في تحليل نشرته صحيفة "الغارديان"، يرى الكاتب الباكستاني سعيد شاه أن بلاده، وفي دورها الجديد كوسيط بين إيران والولايات المتحدة ، تعمل حالياً على تضييق الفجوات بين الطرفين، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى إعادة تموضعها دبلوماسياً والاستفادة من ذلك اقتصادياً.
ويعتقد شاه أن تحركات إسلام آباد لا تنبع فقط من رغبتها في تحقيق السلام الإقليمي، بل أيضاً من مخاوفها من الانجرار إلى الحرب، واعتمادها الكبير على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
ورغم أن باكستان غالباً ما يُنظر إليها على أنها "مشكلة دولية" تعاني من التطرف الديني واقتصاد على حافة الهاوية، إلا أنها استغلت حيادها النسبي في هذا النزاع لتقديم نفسها كـ"الشخص البالغ في الغرفة"، حسب إشارته.
وقد أسهمت زيارة رئيس أركان الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى طهران الأسبوع الماضي (والتي استمرت ثلاثة أيام) في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وإلى اختراق مؤقت بشأن فتح مضيق هرمز. ويتوقع مسؤولون باكستانيون تقديم تنازلات من الجانبين، تشمل البرنامج النووي الإيراني بصفته أكثر الملفات تعقيداً. وفي حال التوصل إلى اتفاق، تطمح إسلام آباد إلى أن يسافر ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان لتوقيعه.
يعتقد الكاتب أن هذه قد تكون فرصة باكستان الذهبية بصفتها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً وجيشاً قوامه 600 ألف جندي للحصول على دورها الإقليمي الكامل الذي طالما رأت أنها تستحقه ولم تحصل عليه بعد. ومع تشكّل نظام عالمي متعدد الأقطاب، تسعى إسلام آباد لتعزيز نفوذها باستخدام قوتها العسكرية لموازنة اقتصادها المتعثر واضطرابها السياسي.
يُرجِع الكاتب هذا الدور إلى عدة عوامل. فمن جهة، أتاحت إدارة ترامب الفرصة لباكستان بسبب حاجة واشنطن إلى وسيط مع إيران، وهو الدور الذي تولاه المشير منير بعد اجتماع مفاجئ في البيت الأبيض مع ترامب في يونيو/حزيران 2025. ومن جهة أخرى، عزز الدعم الدبلوماسي الذي قدمته إسلام آباد لإيران خلال حربها التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل العلاقات بين الجانبين.
وينقل التقرير عن علي سرور نقوي، الدبلوماسي الباكستاني السابق ورئيس مركز دراسات الأمن الدولي في إسلام آباد، قوله إن إيران لم تعد تثق بالمنصات الأوروبية التقليدية مثل جنيف وفيينا. وأضاف: "باكستان تحظى بثقة جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، كما أنها تحظى بثقة إيران. إنها دولة كبيرة تمتلك قدرات نووية وموقعاً استراتيجياً مهماً".
ولعقود، نجحت هذه الدولة في الحفاظ على علاقات وثيقة مع كل من بكين وواشنطن، إلى جانب شراكة عميقة مع دول الخليج. كما تمكنت من استثمار علاقتها بالصين لتقديم ضمانات لإيران من أجل الدخول في مفاوضات السلام.
وبحسب السفير الباكستاني السابق زامير أكرم، فإن سفارة باكستان في واشنطن كانت تمثل المصالح الإيرانية هناك منذ الثورة عام 1979، كما لعبت باكستان دوراً سرياً في عام 1971 أدى إلى إقامة العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. وأضاف أكرم: "دور باكستان اليوم ليس وليد اللحظة. مهمتها هي التأكد من أن الطرفين يشعران بأنهما يحصلان على مخرج مشرّف".
لكن ورغم هذه الدبلوماسية المعقدة، تظل الهشاشة الاقتصادية لباكستان حاضرة بقوة، وقد برزت في الأيام الأخيرة مع انقطاعات يومية للكهرباء بهدف توفير التكاليف، وحصولها على قرض طارئ بقيمة 3 مليارات دولار من السعودية . وتأمل إسلام آباد أن يؤدي ارتفاع مكانتها الدولية إلى جذب مزيد من الاستثمارات، رغم أن ذلك يتطلب إصلاحات اقتصادية مثل خفض الضرائب وتعزيز القوانين.
ويقول جوشوا وايت، المسؤول السابق في البيت الأبيض وأستاذ في جامعة جونز هوبكنز، إن صانع القرار الأميركي التقليدي كان سيلاحظ ضعف نفوذ باكستان في الملف الإيراني، لكن إدارة ترامب تعتمد اليوم على الطابع الشخصي في اتخاذ القرار. وأضاف: "باكستان تصرفت بذكاء وبراغماتية في التعامل مع إدارة ترامب، وقد استفادت بالكامل من هذا الواقع".
من جهتها، قالت إليزابيث ثريلكِلد، الدبلوماسية الأميركية السابقة والباحثة في مركز ستيمسون، إن مكانة باكستان في واشنطن تحسنت بفضل دورها في صراعها مع الهند العام الماضي، ودورها المتزايد في الشرق الأوسط، واتفاق الدفاع الذي وقعته مع السعودية. وأضافت أنه طالما لم تضع باكستان توقعات غير واقعية، فإن مجرد استضافتها للمفاوضات يمنحها مكاسب دبلوماسية دون خسائر كبيرة.
المصدر:
يورو نيوز