في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
شهدت مالي تصعيدا أمنيا لافتا، في سياق استمرار مساعي الطوارق وحلفائهم نحو الاستقلال شمال البلاد والإطاحة بالنظام العسكري الحاكم، وفي هذا السياق، برزت جبهة تحرير أزواد كتحالف متمرد تأسس عام 2024 من فصائل أزوادية متعددة.
وترتكز أجندة الجبهة على السعي إلى حق تقرير مصير سكان الشمال، مع الدفع نحو صيغة حكم ذاتي في الشمال، وذلك ضمن بيئة سياسية وأمنية شديدة التقلب.
ووفقا للتقارير، فقد تعرّضت البلاد في 25 أبريل/نيسان 2026 لهجمات استهدفت مناطق وقواعد عسكرية، أسفرت عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، وزوجته، إلى جانب سقوط ضحايا آخرين، كما سُجلت انفجارات متقطعة في محيط مطار موديبو كيتا الدولي في العاصمة باماكو، وسقطت مدينة كيدال في أقصى الشمال في أيدي المتمردين.
جاء إعلان تشكيل جبهة تحرير أزواد في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 نتيجة مباشرة لتراكمات أمنية وسياسية شهدها شمال مالي، أعادت تشكيل مشهد الفاعلين المسلحين في المنطقة.
ففي عام 2017، برز تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين باعتباره قوة مهيمنة بعد اندماج عدة جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، ما أدى إلى تصاعد الهجمات واتساع رقعة السيطرة في شمال مالي.
ومع تفاقم الوضع الأمني، شهدت باماكو انقلابا عسكريا في أغسطس/آب 2020، قاده العقيد آسيمي غويتا، في 25 مايو/أيار 2021، أطاح بالرئيس المنتخب إبراهيم بوبكر كيتا، تلاه انقلاب آخر نفذه غويتا أيضا وأطاح بالرئيس الانتقالي باه نداو ورئيس حكومته مختار وان، قائلا إنهما فشلا في أداء مهامهما وإنهما "يسعيان إلى تخريب عملية الانتقال في البلاد".
وبالتوازي مع ذلك، توترت العلاقات بين السلطات الانقلابية والشركاء الدوليين، وخصوصا فرنسا التي اضطرت لاحقا لإنهاء وجودها العسكري في البلاد على وقع ضغوط من الانقلابيين، ووسط تصاعد في الرفض الشعبي لبقاء القوات الفرنسية في البلاد.
ومع انسحاب القوات الفرنسية عام 2022، دخلت عناصر من مجموعة فاغنر الروسية إلى المشهد لسد الفراغ الأمني، في وقت كانت فيه مالي تعيد تموضعها سياسيا بعد تعليق عضويتها في إيكواس ومطالبتها بخروج بعثة الأمم المتحدة في 2023.
وأدى ذلك التحول إلى فراغات ميدانية، خصوصا في الشمال، حيث اندلع صراع مباشر بين الجيش المالي ومقاتلي الحركات الناشطة في أزواد للسيطرة على القواعد التي أُخليت، وهو ما فاقم من الخسائر البشرية وأجبر عشرات آلاف من المدنيين على النزوح.
وفي يناير/كانون الثاني 2024، شكّل إلغاء اتفاق الجزائر الموقع في العام 2015 نقطة تحول مفصلية، إذ أعاد فتح جبهات القتال مع الجماعات المسلحة، بما فيها فصائل الطوارق. وفي ظل هذا التصعيد، برزت الحاجة لدى بعض الحركات الأزوادية لإعادة هيكلة صفوفها ضمن إطار موحد أكثر فاعلية.
وضمن هذا السياق، أعلنت فصائل عدة من أهمها الحركة الوطنية لتحرير أزواد (الطوارق)، والمجلس الأعلى لوحدة أزواد، والحركة العربية الأزوادية وغيرها عن إنشاء كيان جديد هو جبهة تحرير أزواد، ليمثل كيانا جامعا للمكونات السابقة، بقيادة العباس أغ إنتالا، وليكون الكيان الجديد منصة سياسية عسكرية جديدة تعيد طرح مطلب تقرير المصير، وتسعى إلى تعزيز النفوذ في شمال مالي ضمن بيئة إقليمية معقدة ومتغيرة.
وتعود جذور الصراع في منطقة أزواد بشمال مالي إلى فترة طويلة، إذ سعى الطوارق منذ بداية القرن العشرين إلى إقامة دولة خاصة بهم. وبعد استقلال مالي عن الاستعمار الفرنسي عام 1960، تصاعدت هذه المطالب بشكل أكبر.
يقطن شمال مالي بشكل رئيسي الطوارق والعرب، ولديهم ارتباطات اجتماعية وثقافية مع دول الجوار مثل الجزائر والنيجر وموريتانيا، أكثر من ارتباطهم بباقي مكونات المجتمع في جنوب مالي.
بدأت أولى التمردات عام 1962، عندما شن الطوارق هجمات على مواقع حكومية، لكنّ الجيش تمكن من إنهائها، ما أدى إلى نزوح عدد كبير من السكان وزيادة التوتر. كما أسهمت موجات الجفاف التي ضربت المنطقة في تفاقم الأوضاع، بسبب تأثيرها الكبير على حياة السكان البدو.
وفي عام 1990، اندلع تمرد جديد بمشاركة طوارق من شمال النيجر، وظهرت عدة حركات مسلحة، أبرزها الحركة الشعبية لتحرير أزواد، والجبهة الإسلامية العربية لأزواد، والحركات والجبهات المتحدة لأزواد.
ورغم توقيع اتفاق سلام مع بعض هذه الجماعات عام 1995، فإن التوترات لم تنتهِ، واستمرت الهجمات بشكل متقطع في شمال مالي.
في مطلع عام 2012، وبعد موجة جديدة من الهجمات التي قادها الطوارق إلى جانب جماعات مسلحة أخرى بعضها تابع لتنظيم القاعدة، أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد بقيادة بلال أغ الشريف، عن قيام دولة مستقلة في شمال مالي.
في بداية الصراع، تحالفت الحركة مع جماعة أنصار الدين بقيادة إياد أغ غالي، لكنّ هذا التحالف لم يكن مستقرا، إذ سرعان ما اندلعت اشتباكات بين الطرفين.
استغل المتمردون حالة الفوضى التي أعقبت انقلابا عسكريا في باماكو في مارس/آذار 2012، وتمكنوا من السيطرة على مدن رئيسية في الشمال مثل كيدال وتمبكتو وغاو. وفي 6 أبريل/نيسان من العام نفسه، أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد استقلال المنطقة.
لكنّ الخلافات ظهرت مجددا، فقد كان هدف الطوارق هو الحكم الذاتي، بينما سعت أنصار الدين وحلفاؤها إلى فرض تطبيق الشريعة في المناطق الخاضعة لسيطرتهم. ومع الوقت، سيطرت هذه الجماعات على مسار الأحداث، ما أدى إلى تراجع دور الحركة الوطنية لتحرير أزواد.
في عام 2013، تدخلت فرنسا عسكريا بطلب من الحكومة المالية، ونشرت نحو 4 آلاف جندي لدعمها.
وفي عام 2015، وُقّع اتفاق الجزائر بين الحكومة وتحالف من جماعات الطوارق، بهدف تهدئة الوضع، مع وعود بمنح الشمال مزيدا من الحكم الذاتي وتحسين الأوضاع الاقتصادية. كما أُرسلت قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة إلى المنطقة لدعم الاستقرار.
ويوم السبت الماضي، أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وجبهة تحرير أزواد مسؤوليتها عن سلسلة هجمات استهدفت مواقع عدة في مالي، شملت مدينة كاتي ومطار العاصمة باماكو، إضافة إلى مناطق في الشمال مثل موبتي وسيفاري وغاو، وذلك يوم 25 أبريل/نيسان 2026، ووُصفت تلك الهجمات بأنها من بين أكثر العمليات جرأة ضد الحكومة التي يقودها الجيش المالي.
من جانبه، أكد الجيش المالي أنه تمكن من صد الهجمات التي استهدفت عدة مواقع في باماكو ومحيطها، مشيرا إلى مقتل مئات المهاجمين، وبدء عمليات تمشيط واسعة في العاصمة ومحيطها، إضافة إلى مناطق أخرى من البلاد، بما فيها مناطق تعدين الذهب.
في المقابل، أفادت الجماعة المسلحة بالسيطرة على مدينتي كيدال وغاو في شمال البلاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة