في ولايته الثانية: رئيس أقل حرصًا على تلطيف دوافعه، وأكثر ميلا إلى إعلان ما كان يُقال سابقا بالمواربة. فحين يصبح الولاء الشخصي معيارا معلنا، وحين تُقال العبارات الحادة بلا كثير من الحذر، يتحول الخطاب نفسه إلى مؤشر على أن الرئيس لم يعد يرى ضرورة كبيرة لمخاطبة الوسط.

مصدر الصورة أثبت سقوط ماسي أن ترمب لا يزال قادرا على معاقبة منتقديه، لكنه كشف أيضا شروخا يمينية (أسوشيتد برس)

ما بعد الهيمنة

تكشف التغطيات صورة واحدة: ترمب لا يزال قويا، لكن قوته تتحول إلى معركة يوميا ضد الوقت.

فلا يبدو الخطر الحقيقي على ترمب في أن الحزب الجمهوري سيتخلى عنه فجأة؛ فالأرجح أن ذلك لن يحدث قريبًا. الخطر أن الحزب الذي يطيعه قد يصبح أقل قدرة على الفوز، وأن الجمهوريين الذين يخافونه قد يصبح بعضهم أقل خوفًا، وأن الناخبين الذين ينتظرون سببًا للعودة إليه قد لا يجدون هذا السبب بالسرعة الكافية.

يبقى ترمب قادرا على إسقاط ماسي، ومعاقبة كاسيدي، والضغط على كورنين، وإحراج خصومه داخل الحزب. لكنه لا يستطيع إسقاط الزمن في انتخابات تمهيدية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا