يبدو ما كتبه معدو "تقرير الحقوق الأساسية 2026" وجمعوه في 240 صفحة دراماتيكيا: ففي زمن الشعبوية والأنظمة الشمولية حول العالم، تتعرض الحقوق الأساسية في ألمانيا دولة القانون، لضغوط متزايدة أيضا.
وبحسب التقرير، فإن هذه الحقوق مهدّدة مثلا عندما تتراجع الجهود المبذولة لمكافحة تغير المناخ ، وعندما يصبح السكن الميسور الكلفة نادرا، وعندما تنتهك المعايير التقنية لوسائل التواصل الاجتماعي على مستوى العالم حق الفرد في تقرير مصيره المعلوماتي . لكن وقبل كل شيء: عندما تهيمن الاعتبارات الأمنية على السياسة الداخلية، وما يتبع ذلك من تسلح عسكري.
يصدر هذا التقرير سنويا منذ عام 1997، وتقف وراءه نحو عشر منظمات لحقوق الإنسان، مثل: "برو أزويل" و"الاتحاد الإنساني" و"رابطة حقوق الإنسان". وفي هذا العام وجدت المنظمات دعما من وزيرة العدل الاتحادية السابقة هيرتا دويبلر- غملين (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي)، التي شغلت المنصب بين عامي 1998 و2002 في عهد المستشار الأسبق غيرهارد شرودر.
وخلال مؤتمر صحفي عُقد يوم الخميس (21 مايو/ أيار 2026) في كارلسروه، قالت دويبلر- غملين إن السبب الرئيسي لتهديد الحقوق الأساسية يتمثل في الحرب العدوانية الروسية على أوكرانيا، وحرب غزة وحاليا حرب إيران. وأضافت مؤكدة أن "الحروب العدوانية ما هي إلا أسوأ أشكال التعدي على الحقوق الأساسية وحقوق الإنسان".
وتتجلى النتائج بشكل ملموس داخل البلاد، حين يتم بتوافق واسع بين الائتلاف الحكومي وحزب الخضر المعارض، اقتراض 500 مليار يورو من أجل تسليح الجيش الألماني .
وجاء في تقرير الحقوق الأساسية أن ألمانيا تشهد حالياً "عسكرة متسارعة"، غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت نفسه، يتم تقليص المساعدات التنموية الحكومية. وعلّقت دويبلر- غملين على ذلك قائلة: "هذا يعني أن الأنظمة الصحية في دول أخرى لن تتمكن من الاستمرار. وهذا يعني أن أشخاصا في أفريقيا سيموتون لأنه ليست لديهم الإمكانية للهروب من النزاعات".
ويشعر عدد متزايد من ساسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالقلق من هذه التطورات. ففي يوم الخميس أيضا، نُشرت وثيقة صادرة عن الجناح المحافظ للحزب الاشتراكي، المعروف باسم "دائرة زيهايمر"، جاء فيها أن المساعدات التنموية "تتعرض حاليا للتشكيك بشكل غير مسبوق". وينتمي إلى هذا الجناح المحافظ 50 نائبا من أصل 120 نائبا اشتراكيا في البرلمان الاتحادي (البوندستاغ). وقد تم تقليص ميزانية وزارة التنمية في عام 2025 بمقدار 910 ملايين يورو، لتصل إلى 10,31 مليار يورو.
تحدث خلال المؤتمر الصحفي الخاص بـ "تقرير الحقوق الأساسية 2026"، أحمد مصمم رحيمي القادم من أفغانستان ويعيش في ألمانيا منذ ديسمبر/ كانون الأول 2025، وقد اضطر للانتظار عامين في باكستان حتى حصل على الفيزا، التي وعدته بها الحكومة السابقة.
والسبب في ذلك يعود إلى أن الحكومة الجديدة المؤلفة من المحافظين والاشتراكيين ألغت برامج الاستقبال التي أطلقتها الحكومة السابقة عقب استيلاء طالبان الإسلامية على السلطة عام 2021 ، والمخصصة للأفغان المعارضين لطالبان وعملوا سابقا مع الجيش الألماني والمؤسسات الألمانية التي كانت ناشطة في أفغانستان قبل عودة طالبان للسلطة. وقال رحيمي: "رغم أن جميع وثائقي كانت مكتملة، وحصلت على وعد بالسماح لي بالمجيء إلى ألمانيا، انتظرت في باكستان قرابة عامين للحصول على الفيزا". وفي نهاية المطاف، تمكن من مغادرة باكستان والمجيء إلى ألمانيا بمساعدة محامين.
كذلك احتمال إعادة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية في ألمانيا، شغل معدي التقرير بشكل خاص. أتينا مولر، طالبة القانون وعضو مجلس إدارة "الرابطة الدولية لحقوق الإنسان"، وصفت انتظار الولاء "خصوصاً من الجيل الشاب " للدولة الألمانية بأنه تعجرف، في حين أن الدولة لا تحمي الحقوق الأساسية بشكل كاف.
وتحاول الحكومة حاليا، جذب المزيد من الشباب للخدمة العسكرية بشكل طوعي، وإذا لم تنجح هذه الجهود، فستتم مناقشة ا لعودة إلى الخدمة العسكرية الإلزامية التي تم تعليقها في عام 2011.
أعده للعربية: عارف جابو
تحرير: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW