في تطور ميداني متسارع، تشهد مالي واحدة من أعقد لحظات الصراع منذ سنوات، بعد هجوم واسع ومنسق أعاد خلط الأوراق عسكريا، من أقصى الشمال إلى قلب العاصمة، فبينما أعلنت جبهة تحرير أزواد استعادة السيطرة على كيدال، تزامنت العملية مع تحركات قتالية في غاو وموبتي، ومع إطلاق نار في محيط العاصمة باماكو، في مشهد يعكس انهيارا متزامنا في عدة جبهات.
وبحسب معطيات ميدانية متقاطعة، فإن قوات أزواد تمكنت من استعادة كيدال، المعقل التاريخي للحركات الأزوادية، عبر هجوم مباغت وسريع، شمل أيضا محاور في غاو وموبتي، مستفيدة من تنسيق عملياتي واسع النطاق.
ويعيد هذا التطور الشمال المالي إلى واجهة النزاع المفتوح، بعد أشهر من الجمود النسبي.
في الجنوب، اتخذ التصعيد منحى أكثر خطورة، إذ سُمع دوي إطلاق نار صباح السبت في منطقة كاتي القريبة من العاصمة، حيث يقع مقر إقامة رئيس المجلس العسكري الجنرال أسيمي غويتا، وفق ما أفادت به مصادر ميدانية وشهود، ونقلته وكالة فرانس برس.
كما سُجلت أصوات إطلاق نار في غاو شمالا، وفي سيفاري وسط البلاد، دون إعلان رسمي عن الجهة المنفذة.
وتشير مؤشرات ميدانية إلى أن جماعة جبهة نصرة الإسلام والمسلمين قد تكون وراء الهجمات التي طالت منطقة كاتي، في تزامن لافت مع تحركات جبهة تحرير أزواد في الشمال، ما يطرح فرضية "تعدد الضربات" أو استثمار اللحظة الميدانية من أطراف مختلفة.
وترافقت هذه التطورات مع أنباء غير مؤكدة عن اعتقال وزير الدفاع المالي ساجو كامارا، في حين تحدثت مصادر أخرى عن فرار حاكم كيدال العسكري حاجي غامو عبر مروحية، في مؤشر على ارتباك داخل المؤسسة العسكرية، رغم غياب تأكيد رسمي حتى الآن.
خلفية صراع ممتد
تأتي هذه التطورات في سياق نزاع مستمر منذ أكثر من عقد، حيث تواجه مالي تمردا مركبا تقوده جماعات جهادية مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، إلى جانب حركات محلية مسلحة في الشمال.
ومنذ عام 2020، تعيش البلاد تحت حكم عسكري بعد انقلابين متتاليين، عززا قبضة المؤسسة العسكرية على السلطة.
ابتعدت باماكو تدريجيا عن شركائها الغربيين، خاصة فرنسا، واتجهت نحو تعزيز تعاونها العسكري مع روسيا، حيث لعبت مجموعة فاغنر دورا بارزا منذ 2021، قبل أن تعلن في يونيو 2025 إنهاء مهمتها بصيغتها السابقة والتحول إلى كيان خاضع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية.
في المقابل، شدد المجلس العسكري إجراءاته الداخلية، عبر حل الأحزاب السياسية وتقييد الإعلام، في وقت لم يفِ فيه بتعهده تسليم السلطة إلى المدنيين بحلول مارس 2024. وفي يوليو 2025، مُنح غويتا رئاسة تمتد لخمس سنوات قابلة للتجديد دون انتخابات، ما زاد من حدة الانتقادات الداخلية والدولية.
مرحلة جديدة من التصعيد
يعكس تزامن العمليات في الشمال والجنوب انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدا، حيث لم تعد الجبهات منفصلة جغرافيا، بل باتت مترابطة في إطار ضغط متعدد الاتجاهات على الدولة. ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا التصعيد إلى تسريع وتيرة الانهيار الأمني، خاصة في ظل هشاشة المؤسسات وتعدد الفاعلين المسلحين.
ومع استمرار غياب رواية رسمية متماسكة، تبقى الساعات المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأحداث، وسط مخاوف من انزلاق مالي إلى مواجهة مفتوحة على جميع الجبهات.
المصدر:
سكاي نيوز