أظهرت أبحاث جديدة أن "فوبوس" (Phobos)، أكبر القمرين التابعين لكوكب المريخ، قد يواجه مصيرا أسرع وأعنف مما كان يعتقد سابقا، إذ يُتوقع أن يتفكك تدريجيا قبل أن يصل إلى ما يعرف بـ"حد روش" (Roche limit)، بل وربما يتجاوز ذلك إلى مرحلة انهيار كارثي.
و"حد روش" هو المسافة الحرجة التي إذا اقترب فيها قمر أو جسم فضائي صغير من كوكب أكبر بفعل الجاذبية، تبدأ قوى المدّ الجذبوية في تفكيكه بدل أن تبقيه متماسكا.
يدور "فوبوس"، وهو غير منتظم الشكل ويشبه "صخرة" وقطره لا يتخطى 23 كيلومترا، على مسافة قريبة جدا من المريخ، ما يجعله عرضة لقوى المدّ الجاذبة التي تسحب مداره ببطء نحو الكوكب. وهذه القوى تفقده طاقته المدارية تدريجيا، مما يؤدي إلى اقترابه المستمر من سطح المريخ.
لكن المفاجأة العلمية الجديدة هي أن بداية التفكك قد تحدث أبكر بكثير من المتوقع، عندما يبدأ القمر بفقدان كتل من سطحه على شكل شظايا نتيجة الإجهاد الجذبي.
إذ تكشف الدراسات أن "فوبوس" ليس جسما صلبا متماسكا، بل يعتقد أنه يتكوّن من كومة من الحطام والصخور المترابطة ضعيفا، وهو ما يجعله أكثر هشاشة أمام قوى المريخ. وهذا التركيب يجعل سطحه يبدأ بالتشقق والتساقط تدريجيا، قبل أن يدخل مرحلة الانهيار الكلي.
فوفق النماذج الجديدة، يبدأ القمر بفقدان المواد عند مسافات محددة من المريخ، ثم تتسارع العملية تدريجيا حتى يصبح الهيكل غير مستقر، لتبدأ مرحلة التفكك الكامل وتحول القمر إلى سحابة من الحطام تدور حول الكوكب. هذه الشظايا قد تعود لاحقا لتصطدم بفوبوس نفسه، ما يسرّع انهياره في حلقة تدميرية متتابعة.
ومن المتوقع أن تساعد مهمة "استكشاف أقمار المريخ- إم إم إكس" (Martian Moons eXploration- MMX) اليابانية، المقرر إطلاقها عام 2026، في كشف البنية الداخلية لفوبوس وتحسين فهم كيفية استجابته لقوى المريخ الجذبية.
يُعد "فوبوس" و"ديموس"، قمرا المريخ، من أكثر الأجسام الصغيرة إثارة للجدل في النظام الشمسي من حيث الأصل والتكوين.
فبينما يعتقد بعض العلماء أنهما كويكبان جرى أسرهما بفعل جاذبية المريخ في زمن مبكر من تاريخ النظام الشمسي، تشير فرضيات أخرى إلى أنهما قد يكونان ناتجين عن اصطدام هائل ضرب المريخ وخلّف قرصا من الحطام تكاثف لاحقا ليكوّن القمرين.
ويتميز "فوبوس" (22 كيلومترا تقريبا) بمدار منخفض وسريع يجعله يقترب تدريجيا من المريخ تمهيدا لتمزقه مستقبلا، في حين يدور "ديموس" (12-13 كيلومترا) في مدار أبعد وأكثر استقرارا، ما يمنحه عمرا أطول نسبيا.
ويبدو أن "فوبوس" ليس مجرد قمر صغير يدور حول المريخ، بل جسم هشّ يعيش في سباق زمني مع قوى الجاذبية التي تسحبه نحو نهايته المحتومة.
ومع ذلك، فإن ما تكشفه النماذج الحديثة يضيف بعدا أكثر درامية، فهو ليس مجرد سقوط هادئ في المستقبل البعيد، بل تفكك عنيف قد يحوّل هذا القمر إلى سحابة من الحطام الكوني تدور حول الكوكب الأحمر.
وفي هذا المشهد الكوني الصامت، يذكّرنا "فوبوس" بأن حتى الأجسام السماوية ليست خالدة، وأن النظام الشمسي نفسه في حالة تغيّر دائم لا يتوقف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة