يرى نيت سوانسون -وهو مفاوض أمريكي سابق بشأن إيران وزميل بارز في "المجلس الأطلسي" (مركز بحثي بواشنطن)- أن الولايات المتحدة لا تزال تستخف بمدى صلابة إيران في الصراع الجاري بالمنطقة، وذلك في ظل حالة عميقة من انعدام الثقة وسوء الفهم بين الطرفين.
وانطلاقا من خبرته داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، يقول سانسون في مقال بمجلة فورين أفيرز إن إيران تكيفت مع الحرب بشكل أفضل مما كان متوقعا، وتمكنت من امتلاك ورقة ضغط إستراتيجية جديدة تتمثل في قدرتها على تعطيل التجارة العالمية عبر مضيق هرمز.
وأشار الكاتب إلى أن فشل المفاوضات الأخيرة بين أمريكا وإيران في باكستان يعكس حجم التباعد بين الطرفين، ذلك أن واشنطن تطالب طهران بإعادة فتح مضيق هرمز، وفرض قيود صارمة على برنامجها النووي والصاروخي، وتقليص دعمها لوكلائها الإقليميين.
في المقابل، تسعى إيران إلى رفع العقوبات المفروضة عليها، والاعتراف بنفوذها في مضيق هرمز ورقة تفاوضية، ووقف إطلاق النار في لبنان، وضمانات بعدم استئناف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية عليها.
ويرى الكاتب أن إيران أعادت بناء قدرتها على الردع رغم الضربات العسكرية القاسية التي تلقتها، مشيرا إلى أن طهران ظلت تعتمد على ثلاثة أعمدة للردع هي برنامجها الصاروخي، وقدرتها الكامنة على تطوير سلاح نووي، وشبكة وكلائها الإقليميين، وهي ركائز تعرضت لضربات شديدة بعد عام 2023، لكنَّ إيران كشفت عن أداة رابعة هي السيطرة على مضيق هرمز.
وفي هذا الصدد، يوضح سوانسون أن إيران قادرة على تعطيل حركة الملاحة في المضيق باستخدام وسائل منخفضة التكلفة نسبيا، مثل المسيّرات والألغام البحرية ومضايقة السفن، مما يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية كبيرة.
وقد أدت الهجمات المحدودة بالفعل إلى ارتفاع تكاليف التأمين وتوقف حركة الشحن، وهو ما يمنح طهران قدرة على ما سمّاه "احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة". ويرى الكاتب أن هذه الورقة أكثر تأثيرا من أدوات الردع التقليدية لأنها تمس مباشرة الأسواق العالمية ومصالح الولايات المتحدة.
ويضيف الكاتب أن الإستراتيجية الإيرانية فعالة اقتصاديا، إذ تعتمد على وسائل رخيصة لفرض تكاليف باهظة على خصومها الذين يستخدمون أنظمة دفاعية مكلفة، وهو ما يمنح إيران أفضلية واضحة، إذ إن ارتفاع أسعار النفط أسهم في تحسين الوضع المالي لإيران، رغم تأثيره السلبي في الاقتصاد العالمي.
ويلاحظ سوانسون أن الرئيس دونالد ترمب حاول الرد عبر فرض حصار مضاد على مضيق هرمز، لكنَّ هذا النهج قد يوفر مكاسب قصيرة الأمد فقط لأن إيران أكثر قدرة على تحمُّل الضغوط الاقتصادية، نظرا لتجربتها الطويلة مع العقوبات.
كما أن الحرب بالنسبة لها مسألة وجودية -يضيف الكاتب- مما يجعلها مستعدة لتحمُّل تكاليف أعلى مقارنة بالولايات المتحدة التي تواجه ضغوطا داخلية، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
من جهة أخرى، توقف الكاتب عند ما سمّاها مرونة النظام السياسي الإيراني، وقال إن كثيرا من المحللين كانوا يعتقدون أنه هش وقابل للانهيار، لكنَّ الأحداث أظهرت عكس ذلك، إذ حافظت إيران على تماسكها، واستمرت عملية صنع القرار فيها بشكل منسق وفعّال، رغم خسارة عدد من كبار القادة.
ويحذر الكاتب من أن صناع القرار في واشنطن بالغوا تاريخيا في تقدير قدرتهم على التأثير في السياسة الداخلية الإيرانية، وقال إن محاولات الإدارات الأمريكية المختلفة، من رونالد ريغان إلى دونالد ترمب، لم تنجح في تغيير سلوك النظام أو دفعه نحو الاعتدال أو الانهيار. ويرى أن النهج الأمريكي الحالي الذي يجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي لن يؤدي إلى نتائج سريعة.
وسلط الكاتب الضوء على مشكلة متكررة في العلاقات الأمريكية الإيرانية، هي سوء الفهم المتبادل، إذ إن إيران غالبا ما تعتقد أن إطالة أمد المفاوضات سيمنحها تنازلات إضافية، في حين ترى واشنطن في ذلك دليلا على المماطلة. وحذر من أن الطرفين قد يكرران الأخطاء نفسها، مما يقلل فرص التوصل إلى تسوية.
ورغم امتلاك إيران أوراق ضغط جديدة، فإن سوانسون يشير إلى أنها لا تزال تواجه تحديات داخلية عميقة، من بينها التضخم وأزمات المياه والاستياء الشعبي، لكنَّ الحرب منحتها دفعة مؤقتة عبر تعزيز النزعة الوطنية، في حين تظل المشكلات البنيوية قائمة، مما يوحي بأن البلاد قد تشهد صراعات داخلية على السلطة بعد انتهاء الحرب.
وعلى ضوء هذه المعطيات، يدعو الكاتب إدارة الرئيس ترمب إلى تعديل توقعاتها، مشددا على أن إيران لن تستسلم بسهولة للضغوط. وبدلا من السعي إلى اتفاقات شاملة، يقترح التركيز على أهداف محدودة مثل إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الأعمال القتالية، مع تقليل التنازلات قدر الإمكان.
وفي المدى البعيد، يشدد سوانسون على ضرورة وضع إستراتيجية أمريكية واضحة ومتماسكة تجاه إيران، بدلا من محاولة فرض تغييرات داخلية عليها، خاصة بعد أن أثبتت قدرتها على الصمود واستغلال نقاط ضعف النظام العالمي.
وأمام هذا الوضع، يخلص الكاتب إلى أن أفضل الخيارات أمام واشنطن في المرحلة الحالية هي الخروج المدروس من الحرب على إيران، والاستعداد للتعامل مع القيادة الإيرانية التي ستنبثق في المرحلة المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة