آخر الأخبار

عقوبات أميركية تخترق “الدولة العميقة” لحزب الله | الحرة

شارك

تجاوزت العقوبات الأميركية في لبنان حدود استهداف السياسيين والشبكات المالية المرتبطة بحزب الله، لتصل هذه المرة إلى قلب المؤسسات الأمنية الرسمية، في تصعيد غير مسبوق يكشف تحوّلاً في طبيعة المواجهة الأميركية مع الحزب ونفوذه داخل الدولة اللبنانية.

ففي سابقة هي الأولى من نوعها، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ضابطين في الخدمة الفعلية داخل الجيش اللبناني والأمن العام، بالتوازي مع استهداف نواب وقيادات من حزب الله وحركة أمل، الحليف السياسي الأبرز له.

وبدت الخطوة الأميركية وكأنها انتقال من سياسة الضغط المباشر على الحزب إلى استهداف ما تعتبره واشنطن شبكة الغطاء السياسي والأمني التي تتيح له الحفاظ على نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، إدراج 9 أشخاص على لوائح العقوبات بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن “حزب الله منظمة إرهابية ويجب نزع سلاحه بالكامل”، مشدداً على أن واشنطن ستواصل استهداف المسؤولين الذين “تغلغلوا في الحكومة اللبنانية” ويمكّنون الحزب من مواصلة حملته وعرقلة مسار السلام.

استهداف غير مسبوق

العنوان الأبرز في العقوبات الجديدة كان أمنياً هذه المرة، إذ طالت ضباطاً في الخدمة داخل مؤسسات أمنية رسمية.

وشملت القائمة العميد خطار ناصر الدين، رئيس دائرة الأمن القومي في الأمن العام، والعقيد سامر حماده، رئيس فرع الضاحية في مديرية المخابرات بالجيش اللبناني.

واتهمت وزارة الخزانة الأميركية الضابطين بتقديم معلومات استخباراتية مهمة لحزب الله خلال العام الماضي.

هذا التطور اعتبره مراقبون نقطة تحوّل في العلاقة بين واشنطن والمؤسسات الأمنية اللبنانية، ورسالة واضحة بأن “الحصانة” التي كانت تتمتع بها الأجهزة الأمنية لم تعد قائمة.

وفي هذا السياق، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن التدخل السياسي في المؤسسات الأمنية والعسكرية في لبنان “أمر معروف وغير مخفي”، قائلاً إن “التعيينات العسكرية ضمن الحصة الشيعية، تخضع منذ سنوات لتوازنات مرتبطة بحركة أمل وحزب الله”

ويضيف نادر لموقع “الحرة” إن الحكومات اللبنانية المتعاقبة شرّعت، عبر بياناتها الوزارية، معادلة “الجيش والشعب والمقاومة، ما فرض على المؤسسات العسكرية التعامل مع الحزب كأمر واقع”.

رسائل إلى “الدولة العميقة”

الرسالة الأساسية للعقوبات الأميركية موجهة، كما يرى الصحافي عماد الشدياق، إلى ما يصفها بـ”الدولة العميقة” في لبنان.

ويعتبر الشدياق في حديث لموقع “الحرة” أن “إدراج ضابط في الأمن العام لا يشغل موقعاً تنفيذياً حسّاساً يؤكد أن العقوبات تحمل طابعاً سياسياً بالدرجة الأولى، في ظل قناعة أميركية متزايدة بأن السلطة اللبنانية لا تتحرّك بالشكل المطلوب في مواجهة حزب الله، وأن سياسة المواقف الرمادية لم تعد مقبولة بالنسبة لواشنطن”.

أما الباحثة في الجرائم المالية والاقتصادية محاسن مرسل، فتصف ملف الضباط الأمنيين بأنه “الأكثر حساسية”، معتبرة أن إدراج ضباط حاليين في الخدمة على لوائح العقوبات “يشكل رسالة مباشرة إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية بأن أيّ تعاون مع حزب الله قد يضع أصحابه في دائرة الاستهداف”.

كما ترى مرسل في حديث لموقع “الحرة” أن العقوبات تحمل رسالة إلى قيادة الجيش اللبناني مرتبطة بملف تنفيذ التفاهمات الأمنية بعد حرب 2024، خصوصاً ما يتعلق بملف السلاح جنوب الليطاني.

بري تحت الضغط

ولم يكن إدراج شخصيات من حركة أمل أقل دلالة من استهداف الضباط. فالعقوبات شملت أحمد بعلبكي، المعروف بقربه من رئيس مجلس النواب نبيه بري، إضافة إلى علي صفوي، المسؤول العسكري للحركة في جنوب لبنان.

وقالت الخزانة الأميركية إن الرجلين نسّقا مع حزب الله في أنشطة أمنية وعسكرية، بينها عمليات مشتركة ضد إسرائيل.

ويعدّ ذلك أوّل استهداف مباشر لشخصيات بارزة من الدائرة المقربة من بري منذ العقوبات التي فرضت عام 2020 على الوزير السابق علي حسن خليل.

كما شملت العقوبات شخصيات سياسية مرتبطة بحزب الله، وهي الوزير السابق محمد فنيش، والنواب في كتلة الحزب البرلمانية حسن فضل الله وحسين الحاج حسن وإبراهيم الموسوي، وقالت الخزانة إن هؤلاء يعملون بشكل مباشر أو غير مباشر، لصالح حزب الله أو بتوجيه منه، إضافة إلى محمد رضا شيباني، السفير الإيراني المعيّن لدى لبنان.

ويرى نادر أن العقوبات تهدف إلى دفع بري نحو “التعاون في ملف نزع سلاح حزب الله ورفع الغطاء السياسي عنه”.

بدورها، تقول مرسل إن بري “يواجه ضغوطاً متزايدة داخلياً وخارجياً”، مشيرة إلى أنه “كان يعوّل على تثبيت التهدئة والانتقال لاحقاً إلى التفاوض، في حين تبدو الإدارة الأميركية متمسكة بدفع مسار التفاوض كأولوية أساسية في المرحلة الحالية”.

كذلك تعتبر مرسل أن العقوبات “تعكس إصرار واشنطن على عدم الفصل بين الجناحين السياسي والعسكري لحزب الله”.

أما الشدياق فيشير إلى أن سياسة بري القائمة على “تدوير الزوايا خلال السنوات الماضية وصلت إلى حدودها القصوى، فيما بات هامش المناورة أضيق من أي وقت مضى”.

ورقة ضغط قبل التفاوض؟

التوقيت أيضاً لم يكن عادياً. فالعقوبات جاءت في خضم ضغوط أميركية متزايدة على لبنان مرتبطة بملفات نزع سلاح حزب الله ومسار المفاوضات الجارية برعاية أميركية بين لبنان وإسرائيل.

ويعتبر الشدياق أن توقيت العقوبات، عشية لقاءات أمنية وسياسية، “ليس منفصلاً عن مسار المفاوضات الجارية، بل يندرج ضمن سياسة ضغط تهدف إلى دفع الأطراف اللبنانية نحو خيارات أكثر وضوحاً”.

ويضيف أنه بعد حرب 2024 ووقف إطلاق النار “كان يفترض اتخاذ خطوات أكثر حسماً من قبل بري والمؤسسة العسكرية تجاه سلاح حزب الله”، معتبراً أن استمرار “سياسة التسويف والهروب إلى الأمام وضع حركة أمل والأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الجيش اللبناني، في دائرة الضغط المباشر”.

أما نادر، فيرى أن “توقيت العقوبات قبل جولات التفاوض يشكل ورقة ضغط أميركية وإسرائيلية تهدف إلى إضعاف موقف الوفد اللبناني”، لكنه يبدي تشاؤمه حيال فرص نجاح المفاوضات، نظراً لأن “الجهة التي تفاوض ليست هي نفسها الجهة التي تقاتل”، في إشارة إلى التباين بين الدولة اللبنانية وحزب الله.

ردود لبنانية وإيرانية

ورداً على بيان وزارة الخزانة الأميركية، أكدت قيادة الجيش اللبناني أن “جميع ضباط المؤسسة العسكرية وعناصرها يؤدون مهماتهم الوطنية بكل احتراف ومسؤولية وانضباط، وفق القرارات والتوجيهات الصادرة عن القيادة”.

وشددت قيادة الجيش على أن “ولاء العسكريين هو للمؤسسة العسكرية والوطن فقط”، وأنهم يلتزمون تنفيذ واجباتهم “بعيداً عن أي اعتبارات أو ضغوطات أخرى”.

في المقابل، اعتبر حزب الله أن استهداف ضباط في الجيش والأمن العام “محاولة لإخضاع المؤسسات الأمنية اللبنانية لشروط الوصاية الأميركية”.

أما حركة أمل، فوصفت العقوبات بأنها “غير مقبولة وغير مبررة”، معتبرة أنها تستهدف الحركة ودورها السياسي.

أكثر من عقوبات مالية

لا يقتصر تأثير العقوبات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية “أوفاك” على البعد السياسي فقط، فبحسب مرسل، فإنها تعني تجميد أي أصول لهم داخل الولايات المتحدة، وتمنع الشركات والأفراد الأميركيين من التعامل معهم، كما تدفع المصارف والمؤسسات الدولية إلى تجنب التعامل معهم خوفاً من العقوبات الثانوية، ما يضعهم عملياً تحت عزلة مالية وسياسية واسعة”.

من جانبه يحذر الشدياق من أن العقوبات الحالية قد تشكل “تمهيداً لرفع الغطاء السياسي والأمني عن شخصيات تعتبرها الولايات المتحدة وإسرائيل جزءاً من البيئة الداعمة لحزب الله”، متوقعاً “تصاعد الضغوط الأميركية إذا لم تبادر الدولة اللبنانية إلى خطوات تعتبرها واشنطن منسجمة مع مسار إعادة بناء الدولة والتسوية التي تدفع باتجاهها”.

ما هو مؤكد أن واشنطن لا تستهدف هذه المرة حزب الله كتنظيم فقط، بل البنية السياسية والأمنية التي تسمح له بالبقاء لاعباً مقرراً داخل الدولة اللبنانية.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا