آخر الأخبار

بعد سنوات من عدم الاكتراث.. ليبيا مجددا في بؤرة اهتمام الغرب

شارك
اقتحام تكتيكي في ليبيا: جنود يقتحمون مبنى خلال تدريب «فلينتلوك 2026» للعمليات الخاصةصورة من: Special Operations Command Africa

قطرات مطر خفيفة تهطل، بينما نتجمع على مدرج مطار شتوتغارت العسكري في جنوب ألمانيا. الساعة الآن هي الثانية والنصف صباحاً، وقد حان وقت الإقلاع.

طائرة ركاب عسكرية من طراز "داش 8" جاهزة، للصعود. الطائرة ستُقلنا إلى مدينة سرت في ليبيا . في عام 2015، حوّل ما يُسمى بتنظيم " الدولة الإسلامية " هذه المدينة الساحلية إلى أكبر معقل له خارج العراق وسوريا. ولم يتم تحرير هذه المدينة إلا بعد أشهر من القتال العنيف، على يد قوات مسلحة ليبية، وذلك بدعم من غارات جوية أمريكية. لكن هذه لم تكن المعركة الأخيرة في سرت، حيث كانت ليبيا غارقة بالفعل في حرب أهلية.

تدريبات لتوحيد القوات الليبية

بعد قتال استمر سنوات، اتفقت الفصائل المتناحرة على وقف إطلاق النار في عام 2020. لكن هذه الدولة الغنية بالنفط ظلت منقسمة بين إدارتين منذ عام 2014.

حالياً، يخضع غرب ليبيا لسيطرة حكومة الوحدة الوطنية، وهي حكومة مؤقتة معترف بها دولياً. حكومةٌ برئاسة رئيس الوزراء عبد الحميد دبيبة توسطت الأمم المتحدة في تشكيلها، ومقرها طرابلس. أما الإدارة الشرقية، فمقرها طبرق ويقودها أسامة حماد، المدعوم من قبل "أمير الحرب" الذي تحول إلى سياسي، خليفة حفتر .

وصل الجنرال جون برينان لحضور حفل افتتاح معرض فلينتلوك 2026 في سرتصورة من: Special Operations Command Africa

هذا الأسبوع الثالث من إبريل/نيسان 2026، انطلقت في سرت تدريبات أُطلق عليها "فلينتلوك 2026"، وهي تدريبات للعمليات الخاصة تقودها الولايات المتحدة وتشارك فيها 30 دولة. تدريبات "فلينتلوك" تُقام في أنحاء القارة منذ عام 2005، بمشاركة دول أوروبية وإفريقية. لكن هذا العام، ولأول مرة على الإطلاق، تشارك قوات ليبية من طرفي البلاد في التدريبات. كما تستضيف ليبيا أجزاءً من هذه التدريبات أيضا.

عودة إلى متن الطائرة "داش 8"، حيث اللواء جون برينان هو الشخصية المهمة لهذا اليوم. نائب قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا، يقوم بزيارة تفقدية لمراقبة التدريبات العسكرية. في حديثه مع الصحافة، أكد المسؤول الأمريكي مراراً على مدى أهمية جمع القوات الليبية من شرق البلاد وغربها في هذه التدريبات.

برينان يقول: " الشعب الليبي يستحق قوات أمنية موحدة لحمايته وحماية مصالحه. فالأمن يولد الازدهار".

التصدي للتنظيمات الإرهابية النشطة في المنطقة

جَمْع جنود من الطرفين معاً، وهم يرتدون الزي العسكري نفسه خلال تدريبات "فلينتلوك 2026"، يُعتبر إنجازاً كبيراً.

عند سؤاله عن الغرض من مشاركة الولايات المتحدة في المنطقة، قال برينان: "ليبيا تُعدّ منطقة استراتيجية حاسمة بالنسبة للجوار الجنوبي لحلف الناتو".

وكالات الاستخبارات الغربية تشعر بقلق بالغ إزاء أنشطة جماعات إرهابية مثل ما يُسمى بتنظيم ”الدولة الإسلامية" والقاعدة في المنطقة. يبدو أن هذه الجماعات تتوسع بسرعة في إفريقيا، لا سيما في منطقة الساحل، حيث تقوم باختطاف مدنيين وشن هجمات كبيرة ضد عسكريين ومدنيين، على حد سواء.

من وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن تحقيق الاستقرار في ليبيا يتعلق كذلك بمنع هذه التهديدات من أن تصبح عالمية، كما يوضح أحد المسؤولين.

التنافس على المصالح

الأمر يتعلق حتماً بفرص اقتصادية أيضا. فالهدف يكمن في أخذ "المجالات التي تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة" بعين الاعتبار، وفقًا لمسؤول أمريكي في مجال الدفاع تحدثت إليه قناة "DW". وهذا ما يتماشى مع استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي تحدد الأمن الاقتصادي، بما في ذلك ضمان الوصول إلى سلاسل التوريد والمواد الحيوية، كأحد أولوياتها. وبالفعل، إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حريصة على الوصول إلى الموارد في المنطقة.

لكن الأمر ينطبق أيضاً على أطراف فاعلة أخرى.

روسيا ، على سبيل المثال، لديها مصالح في احتياطيات ليبيا من النفط والذهب. مرتزقة " مجموعة فاغنر " الروسية السابقة، التي أعيد تسميتها الآن بـ "فيلق إفريقيا"، تعمل في ليبيا منذ عام 2019، حيث تقوم بالتعاون مع القوات الموالية لحفتر وتوريد المعدات العسكرية لها.

في الوقت نفسه، تركز استراتيجية الصين إزاء إفريقيا على ضمان الوصول طويل الأمد إلى المعادن الحيوية، على سبيل المثال من خلال الاستحواذ على منشآت تعدين كبرى.

ليبيا منقسمة بحكم الأمر الواقع بين مركزين متنافسين للقوى، لكن ممثلي كلا المركزين حضروا حفل افتتاح مناورة عسكرية مشتركة.صورة من: Special Operations Command Africa

محاكات سيناريو تحرير رهائن

بعد رحلة طيران استغرقت خمس ساعات، وصلنا أخيراً إلى سرت، حيث يقودنا موكب لا نهاية له من سيارات الدفع الرباعي إلى موقع التدريب المحدد. على طول الطريق، نرى كل بضع مئات من الأمتار، جنوداً ورجال شرطة ومركبات مدرعة.

سيناريو التدريب بسيط. إذ يتعين على القوات الخاصة الليبية والأمريكية تحرير رهائن قام إرهابيون باختطافهم واحتجازهم كرهائن. وعليهم أيضا القضاء على التهديد الإرهابي. القوات تتحرك بسرعة تحت إشراف جنرالات زائرين وغيرهم من كبار الشخصيات، ومن بينهم جيانلوكا ألبيريني، سفير إيطاليا لدى ليبيا.

يقول ألبيريني: "بالنسبة لإيطاليا وأوروبا والولايات المتحدة، ستكون ليبيا الموحدة قادرة على توفير الاستقرار للمنطقة بأسرها". وعند سؤاله عن الشكوك حول مدى التزام الفصائل المتنافسة في ليبيا حقاً بإنشاء دولة موحدة، أقرّ السفير الإيطالي بأن "الأمر يمثل عملية مستمرة"، ووصف انخراط الولايات المتحدة في هذه المنطقة بأنه "عامل مهم".

توحيد ليبيا "ليس خياراً، بل ضرورة"

قبل عامين، كان من الصعب تصور إجراء تدريبات عسكرية كهذه، مع وجود مركز عمليات مشترك جديد لجميع القوات الليبية. لكن اليوم، يلقي قادة عسكريون ليبيون من فصائل متناحرة في شرق البلاد وغربها كلمات وخطابات في سرت، واصفين الطريق نحو إعادة توحيد ليبيا بأنه "ليس خياراً بل ضرورة".

يقول برينان إن حجم الاستثمارات الاقتصادية المحتملة "يمثل حافزاً لإعادة التوحيد" بالنسبة للإدارات المتنافسة في ليبيا. وهذا ما يؤمن به المسؤولون الآخرون المجتمعون في سرت أيضاً. الكثيرون يرون أن من شأن توحيد الجيش الليبي أن يقلل أيضاً من نفوذ روسيا.

روسيا تضاعف قواتها

في أعقاب الانقلابات العسكرية التي وقعت في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، طُردت القوات الغربية إلى حد كبير من منطقة الساحل. والحكومات المتعاقبة في تلك الدول فتحت أبوابها لروسيا. وهذا السيناريو لا ترغب الولايات المتحدة ولا الدول الأوروبية في تكراره في بلدان مجاورة أخرى.

منذ عام 2024، ضاعفت روسيا انتشارها العسكري في غرب إفريقيا، وهي تسعى جاهدةً إلى تعزيز وجودها ونفوذها في ليبيا أيضاً. ففي عام 2024، أُعيد فتح سفارة لروسيا في طرابلس. وهناك تقارير تُشير إلى نقل أفراد ومعدات عسكرية إلى قاعدة مهجورة بالقرب من الحدود مع تشاد والسودان.

السفير البريطاني مارتن رينولدز في سرت، يقول: "من الواضح أن الوجود العسكري الروسي الكبير في ليبيا على الجانب الجنوبي لحلف الناتو يمثل مصدر قلق لنا".

وتابع رينولدز القول: "نود أن نرى حكومة يمكننا العمل معها عن كثب، حكومة لا ترى ضرورة لجلب قوى أجنبية بالطريقة التي يحدث بها ذلك في الوقت الحاضر".

أعده للعربية: علاء الدين عبد القادر

تحرير: عبده جميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا